شرع القرآن الكريم في مواجهة جريمة القتل القصاص لردع المجرمين، الذين يستبيحون الدماء ويعتدون على الأرواح وتوعد هؤلاء القتلة بأشد ألوان العذاب في الآخرة لزجرهم عن ارتكاب هذه الجريمة النكراء حماية لحياة الإنسان الذي كرمه خالقه وسخر كل ما في هذا الكون لخدمته .

وموقف القرآن المتشدد من جريمة القتل العمد يؤكد عظمة هذا الدستور الإلهي الذي أراده الخالق حماية للإنسان من كل ما يضر بحياته أو يلحق به الأذى النفسي والمعنوي .

أول جريمة قتل

وقد سجل القرآن الكريم أول جناية قتل وهي قتل قابيل لأخيه هابيل، وكان الدافع إليها الحسد والغيرة، حيث يقول الحق سبحانه في سورة المائدة: واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين . لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين . إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين . فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين . فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين .

فهذه الآيات تحكي قصة قابيل مع أخيه هابيل وكيف كان قابيل ظالماً جاحداً قاسياً مع أخيه هابيل ودفعه حسده وحقده عليه إلى إزهاق روحه، ورغم محاولات هابيل إثناء شقيقه عن ارتكاب هذه الجريمة النكراء وتذكيره بحقوق الأخوة، وما تقتضيه من محبة ومودة وتسامح إلا أن نفس قابيل الشريرة طوعت له قتل أخيه فأصبح بجريمته من الخاسرين . . وتشير الآيات إلى شناعة القتل، وشناعة الباعث عليه، وهو الحسد رغم ما بين القاتل والمقتول من صلة أخوة تقتضي المحبة والمودة والتراحم .

بشاعة الجريمة

ثم أعقب الحق سبحانه الحديث عن جريمة قابيل ضد أخيه هابيل بقوله عز وجل: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً .

والمعنى أنه بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل ظلماً وعدواناً كتبنا في التوارة على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا واحدة من النفوس الإنسانية بغير نفس أي بغير ما يوجب الاقتصاص منها أو فساد في الأرض أي بغير فساد في الأرض يوجب إهدار الدم كالردة وزنى المحصن، فكأنما قتل الناس جميعاً، لأن الذي يقتل نفساً بغير حق يكون قد استباح دماً مصوناً حماه القرآن بشرائعه وأحكامه، ومن استباح هذا الدم في نفس واحدة، فكأنما قد استباحه في نفوس الناس جميعاً، إذ النفس الواحدة تمثل النوع الإنساني كله . . ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، أي: ومن تسبب في إحيائها وصيانتها من العدوان عليها، فكأنه استنقذها مما يؤدي بها إلى الهلاك والأذى الشديد أو مكن الحاكم من إقامة الحد على قاتلها بغير حق . . من فعل ذلك فكأنما تسبب في إحياء الناس جميعاً . وفي موقف القرآن هذا كما يقول د . عبدالرحمن العدوي أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو هيئة كبار العلماء أسمى ألوان الترغيب والحث على صيانة الدماء، وحفظ النفوس من العدوان عليها حيث شبه سبحانه قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعاً، وإحياءها بإحياء الناس جميعاً .

وإلى جانب النص القرآني السابق وما فيه من ترهيب من العدوان على نفس بريئة وترغيب في حماية نفس الإنسان وصيانتها من كل أذى جاء التحذير والوعيد الإلهي للقتلة والمجرمين الذين يعتدون على الأبرياء في قوله سبحانه في سورة النساء: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيماً .

ففي هذه الآية الكريمة توعد الله تعالى القاتل لغيره ظلماً وعدواناً بعقوبات كثيرة ومتنوعة هي: الخلود في جهنم، وغضب الله على هذا القاتل، وحلول اللعنة عليه وحلول العذاب العظيم عليه في الآخرة .

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار . وقال صلوات الله وسلامه عليه: كل ذنب عسى الله تعالى أن يغفره إلا من مات مشركاً، أو مؤمن قتل مؤمناً متعمداً .

القتل العمد

لكن ما هو القتل العمد الذي توعد الخالق فاعله بالعذاب الأليم والعقاب الرادع؟

أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر د . صبري عبدالرؤوف يقول: القتل العمد عرفه فقهاء الإسلام بأنه أن يقوم إنسان بالغ عاقل عامداً بقتل إنسان آخر لا يستحق القتل، وأن يكون قتله له بآلة يغلب على الظن القتل بها كالسيف أو السلاح الناري، أو أن يكون قتله له بطريقة يغلب على الظن القتل بها كأن يخنقه بطريقة تؤدي إلى الموت، أو أن يسقيه سماً يؤدي إلى هلاكه .

وهذا القتل العمد في نظر الشريعة الإسلامية جناية من أقبح الجنايات وجريمة من أشنع الجرائم، ومن يرتكب هذه الجريمة يستحق أشد العقوبات في الدنيا والآخرة، ويترتب على هذا القتل العمد أمور من أهمها:

الحرمان من الميراث والوصية . . فلا يرث القاتل من ميراث المقتول شيئاً لا من ماله ولا من ديته إذا كان من ورثته سواء أكان القتل عمداً أم خطأ . . فالقاعدة الفقهية تقول: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه .

على القاتل عمداً الكفارة في حالة ما إذا عفا أولياء القتيل عن القاتل أو رضوا بالدية . . أما إذ طالبوا بالقصاص من القاتل عمداً، فلا تجب عليه الكفارة، ويكون القصاص منه كفارة له .

من الآثار المترتبة على القتل العمد أن أولياء دم القتيل من حقهم ثلاثة أمور: أن يطلبوا من ولي الأمر القصاص من القاتل عمداً أو يتنازلوا عن القصاص في مقابل دية يدفعها القاتل عمداً أو يتنازلوا عن القصاص وعن الدية ويعفوا عن القاتل وهذه الحقوق الثلاثة قد أشار إليها القرآن الكريم .

القصاص العادل

والقصاص من القاتل لغيره عمداً مع سبق الإصرار تحدث عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم . ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون .

والمعنى الذي ترشدنا إليه هذه الآية الكريمة كما يقول د . عبدالرؤوف يا أيها الذين آمنوا فرض الله عليكم القصاص بسبب القتل العمد بأن تقتلوا من قتل غيره ظلماً وعدواناً عامداً متعمداً ولا يجوز لكم أن تقتلوا غير القاتل .

وقوله سبحانه: الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى بيان لمعنى المساواة في القتل المشار إليه بلفظ القصاص . . وقد يفهم البعض من مقابلة الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى أنه لا يقتل صنف بصنف آخر . . وهذا المعنى ليس مراداً على إطلاقه، فقد جرى العمل منذ عهد النبوة على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل .

ثم أورد سبحانه بعد تأكيده للقصاص العادل حكماً بفتح باب التراضي بين القاتل وأولياء المقتول فقال سبحانه: فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان، أي أن القاتل عمداً إذا أسقط عنه أخوه الذي هو ولي دم المقتول القصاص، فمن الواجب على ولي الدم أن يتبع طريق العدل في أخذ الدية من القاتل، بحيث لا يطالبه بأكثر من حقه . . ومن الواجب كذلك على القاتل أن يدفع له الدية بالطريقة الحسنى، أي من دون مماطلة ومن دون بخس حقه . . فقوله سبحانه: فاتباع بالمعروف وصية إلهية لولي الدم أن يكون رفيقاً في مطالبته القاتل بدفع الدية .

رحمة الخالق بعباده

والله سبحانه الذي شدد في التحذير من جريمة القتل رحيم بعباده يريد اليسر لهم ولا يريد بهم العسر، ولذلك يقول في آية القصاص: ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم، أي أن الذي شرعناه لكم أيها المؤمنون من تيسير أمر القصاص بأداء الدية إلى ولي المقتول إذا رضي طائعاً مختاراً بذلك أردنا منه التخفيف عليكم، إذ في الدية تخفيف على القاتل بإبقاء حياته، وإنقاذها من القتل قصاصاً، وفيه كذلك نفع لولي القتيل، إذ هذا المال الذي أخذه نظير عفوه يستطيع أن ينتفع به في كثير من مطالب حياته .

وبهذا نرى كما يقول د . داود الباز أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر أن القرآن الكريم قد جمع في تشريعه الحكيم لعقوبة القتل بين العدل والرحمة، إذ جعل القصاص حقاً لأولياء المقتول إذا طالبوا به لا ينازعهم في ذلك منازع، وهذا عن الإنصاف والعدل والقصاص الذي شرعه القرآن في قوله سبحانه: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون . فيه حماية للمجتمع الإنساني من الإجرام الشائع الآن، ولذلك لا يجوز الالتفات إلى هؤلاء الذين يطالبون بإلغاء العقوبة رحمة بالقتلة والمجرمين، الذين أزهقوا أرواحاً بريئة وأشاعوا الظلم والفساد في الأرض .