تطورت الجريمة تطوراً‮ ‬ملحوظاً‮ ‬في‮ ‬الآونة الأخيرة بما‮ ‬يكشف عن خطورة واضحة في‮ ‬المجرمين اليوم لم تكن موجودة فيما مضى،‮ ‬فقد ازداد هؤلاء المجرمون عتواً وبعداً عن الدين والأخلاق وامتلأت قلوبهم‮ ‬غلاً وحقداً على الناس وعلى المجتمع،‮ ‬ولم‮ ‬يعد لدى أي‮ ‬منهم خط أحمر‮ ‬يمكن أن‮ ‬يقف عنده السلوك الإجرامي،‮ ‬حتى أصبحنا نرى جرائم لا تتشابه في‮ ‬حدتها،‮ ‬ولا فيما تحدثه من صدمات وآلام للأفراد والمجتمع،‮ ‬مع ما كان‮ ‬يقع من إجرام أو جرائم قبل ذلك،‮ ‬حيث كانت الجرائم عادية،‮ ‬وتخضع لمنطق إجرامي‮ ‬يمكن ملاحظته ومراقبة مآلاته،‮ ‬وتوقي‮ ‬آثاره،‮ ‬أو تخفيض حدة تلك الآثار بما‮ ‬يجعل المجتمع قادراً على مواجهتها أو تحمل آلامها‮.‬

ومن المعلوم أن عقوبة القصاص من أهم العقوبات التي‮ ‬تطبق في‮ ‬مجال الجناية على النفس أو ما دونها لأنها عقوبة عادلة،‮ ‬فهي‮ ‬تعني‮ ‬التسوية بين الجريمة والعقوبة،‮ ‬أو تحقيق التماثل بين ما فعل بالمجني‮ ‬عليه،‮ ‬وما‮ ‬يستحقه الجاني‮ ‬من العقاب،‮ ‬ولهذا‮ ‬يعرف القصاص لغة‮: ‬بأنه المساواة،‮ ‬وهو في‮ ‬الاصطلاح‮ ‬يعني‮: ‬المثلية في‮ ‬العقاب بين ما فعل بالمجني‮ ‬عليه،‮ ‬وما‮ ‬يجب أن‮ ‬يفعل بالجاني،‮ ‬كما قال الله تعالى‮: «‬ولكم في‮ ‬القصاص حياة‮»‬،‮ ‬وقوله تعالى‮: «‬يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في‮ ‬القتلى‮»‬،‮ ‬ومعنى القصاص في‮ ‬القتلى،‮ ‬كما في‮ ‬هاتين الآيتين وغيرهما‮: ‬أن‮ ‬يفعل بالجاني‮ ‬مثل ما فعل بالمجني‮ ‬عليه،‮ ‬وبالإجمال،‮ ‬فإنه إذا قتله‮ ‬يقتل به،‮ ‬وإذا لم‮ ‬يكن قد قتله،‮ ‬وإنما أتلف عضواً من بدنه،‮ ‬فإنه‮ ‬يتعين أن‮ ‬يفعل به ما فعل بالعضو المعتدى عليه،‮ ‬فإذا قطع‮ ‬يده تقطع‮ ‬يده،‮ ‬وإذا جدع أنفه‮ ‬يجدع أنفه،‮ ‬وإذا قطع ساقه تقطع ساقه،‮ ‬وإذا جرحه جرحاً وصل إلى عظم العضو المجروح،‮ ‬فإنه‮ ‬يفعل به من الجرح مثل ما فعل،‮ ‬وذلك ما‮ ‬يدل عليه قوله تعالى‮ «‬والجروح قصاص‮»‬،‮ ‬فقد دل هذا القول الكريم على أن القصاص كما‮ ‬يكون في‮ ‬الجناية على النفس،‮ ‬يكون في‮ ‬الجناية على الأعضاء بالقطع والجروح‮.‬
والتطور الذي‮ ‬حدث في‮ ‬الجرائم اليوم،‮ ‬لم‮ ‬يجر على مثال سابق في‮ ‬مجال الإجرام والعقاب،‮ ‬حيث أصبحت الجريمة اليوم قاسية تتمثل في‮ ‬القتل الجماعي‮ ‬غدراً وغيلة وعن طريق الاستدراج والاحتيال،‮ ‬أو حرق المجني‮ ‬عليه،‮ ‬أو قطع رأسه والتمثيل به،‮ ‬أو قطع أعضائه التناسلية،‮ ‬أو ربطه من رجليه في‮ ‬عربتين وتتجه كل منهما اتجاها معاكساً للآخر فيتم تفسخه إلى جزأين بالطول،‮ ‬أو وضع المتفجرات أو القنابل اليدوية أو البدائية الصنع في‮ ‬أماكن عامة‮ ‬يتواجد فيها عدد‮ ‬غير محصور من الناس،‮ ‬وربما‮ ‬يتوافدون على المكان لأنه مقصد لتسوقهم،‮ ‬أو‮ ‬يشترون منه حاجياتهم،‮ ‬أو لأنه ميدان عام‮ ‬يقصده من‮ ‬يريد التنزه أو التقاط أنفاس من هواء طلق نظيف،‮ ‬أو‮ ‬غير ذلك من الأسباب التي‮ ‬من أجلها‮ ‬يقصد الناس مثل تلك الأماكن أو‮ ‬يتوافدون عليها أو‮ ‬يقصدونها لقضاء حاجات ضرورية لهم،‮ ‬فيجدون الموت في‮ ‬انتظارهم بمثل تلك الوسائل القبيحة الغادرة‮.‬

وقد تكلم الفقهاء عن العقاب إجمالاً،‮ ‬وقالوا‮: ‬إنه القصاص،‮ ‬أي‮ ‬أن‮ ‬يفعل بالجاني‮ ‬مثل ما فعل بالمجني‮ ‬عليه،‮ ‬وقالوا‮: ‬إن من قتل‮ ‬يقتل ومن قطع‮ ‬يقطع،‮ ‬أما عن طريقة القصاص،‮ ‬فقالوا‮: ‬إنها السيف،‮ ‬أي‮ ‬لا‮ ‬يقاد أو لا‮ ‬يقتص من الجاني‮ ‬إلا بالسيف عملاً بالحديث المشهور‮ «‬لا قول إلا بالسيف‮»‬،‮ ‬وهناك رأي‮ ‬آخر‮ ‬يقول‮: ‬إن وسيلة القتل لا‮ ‬يشترط فيها أن تكون بالسيف،‮ ‬ولكن‮ ‬يجوز أن تكون بمثل ما فعل بالمجني‮ ‬عليه،‮ ‬إلا أن‮ ‬يكون قد قتل بفعل محرم مثل‮: ‬اللواط إذا أدى إلى قتل المجني‮ ‬عليه،‮ ‬أو شرب الخمر إذا أوصل إلى خنقه وموته،‮ ‬فإن القاتل لا‮ ‬يقتل بهذا الأسلوب المحرم وإنما‮ ‬يقتل بالسيف،‮ ‬أو بالوسيلة المعتادة لتنفيذ القصاص في‮ ‬القتلة والمجرمين،‮ ‬وهذا الرأي‮ ‬فيه من الوجاهة ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون مدخلاً لتجديد التناول الفقهي‮ ‬في‮ ‬عقوبة القصاص،‮ ‬كما أن فيه من الردع ما‮ ‬يتفق مع جسامة الجرائم التي‮ ‬استجدت في‮ ‬حياتنا‮.‬

‮ ‬ومن الممكن إعمال هذا الرأي‮ ‬في‮ ‬الجرائم المعاصرة،‮ ‬فمن قتل بتفجير قنبلة‮ ‬يقتل هو والذين أجرموا معه بتفجير قنبلة فيهم،‮ ‬ومن أحرق شخصاً بإشعال النار فيه،‮ ‬فإنه‮ ‬يجوز أن‮ ‬يحرق بالأسلوب نفسه،‮ ‬ومن قتل شخصاً ذبحاً،‮ ‬فإنه‮ ‬يذبح بمثل ما فعل،‮ ‬ومن رمى مسكنا بقنبلة فقتل من فيه،‮ ‬فإنه‮ ‬يوضع في‮ ‬مسكن ويقتل بمثل ما فعل،‮ ‬ومن وضع سما في‮ ‬ماء،‮ ‬فإنه‮ ‬يوضع له السم في‮ ‬الماء ويؤمر بشربه،‮ ‬وأمثال ذلك،‮ ‬فإن هذه الطرق وغيرها من طرق تنفيذ القصاص لا تخالف شرع الله،‮ ‬بل تتفق معه،‮ ‬لأن القصاص‮ ‬يعني‮ ‬المساواة،‮ ‬والبادي‮ ‬أظلم كما‮ ‬يقولون‮.‬

* د‮. ‬عبدالله النجار‮

*‬عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر