ومن المعلوم أن عقوبة القصاص من أهم العقوبات التي تطبق في مجال الجناية على النفس أو ما دونها لأنها عقوبة عادلة، فهي تعني التسوية بين الجريمة والعقوبة، أو تحقيق التماثل بين ما فعل بالمجني عليه، وما يستحقه الجاني من العقاب، ولهذا يعرف القصاص لغة: بأنه المساواة، وهو في الاصطلاح يعني: المثلية في العقاب بين ما فعل بالمجني عليه، وما يجب أن يفعل بالجاني، كما قال الله تعالى: «ولكم في القصاص حياة»، وقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى»، ومعنى القصاص في القتلى، كما في هاتين الآيتين وغيرهما: أن يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه، وبالإجمال، فإنه إذا قتله يقتل به، وإذا لم يكن قد قتله، وإنما أتلف عضواً من بدنه، فإنه يتعين أن يفعل به ما فعل بالعضو المعتدى عليه، فإذا قطع يده تقطع يده، وإذا جدع أنفه يجدع أنفه، وإذا قطع ساقه تقطع ساقه، وإذا جرحه جرحاً وصل إلى عظم العضو المجروح، فإنه يفعل به من الجرح مثل ما فعل، وذلك ما يدل عليه قوله تعالى «والجروح قصاص»، فقد دل هذا القول الكريم على أن القصاص كما يكون في الجناية على النفس، يكون في الجناية على الأعضاء بالقطع والجروح.
والتطور الذي حدث في الجرائم اليوم، لم يجر على مثال سابق في مجال الإجرام والعقاب، حيث أصبحت الجريمة اليوم قاسية تتمثل في القتل الجماعي غدراً وغيلة وعن طريق الاستدراج والاحتيال، أو حرق المجني عليه، أو قطع رأسه والتمثيل به، أو قطع أعضائه التناسلية، أو ربطه من رجليه في عربتين وتتجه كل منهما اتجاها معاكساً للآخر فيتم تفسخه إلى جزأين بالطول، أو وضع المتفجرات أو القنابل اليدوية أو البدائية الصنع في أماكن عامة يتواجد فيها عدد غير محصور من الناس، وربما يتوافدون على المكان لأنه مقصد لتسوقهم، أو يشترون منه حاجياتهم، أو لأنه ميدان عام يقصده من يريد التنزه أو التقاط أنفاس من هواء طلق نظيف، أو غير ذلك من الأسباب التي من أجلها يقصد الناس مثل تلك الأماكن أو يتوافدون عليها أو يقصدونها لقضاء حاجات ضرورية لهم، فيجدون الموت في انتظارهم بمثل تلك الوسائل القبيحة الغادرة.
وقد تكلم الفقهاء عن العقاب إجمالاً، وقالوا: إنه القصاص، أي أن يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه، وقالوا: إن من قتل يقتل ومن قطع يقطع، أما عن طريقة القصاص، فقالوا: إنها السيف، أي لا يقاد أو لا يقتص من الجاني إلا بالسيف عملاً بالحديث المشهور «لا قول إلا بالسيف»، وهناك رأي آخر يقول: إن وسيلة القتل لا يشترط فيها أن تكون بالسيف، ولكن يجوز أن تكون بمثل ما فعل بالمجني عليه، إلا أن يكون قد قتل بفعل محرم مثل: اللواط إذا أدى إلى قتل المجني عليه، أو شرب الخمر إذا أوصل إلى خنقه وموته، فإن القاتل لا يقتل بهذا الأسلوب المحرم وإنما يقتل بالسيف، أو بالوسيلة المعتادة لتنفيذ القصاص في القتلة والمجرمين، وهذا الرأي فيه من الوجاهة ما يمكن أن يكون مدخلاً لتجديد التناول الفقهي في عقوبة القصاص، كما أن فيه من الردع ما يتفق مع جسامة الجرائم التي استجدت في حياتنا.
ومن الممكن إعمال هذا الرأي في الجرائم المعاصرة، فمن قتل بتفجير قنبلة يقتل هو والذين أجرموا معه بتفجير قنبلة فيهم، ومن أحرق شخصاً بإشعال النار فيه، فإنه يجوز أن يحرق بالأسلوب نفسه، ومن قتل شخصاً ذبحاً، فإنه يذبح بمثل ما فعل، ومن رمى مسكنا بقنبلة فقتل من فيه، فإنه يوضع في مسكن ويقتل بمثل ما فعل، ومن وضع سما في ماء، فإنه يوضع له السم في الماء ويؤمر بشربه، وأمثال ذلك، فإن هذه الطرق وغيرها من طرق تنفيذ القصاص لا تخالف شرع الله، بل تتفق معه، لأن القصاص يعني المساواة، والبادي أظلم كما يقولون.
* د. عبدالله النجار
*عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر