هناك أبعاد متنوعة تتصل بتناول، أو يتصل بها تناول، القصة العربية والقصة الغربية، من حيث تقاطعهما أو استقلال كل منهما عن الأخرى، تلاقيهما أو تباعدهما، التفاعل والتمثل القائمان، أو الممكنان المحتملان، بينهما أو التمايز على مستوى الجماليات التي نهلت منها، ثم الجماليات بلورتها، كل منهما . . في فترات عدة من تاريخ مشترك بينهما وآخر غير مشترك . من هذه الأبعاد التي يستدعيها هذا الحديث، ما يرتبط - أولاً - بالسياق المبكر الذي تم فيه التوطين الأول في الأدب العربي الحديث لفن القصة القصيرة، الذي هو فن غربي خالص، مهما كانت له جذور قديمة في التراث العربي القديم، بل في التراث القصصي لدى أغلب الأمم التي عرفت الأساطير والملاحم والحكايات الشعبية والأخبار وغيرها من فنون الحكي .
من هذه الأبعاد، التي تتصل بهذا الحديث، ما يتعلق - ثانياً - بالنموذج القصصي الذي تصور بعض نقاد القصة القصيرة، وبعض المنظّرين لها، في فترة ما، أنه نموذج قادر على أن يبلور أهم سمات هذا الفن المراوغ، ومدى التزام كتاب القصة - في الأدب الغربي وفي الأدب العربي، معاً - هذا النموذج أو مدى تمردهم عليه، ومن هذه الأبعاد، التي يستوجبها هذا الحديث - ثالثاً - ما يتصل بالتجارب التي صاغت أهم ملامح الهوية القصصية العربية، لدى من حلموا بهذه الهوية القصصية وسعوا إلى الاستمساك بها وتجسيدها على المستوى الفني، في قطاع من التجارب القصصية العربية، وكيف كانت هذه الملامح معلماً على كتابة قصصية متصلة بموروثها المحلي، من جهة، وغير منقطعة الوشائج بمنابع الفن الإنساني، من جهة أخرى، تزاوج بين اعتماد تقنيات القصة القصيرة واستلهام جماليات الحكاية الشعبية .
ومن هذه الأبعاد، الموصولة بهذا الحديث، ما يمكن ملاحظته - رابعاً - من حضور بعض معالم التماسّ بين القصة القصيرة العربية، والسرد الروائي الغربي، خلال مغامرات التجديد التي تلاحقت في أعقاب بدايات النصف الثاني من القرن العشرين بوجه خاص، حيث تصاعدت موجات جمالية سردية جديدة، تمّ تبنيها بدرجات متفاوتة - في أوقات شبه متزامنة - في آداب إنسانية عدة، وبدت وكأنها شارة عالمية على سرد جديد، معمم القسمات، مشبع بقيم فنية بعينها تستجيب لما رآه البعض نزوعاً تقنياً عالمياً، وصعوداً نحو ثقافة بصرية في مقابل الثقافة السمعية المتوارثة، وفي هذا السرد سعت الكتابة إلى أن تكون موازية لعالم يتغير بوتيرة متسارعة، ويلوح في حركته كأنه يحمل توجهات مشتركة، أو يتم فيه تسييد توجهات مشتركة، وينفتح على مشهد معقد واحد كبير، ومن هذه الأبعاد، التي يستثيرها هذا الحديث، كذلك، ما يرتبط - خامساً - ببعض المغامرات الفنية الراهنة، في القصتين العالمية والعربية، وهي مغامرات تنهض، في جانب كبير منها، على ما يشبه الاختبارات لحدود النوع القصصي، تتساءل حول تخومه وتستكشف آفاقاً أرحب لهذه التخوم، فتطرح - في ما تطرح - أشكالاً فنية تراوح بين القصة القصيرة، بمعناها الشائع، وفنوناً أخرى قريبة منها، كالشعر (في ما يسمى القصة القصيدة)، أو الأمثولة، والخاطرة واللوحة القصصية (ما بات يعرف بالقصة القصيرة جداً أو القصة المفاجئة أو القصة الومضة Flash Fiction . . إلخ) . وأخيراً، من هذه الأبعاد المرتبطة بهذا الحديث، ما يتعلق بالمجالات التي يتم فيها تلقي النوع القصصي، في الثقافتين الغربية والعربية، وكيف تعكس هذه المجالات، والاهتمام بها، مدى حضور الفن القصصي ومدى تأثيره، وأيضاً مدى قدرته على التقاط التجارب الإنسانية الحقيقية، وعلى الاهتمام بقضايا واقع لاهث في حركته، متجدد في تياراته، متغير في معالمه وفي استجاباته للأنواع الأدبية والإبداعية بوجه عام .
في ما يتصل بالبعد الأول من هذه الأبعاد، الخاص بملابسات التعرف العربي الأول إلى فن القصة القصيرة، كان هناك في هذه الملابسات، كما نعرف جميعاً، ما يصاحب كل تعرف أول إلى كل فن جديد وافد، من مراحل متعددة متعاقبة: أولاً - الترجمة، أياً كانت درجة أمانتها أو دقتها، ثم - ثانياً - الانبهار، إلى حد الاحتذاء والتقليد، ثم ما يستتبع ذلك - ثالثاً - من محاولات الانفطام عن المصدر - إن صح التعبير - أو محاولات الاستقلال التي تأخذ - في تجارب المثاقفة عموماً - تسميات متعددة، كان منها، في أدبنا العربي الحديث، ما عرف بعمليات التعريب أو التمصير أو اللبننة وما إلى ذلك، وهي عمليات قامت - في البداية - على نوع من السعي إلى إضفاء طابع محلي، عربي، على التناولات القصصية الغربية، في نطاق محدود لم يجاوز تغيير بعض الوقائع أو الأسماء، أو البحث في الممارسات الاجتماعية العربية عما يوازي التقاليد والأعراف الغربية الماثلة في القصص المكتوبة عن الحياة الاجتماعية الغربية . ثم استتبع هذه المراحل، في فترة لاحقة، التحقق الفعلي لتجارب قصصية عربية لها سماتها المميزة، ولها - في الوقت نفسه - بعدها الإنساني، شأنها شأن كل إبداع حقيقي .
اقترن بهذا كله، في سياق ذلك التعرف أو الاكتشاف الأول، تجارب قصصية عربية متعددة، كان منها - فترة النشأة الأولى - ما يمكن الاختلاف حوله، بشأن تواريخ وأسماء من مثلوا التجارب القصصية العربية الأولى (ومن ذلك الاختلاف حول تاريخ أو قصة تمت ترجمتها، ومن كاتبها، وبلده العربي . . إلخ) . لكن المؤكد أن القصص القصيرة العربية الأولى، المكتملة فنياً، تنتمي إلى العقد الثاني من القرن العشرين (قصتا العاقر وسنتها الجديدة لميخائيل نعيمة عام ،1914 وقصة في القطار لمحمد تيمور، التي نشرت في مجلة السفور المصرية عام ،1917 وابتداء من هذين التاريخين المتقاربين، في أواسط العقد الثاني من القرن العشرين، تلاحقت محاولات الكتابة القصصية القصيرة في الأدب العربي .
تناثرت وتوالت محاولات الإحاطة النظرية بأهم خصائص النوع القصصي القصير في الأدب الغربي مذ بدأت تجارب هذا النوع في التبلور خلال تاريخ مبكر مختلف حول تحديده على وجه الدقة (بعد الميراث الحكائي القديم، الذي يعود إلى فترة الإمبراطورية الرومانية، ثم حكايات كانتربري لتشوسر وحكايات الديكاميرون لبوكاتشيو، اللتين اعتمدتا على نوع من القص التفريعي، ثم حكايات الأخوين جريم في القرن التاسع عشر، وقد شكّل هذا الميراث إرهاصات أولى للشكل القصصي القصير، الذي شهد في بداياته أعمالاً لناثانيل هاوثورن إمام الحكايات عام ،1984 ولإدجار آلان بو في الثلاثينات من القرن التاسع عشر، ثم لجي دي موباسان في نهايات القرن نفسه) . وكان من محاولات هذه الإحاطة النظرية بخصائص فن القصة القصيرة ما ارتبط ببعض الكتّاب أنفسهم، ممن طرحوا تصوراتهم حول ما يرونه أهم السمات التي تميز أعمالهم القصصية، أو التي تميز نوع القصصي القصير بوجه عام . وكان من أكثر هذه التصورات تماسكاً ذلك التصور الذي ارتبط باسم الكاتب الأمريكي إدجار آلان بو، الذي قدم ما يشبه التقيد، أو وضع القواعد، لنموذج ساد لفترة، كأنه تمثيل لعناصر قصصية ثابتة، تبناها البعض وروجوا لها بل وحاكموا بعض النتاج القصصي القصير على أساس مدى الالتزام بعناصر هذا النموذج أو مدى الابتعاد عنه .
مع ذلك، ظلت القصة القصيرة الغربية، حتى في تاريخها المبكر، تفيض خارج كل محاولة للإحاطة بها، أو التحديد المسبق لعناصرها الأساسية، وتتمرد على كل محاولة لسجنها داخل تصورات محددة بعينها، وهكذا، بعد عقود ليست طويلة من محاولة بو، أثارت المغامرة الفنية التي انطلقت منها وجسدتها قصص أنطون تشيخوف شكوكاً عميقة، تحولت إلى مساءلات حقيقية، ثم تبلورت في نتيجة واضحة، حول جدوى، أو بالأحرى عدم جدوى، التفكير في عناصر بنائية قصصية ثابتة، لها صفة الدوام أو الخلود، من مثل: العقدة والحل ولحظة التنوير ووحدة الانطباع، بل جدوى أو عدم جدوى التفكير في عناصر أقل إلزاماً وأكثر رحابة، من مثل: الكثافة أو التركيز أو الاختزال أو النأي عن تناول الزمن الواسع الممتد .
بعد تجربة تشيخوف، ترامت المغامرات الفنية في القصة القصيرة الغربية، ولكن لم تتوقف محاولات التنظيرات النقدية اللاهثة وراء هذه المغامرات المتجددة، واقتناص ما هو جوهري فيها، وكان من أهم محاولات اقتناص أهم معالم مغامرات هذا الفن المراوغ تلك المحاولة التي صاغها فرانك أوكونور في كتابه الشهير الصوت المنفرد، إذ طرح فيه ما ارتآه يمثل خصائص أكثر مرونة، وفي الوقت نفسه أكثر عمقاً، للفن القصصي القصير، ولكن قريباً أو بعيداً عن رؤية أوكونور، ظلت الحقيقة أو النتيجة القديمة نفسها واضحة مطلة: أن القصة القصيرة تمضي في مغامراتها المتجددة، وأنها قادرة على أن تستكشف أرضاً غير مأهولة، بعيداً عن كل مسار ممهد أو محدد المعالم بشكل مسبق، وما بقي من محاولة أوكونور هو محض توجهها الأكثر رحابة من محاولة بو، إذ آثر أوكونور النأي عن تقديم نموذج أو تصور لبناء ثابت واحد للقصة القصيرة، وراهن على سمات تتصل بتناولها الذي يحتفي بمكونات من مثل الشخصية المتوحدة أو المنفردة، أو تقترن بكاتبها الذي ينجح في صياغة عالمه القصصي بقدر ما ينجح في استكشاف جماعته المغمورة .
من النقاط التي تستحق التأمل في تاريخ الأدب العربي أنه، وهو الذي ينطوي على موروث قصصي هائل، لم يعرف الشكل القصصي القصير إلا في تاريخ متأخر نسبياً . ولكن، على أية حال، فهذا يعني أن هذا الشكل القصصي الوافد، القادم من الغرب، لم يأت إلى أرض بور، إذ إن التراث العربي القديم، الرسمي الفصيح والعامي الشعبي، حافل بأشكال قصصية وسردية ثرية (الأساطير، والملاحم، وفن المقامة، والقصص القرآني، وأعمال مثل ألف ليلة، وحتى كليلة ودمنة رغم أصلها غير العربي) . ويمكن المجادلة في أن بعض هذه الأشكال السردية، عبر عمليات من المثاقفة في تاريخ قديم، مثل جزءاً من السياق الذي قاد تبلور الشكل القصصي القصير في الأدب الغربي نفسه، فنحن نعرف ما نعرف عن تلاحق ترجمات (ألف ليلة وليلة) المبكرة إلى اللغات الأوروبية - منذ ترجمة أنطوان جالان في بداية القرن الثامن عشر - ونعرف تأثيرات (ألف ليلة) بعيدة المدى في اكتشاف آفاق رحبة للقص (لاتزال ممتدة ربما حتى الآن في أعمال أدبية غربية عدة) .
لم يغب هذا المعنى حول ثراء الحكي في الموروث العربي طويلاً خلال تاريخ القصة العربية، فاكتشاف أن التراث العربي حافل قصصياً بما يستحق الاستلهام والتبني، قاد - في العقد الثالث من القرن العشرين - إلى بلورة سؤال الاستقلال، بالمعنى الأدبي، فبدأ بعض كتّاب القصة القصيرة العربية يبحثون عن كيفية تمثل موروثهم الخاص في قصصهم، ويتأملون بما تتيحه الحكاية الشعبية من جماليات قصصية تصلح، من جهة، لأن تقدم إمكانات فنية متعددة، وتخطّ، من جهة أخرى، سبيلاً للوصول إلى صيغة فنية قصصية محلية، تنأى عن أي نموذج غربي .
*
بدأ تمثل جماليات الحكاية الشعبية في كتابة القصة القصيرة، بشكل فني ناضج، مع محمود طاهر لاشين في قصته يحكى أن - ولنلاحظ العنوان نفسه - عام 1925 (نشرت في صحيفة الفجر عام ،1925 العدد ،44 وأعيد نشرها في مجموعة يحكى أن عام 1928) . نهلت هذه القصة من جماليات الحكاية الشعبية، بدءاً من عنوانها، ومروراً بالبناء الذي تنهض عليه، وبالاحتفاء الأمثولي الذي يتحلق حوله سردها وتناولها كله .
بداية القصة، التي تستعيد واحدة من تكآت الحكي الذائعة، تقوم بوظيفة من وظائف التمثيل الكنائي، أو ما يسمى الأليجوري Allegory، حيث تطرح ترديداً مسبقاً، على ألسنة شخصيتين حيوانيتين، لما سوف يجسده عالمها الإنساني:
يحكى أن غزالاً عطش مرة فورد عين ماء في بئر عميقة ليشرب منها، فلما شرب حاول الطلوع فلم يقدر، فنظر إليه ثعلب من فوهة البئر وقال له: لماذا لم تتبصر في الطلوع قبل ورود الماء .
وماذا بعد؟
أما بعد، فإن الآنسة نعمات رأفت لا تصحو من نومها قبل الساعة التاسعة صباحاً فإذا ما استيقظت تثاءبت ثم تمطت وشرعت تنكمش وتنبسط على هذا الجانب تارة وعلى الآخر تارة . . إلخ .
ونهاية القصة، التي تعود - بعد من اكتمال الدائرة - إلى بدايتها، تطرح بدورها ما يشبه التعليق الإجمالي، الاختزالي، لتجربتها كلها، وكأنها الحكمة الأخيرة، الختامية النهائية، التي يجب على قارئ القصة - مثلما كان يجب على سامع الحكاية القديمة - ألا يبتعد عما تقدمه من خلاصة ولا عما تجسده من مغزى:
وأسمعته (الخادمة أسمعت الزوج المخدوع، المصدوم، الحائر، الذي اكتشف أخيراً أنه كان يعيش، طيلة الوقت، مع زوجة خائنة) وقع أقدامها في طريقها إلى غرفتها . . وبعد فترة سمعت وقع أقدامه يهبط السلم . . فلما بلغ أسفله وقف حائراً . .
فنظر إليه ثعلب من فوهة البئر وقال له: لماذا لم تتبصر في الطلوع قبل ورود الماء؟ .
لا تقف هذه القصة عند هذا الحد في تمثل الحكاية، بل ينهض سردها أيضاً على صيغة نحن تحتوي في إهابها، معاً، الراوي، والمروي عليهم، بنوع من السعي إلى تشييد أواصر تعبر عن نوع من التواصل الجماعي: وشرعت تنكمش وتنبسط على هذا الجانب تارة وعلى الآخر تارة كسمكة ورقة الميكا التي كنا - ونحن صغار - نجدها في لفائف الشكولاتة، و: هذا مكانها المختار تجلس فيه كل يوم وطول اليوم، حتى لا نخطئ كثيراً إذا عددنا أثاث الصالة فقلنا كنبتان من الطراز التركي وبضع كراسٍ من الخيزران ماركة إمبريال .
فتحت هذه القصة المبكرة المجال رحباً وواسعاً لكتّاب تالين كي يطلوا على إمكانات ثرية في ذلك الكنز القريب، المتاح دون عقبات تحول دون الوصول إليه من مثل الخرائط مطلسمة أو المغامرات خطرة، وسوف يواصل مبدعون كثيرون من كتّاب القصة المصرية والعربية تأمل هذا الكنز، والاغتراف منه، وإن فعلوا ذلك بنوع من مواراة معالم مادته الخام التي لم يحرص طاهر لاشين على مواراتها في قصته، كما سوف يدفع هذا الكنز بعض الكتّاب لاستكشاف كنوز أخرى، متاخمة، قريبة، وفي هذه الوجهة، سوف تترى تجارب عدة تسير في المسار نفسه، لعدد كبير من القصاصين العرب والمصريين: يحيى حقي، يوسف إدريس، زكريا تامر، محمد خضيّر، محمد زفزاف، خيري شلبي، علي عبدالله خليفة (في بعض مجموعاته)، عبدالعزيز مشري (بعد مجموعته الأولى موت على الماء)، يوسف أبو رية، وكلها، وغيرها من الأسماء، قدمت تجارب قصصية تنهل من جماليات الحكاية، وتزاوج بينها وبين تقنيات القص الحديث، فتلتقي بذلك - من وجهة ما - مع بعض معالم هذا الفن في تحققاته الغربية، وتستقل - من وجهة أخرى - عن هذه التحققات .
في العقدين السادس والسابع من القرن العشرين، مثلت بعض الكتابات الجديدة في الأدب الغربي (خصوصاً تلك التي ارتبطت باسم الكاتب الأمريكي إرنست هيمنجواي، ثم تلك التي اقترنت بما سمي الرواية الجديدة في فرنسا) فتحاً سردياً جديداً لعدد كبير جداً من كتّاب القصة والرواية في العالم كله .
من جانب آخر، ارتبطت أطروحات وتقنيات الكتابة في ما سمي المدرسة الجديدة في فرنسا، التي اقترنت بأسماء آلان روب جرييه، ونتالي ساروت، وميشيل بوتور، ومارجريت دوراس، باعتماد تقنيات سينمائية، تحتفي بالمشهد البصري، وتترك للقارئ توليد دلالات هذا المشهد، وتهتم بالأشياء وبحضورها، وتبحث عن صيغ للكتابة تنأى عن أحكام القيمة، وعن العبارات المثقلة بطابع انفعالي، فضلاً عن أنها تضحي بالحكاية وتركز على التفاصيل الجزئية والصغيرة التي تستقل بحكاياتها، وتتجنب ما يرتبط بالحبكة التقليدية . . إلخ .
هذه التصورات لكتابة السردية مغايرة - عند هيمنجواي وعند أصحاب المدرسة الجديدة (والتي تلتقي وبعض مفاهيم نقدية مثل البنيوية التي تأسست على أفكار مثل موت المؤلف، ومثل مدرسة النقد الجديد التي ركزت على جوانب تقنية في النص، توازي تصاعد النزعات التقنوية في المجتمعات الغربية عموماً)، وجدت أصداء واسعة على مستوى الكتابة القصصية والروائية في قطاعات كبيرة من الإبداع خارج الثقافة الغربية، وكان من هذه القطاعات ما تمثل في السرد القصصي والروائي العربي، وسوف يرصد إدوارد الخراط، مثلاً، تياراً كاملاً من كتّاب الستينات في مصر وحدها، مرتبطاً بمثل هذا المنحى في صياغة سرد جديد .
ثمة حشد كبير من الكتّاب المصريين والعرب تمثلوا هذه الكتابة في قصصهم القصيرة (وأغلبهم كتب روايات أيضاً) . وثمة إمكانية لرصد آثار سمات هذه الكتابة في أعمال هؤلاء الكتّاب العرب: صنع الله إبراهيم، ضياء الشرقاوي، جبرا إبراهيم جبرا، جميل عطية إبراهيم، الطيب صالح، محمد شكري، إبراهيم أصلان، أمين صالح، محمد حافظ رجب . . إلخ .
في هذا النطاق، يمكن إذن ملاحظة قدر واضح من التلاقي بين القصة القصيرة العربية والقصة القصيرة الغربية، في فترة تلت بداية النصف الثاني من القرن العشرين وامتدت لعقود عدة، بل يمكن ملاحظة استمرار هذا المنحى في الكتابة، عند بعض الكتّاب، حتى الآن .
خلال العقود الثلاثة الماضية، تصاعدت أشكال قصصية مثّلت اختباراً لحدود النوع القصصي القصير، وذهبت في ذلك مذاهب شتى، تمثلت خلالها القصة القصيرة لغة الشعر وأدواته، أو استلمت روح الأمثولة أو الخاطرة أو اللوحة القصصية . . إلخ، وطرح نتاج قصصي جديد، فرض نفسه فانتبه إليه النقاد، وبدأوا يبحثون - كدأبهم في البحث عن سبل لتعقيد الأنواع الفنية الجديدة - عن تسميات مناسبة له، وعن سمات أساسية في تكوينه، وإذا كان هناك فارق زمني كبير نسبياً بين بداية كتابة القصة القصيرة في الغرب وفي الأدب العربي، فإن خوض هذه الأشكال الجديدة، التي تمثل اختبارات لحدود النوع القصصي، بدأت في الأدبين العربي والغربي في فترات شبه متقاربة، يردها أغلب الباحثين إلى العقود الأخيرة الماضية، حيث بدأت الكتابة في هذه الأشكال تلقى استجابات واسعة، ويتم نشرها على نطاق واسع، وإن كان بعض هذه الأشكال شهد بدايات مبكرة في أدب أمريكا اللاتينية، يرجع بعضها إلى العقد الثاني من القرن العشرين .
القصة القصيدة، أو القصة التي تتمثل الشعر، انتشرت، عربياً، ابتداء في عقدي السبعينات والثمانينات في القرن الماضي خلال عدد كبير جداً من المجموعات التي كتبت في مناطق عدة من بلدان الوطن العربي، خصوصاً في الخليج والمملكة العربية السعودية .
وبدا وكأن هذا المنحى في الكتابة يمثل معلماً أساسياً من الكتابة القصصية في هذه البلدان . وقد كتب عبدالفتاح صبري عن القصة القصيرة في الإمارات، مثلاً، وذهب إلى أن الطابع الشعري يكاد يكون معلماً أساسياً من لغة الكتابة عند أهم قصاصات وقصاصي الإمارات، وأكد بوضوح أنه: عند إمعان النظر في قصص سلمى مطر سيف، ومريم جمعة فرج، وعبدالحميد أحمد، وعبدالله صقر، سنلمح مكامن الشعرية المرتكزة على اللغة وجماليات بني الخطاب القصصي . والنص، أي نص، يعتمد على شاعريته، ليفتح طاقات اللغة من جهة، وجماليات النص من جهة أخرى . وهذا المنحى في الكتابة يمكن أن نجد ما يوازيه في كتابات ارتبطت بأسماء أخرى في بلدان أخرى، منها في البحرين: علي عبدالله خليفة، خلف أحمد خلف، وفي السعودية: نورة الغامدي، أميمة الخميس، عبده خال (في بعض قصصه)، محمد منصور الشقحاء، جار الله الحميد، معجب الزهراني، سعد الدوسري، ويوسف المحيميد، وفي عمان: سليمان المعمري، محمد بن سيف الرحبي، بدرية الوهيبي، وفي قطر: نورة محمد فرج، حصة القحطاني، ظافر الهاجري، وفي السودان: حافظ التيجاني، أحمد ميرغني، صلاح سر الختم، وفي لبنان: لنا عبدالرحمن، وفي الكويت: ليلى العثمان . . إلخ، وفي ليبيا: رزان المغربي . . إلخ .
أيضاً في وجهة المغامرة باتجاه اختبار حدود النوع القصصي، انتشر في العقود الثلاثة الماضية شكل القصة القصيرة جداً، انتشاراً ملحوظاً في عدد من البلدان العربية، وكان قد انتشر انتشاراً واسعاً في الأدب المكتوب بالإنجليزية قبل ذلك بوقت قصير .
القصة الومضة flash fiction، أو القصة المفاجئة sudden fiction، أو القصة المصغرة micro-story، أو القصة البريدية postcard fiction، أو القصة القصيرة جداً short short story، بدأ التأسيس لها، اصطلاحياً، في الأدب الغربي، ابتداء من أوائل العقد الأخير من القرن العشرين، وإن كان لهذا الشكل جذور قديمة تعود إلى (خرافات إيسوب) وإلى (جولستان) لسعدي الشيرازي، كما كان له إرهاصات إبداعية لاحت في بعض الأعمال لكتّاب القصة القصيرة (الكلاسيكية): أو . هنري، وكافكا، وهيمنجواي، وخوليو كورتاثار، وآرثر كلارك، وراي برادبري، وفريدريك براون، وليديا ديفيز .
فنياً، هناك ما يتصل بين القصة القصيرة والقصة الومضة، وهناك من يلتمسون عناصر أساسية من القصة القصيرة لاتزال قائمة في القصة الومضة . لكن في القصة الومضة ما يميزها على مستوى عدد الكلمات، والأهم على مستوى طريقة الكتابة التي تنهض على التلميحات الخفية، والاستناد إلى ما لم يكتب في النص وليس على ما يتضمنه النص، بالإضافة إلى طريقة الوصل بين الجمل، التي تجعل القصة الومضة، أياً كانت مساحتها، أشبه بجملة واحدة .
شاع هذا الشكل الأدبي في بلدان عربية عدة، كان منها سوريا وفلسطين، ومصر، وأيضاً وبوجه خاص المغرب العربي الذي اهتم عدد من كتّابه بالإبداع خلال هذا الشكل إلى حد بدا معه وكأن القصة الومضة تمثل هوى أدبياً مغربياً، واللافت أن الكتّاب الذين خاضوا الكتابة، في الأدب العربي، خلال هذا الشكل انتموا إلى أجيال متعددة، فإلى جانب اسم نجيب محفوظ (الذي كتب في هذا الشكل، فترة الثمانينات، عمله رأيت فيما يرى النائم، ثم كتب نصه أصداء السيرة الذاتية في فترة التسعينات، ثم كتب عمله الأخير أحلام فترة النقاهة في بدايات هذه الألفية)، نجد أيضاً اسم زكريا تامر (في أكثر من مجموعة له)، كما نجد أسماء تنتمي إلى تجارب وأجيال متنوعة، منها - فيما يرصد الناقد المغربي جميل حمداوي - من فلسطين فاروق مواسي، ومن سوريا: عزت السيد أحمد، وانتصار بعلة، ومحمد منصور، وإبراهيم خريط، وفوزية المرعي، ومن المغرب: حسن برطال، وعبدالله المتقي، وفاطمة بوزيان، ومن تونس: إبراهيم درغوثي . . إلخ .
كيف كان تلقي فن القصة القصيرة في الغرب، وكيف كان في وطننا العربي، ثم كيف هو الآن، هنا وهناك؟
يسري، طبعاً، على تلقي القصة القصيرة ما يسري على تلقي الأنواع الأدبية كلها . والحقائق هنا مؤلمة حول معدلات الطباعة والنشر والقراءة في البلدان العربية وفي البلدان الغربية، فوارق الأرقام (رغم غيابها أو شبه غيابها، ورغم عدم دقتها، عندنا) التي تشير إلى هذه المعدلات، تجعل أدبنا العربي، ومنه القصة القصيرة، يصل إلى دوائر محدودة من المجتمع .
ويتصل بهذا، أيضاً، كيفيات الاستجابة لنتاج القصة القصيرة، ثم الاهتمام بها والمتابعة النقدية لنتاجها . . إلخ . وفي هذا المجال الأخير، الخاص بالمتابعة النقدية، يسري على القصة القصيرة ما يسري على الأدب العربي كله، من إجحاف فادح، يصل كثيرون إلى حد توصيفه بالأزمة التي تنهض على مفارقة كبرى في تاريخنا الأدبي المعاصر: ففي مقابل الوفرة الإبداعية الواضحة، هناك شح، أو شبه شح، نقدي في تناول هذا الإبداع، وإذا كان من بين الأدوار الأساسية التي يقوم بها النقد أنه يمثل وسيطاً بين النص والقارئ، فإن غياب - أو على الأقل عدم اكتمال - الدور النقدي يؤثر تأثيراً سلبياً في تلقي النص الأدبي، القصة القصيرة في حالتنا هذه .
وحتى على مستوى الدرس النقدي والأكاديمي للقصة القصيرة ومتابعة نتاجها الجديد وتأمل مغامراتها المتلاحقة، ليست المقارنة بين حالنا وحال الغرب في مصلحتنا . لقد كتبت، مثلاً، أعمال إبداعية عربية كثيرة في شكل القصة القصيرة جداً، كما أشرنا . ولكن ما طرح، عربياً، حول هذا الشكل الجديد من دراسات نقدية أو أكاديمية يعد قليلاً جداً، فهناك بضعة كتب محدودة صدرت في نقد القصة القصيرة جداً، لكل من: جميل حمداوي (القصة القصيرة جداً في المغرب: المسار والتطور)، أحمد جاسم الحسين (القصة القصيرة جداً)، محمد محيي الدين مينو (فن القصة القصيرة، مقاربات أولى)، فضلاً عن بعض المقالات والدراسات لكل من: حسن المودن شعرية القصة القصيرة جداً، محمد علي سعيد حول القصة القصيرة جداً، حسين علي محمد القصة القصيرة جداً، قراءة في التشكيل والرؤية، عدنان كنفاني القصة القصيرة جداً، إشكالية في النص أم جدلية حول المصطلح . . .!، يوسف حطيني في القصة القصيرة جداً عند زكريا تامر .
وفي المقابل، يمكن الإشارة إلى اهتمام أكثر اتساعاً بما لا يقاس، في الغرب، بهذا الشكل الجديد .
لقد انتشر هذا الشكل، في الأدب الغربي، خلال شبكة النت، وكان له مواقع مهمة مثل فلاش فيكشن أون لاين Flash Fiction Onlaine، وفيستال ريفيو Vestal Review، فضلاً عن الاهتمام بنشره ورقياً على نطاق واسع، في كتب ودوريات مهمة ومنتظمة مثل المجلة الأدبية الكندية Canadian literary magazine NFG .
وفي سياق الاهتمام الغربي بالقصة الومضة، هناك جوائز سنوية تمنح للأعمال المكتوبة في هذا الشكل، ومن أهم هذه الجوائز المسماة Micro Award التي أسسها في بريطانيا روبرت لافلين عام ،1908 وحصل عليها في السنوات التالية كل من: بروس هولاند روجرز (عن عمله إعادة البناء Reconstruction Work)، وتشاد سيمبسون (عن دعنا من إكس Let X)، وميشيل ستيورات (عن أطفال المصنع The Childrenصs Factory)، وكيفين كوتور (عن اختيار صورة من نعي الأمهات Choosing aPhotograph for Motherصs Obituary)، وقد توالى نشر الكتب والمختارات المكتوبة بهذا الشكل، كما توالى نشر الدراسات والكتب التي تتناولها بالتحليل خلال العقدين الماضيين، ووصلت هذه وتلك إلى أعداد هائلة . وجامعة شستر University of chester، مثلاً (وهي ليست من أهم ولا أكبر جامعات العالم) تصدر دورية خاصة بفن القصة القصيرة جداً، هي Flash Fiction Magazine: The International Short-Short Story Nagazine .
وتقدم هذه الدورية ببليوجرافيا متجددة حول هذا الفن، وترصد بالإحصاءات والبيانات أهم الدراسات عنه . وقد وصلت كتب النصوص والمختارات التي صدرت بالإنجليزية حتى هذه السنة إلى بضع مئات، أما الكتب التي صدرت في نقد هذه النصوص القصصية القصيرة جداً فقد وصلت إلى أكثر من مئة كتاب (مقابل أقل من عشرة كتب صدرت بالعربية) .
بعد هذه الملاحظات، حول هذه النقاط الست، المتصلة بمسيرة القصة القصيرة العربية والقصة القصيرة الغربية من حيث التقاطع والاستقلال، تبقى إشارة يجب تأكيدها حول أن القصة القصيرة العربية، على تاريخها المحدود قفزت قفزات كبرى عوضت بها غيابها القديم، مستعينة - في ما هي مستعينة به - بميراث حكائي وسردي عربي هائل يترامى في تاريخ ممتد (وهذا المعنى نجده بوضوح في كل التجارب القصصية التي بدأت في بعض البلدان العربية في فترة تاريخية متأخرة، واستطاعت في عقود قليلة أن تقدم منجزاً إبداعياً كبيراً، وهذا قائم في المغرب العربي، وليبيا، والسعودية، وبعض بلدان الخليج العربي ومنها الإمارات)، كما تبقى إشارة يجب العودة إليها، تتمثل في تلك المفارقة الكبرى التي حكمت، ولاتزال تحكم وضع القصة القصيرة العربية: أن هذه القصة رغم إنجازها الإبداعي لاتزال تفتقر إلى مواكبة نقدية لائقة، فضلاً عن أنها لاتزال تفتقر إلى إمكانات أكبر على مستوى النشر والتلقي، ولكن هذه المفارقة، على أية حال، لا تخص القصة القصيرة وحدها، وإنما تسري وتنسحب على أنواع أدبية أخرى .
* من أوراق ملتقى السرد في الشارقة