تبدو مدينة القصير، المطلة على شاطئ البحر الأحمر، كقطعة الذهب التي غطاها التراب، تبحث عن المخلص الذي ينفض عنها الغبار ليعود إليها بريقها، الذي لمع منذ عهد الفراعنة الذين نقبوا عن الذهب بين صخورها، وأطلقوا عليها #187;مدينة الذهب#171; . وفي القرن الخامس عشر قبل الميلاد اتخذت منها الملكة الفرعونية حتشبسوت ميناء لانطلاق رحلاتها إلى بلاد بونت (الصومال وإثيوبيا)، وكانت القلعة الحصينة في مواجهة الهجمات الاستعمارية للفرنسيين ومن بعدهم الإنجليز .
على مدى قرون طويلة احتفظت تلك النقطة الصغيرة على شاطئ البحر بأهميتها العسكرية والتجارية قبل أن يطويها النسيان بعد افتتاح قناة السويس وتحوله إلى أهم طريق عبور تجاري بين الشرق والغرب .
قد تكون مدينة #187;القصير#171; فقدت ميزتها التجارية كميناء يصل بين الشرق والغرب في أقل وقت وبأسهل الطرق، لكنها أبدا لم تفقد ما حباها به الله من طبيعة خلابة تجمع بين سحر مياه البحر الزرقاء ورمال الصحراء المحيطة بها من كل اتجاه حتى إنها تبدو للمارين بها كواحة في قلب الصحراء .
ويقطن #187;القصير#171; عائلات كثيرة مهاجرة من أراضي الحجاز، خاصة المقابلة لها مثل #187;ينبع البحر#171; و#187;ضباء#171; و#187;ينبع الخيل#171; ومن العائلات الكبرى في مدينة #187;القصير#171; عائلة #187;أبو حجازي#171; والمكونة من خمسة أفرع، وكذلك عائلة #187;نهاجرة#171; وتنتمي إلى #187;ينبع البحر#171; وترجع أصولها إلى قبيلة جهينة . . أما القبائل في #187;القصير#171; فيوجد عديد من بيوت تنتمي إلى القبائل وأشهرها قبيلة الأشراف، وتنقسم إلى #187;الأشراف القبلية#171; و#187;الأشراف البحرية#171; في محافظة قنا المجاورة، ويعمل أغلب سكان المدينة في الصيد والميناء المجاور للمدينة، فيما بدأ السكان من الشباب يقبلون على مهن أخرى مختلفة لا سيما السياحة التي بدأت تعرف طريقها إلى المكان منذ سنوات قليلة .
وتقع #187;القصير#171; على الشاطئ الغربي للبحر الأحمر على بعد 150 كم جنوب مدينة الغردقة، وتبعد عن الحدود السودانية بنحو 600 كم، وحفرت #187;القصير#171; تاريخها العريق منذ سبعة آلاف سنة، حيث كان الفراعنة ينقبون عن الذهب فيها وينتقلون به من القصير إلى قنا، وكان يطلق عليه طريق الآلهة وهذا الدرب يعرف باسم الحمامات، لكن التاريخ الحقيقي للمدينة بدأ في القرن الخامس عشر قبل الميلاد في عهد الملكة الفرعونية حتشبسوت التي استغلت هذه المدينة الساحلية التي كانت آنذاك تسمى #187;ثاجلو#171; كقاعدة لانطلاق رحلاتها البحرية الشهيرة إلى بلاد #187;بونت#171; الغنية .
وفي القرون التالية، تغير اسم المدينة إلى #187;ليوكوس ليمن#171; أو #187;الميناء الأبيض#171;، وكانت ميناء تجاريا مهما في عصر الإمبراطورية الرومانية، وبعد دخول الفتح الإسلامي، أصبح لها دور محوري على طريق الحجاج إلى مكة، وكان العرب هم من أطلقوا على #187;القصير#171; اسمها الحالي .
بينما يقول السكان المحليون إن اسم #187;القصير#171; مشتق من الصفة #187;قصير#171; في إشارة إلى قصر المسافة بينها وبين مدينة #187;قفط#171; في وادي النيل . وهو بالفعل أقصر طريق يربط بين ساحل البحر الأحمر والوادي، ولعل سهولة الوصول إلى #187;القصير#171; كانت الدافع وراء أهميتها التجارية والعسكرية، فعندما وصلت الإمبراطورية العثمانية إلى ذروة مجدها في القرنين السادس عشر والسابع عشر ميلادياً واحتلت مصر، أمر السلطان العثماني سليم الأول بتشييد حصن #187;القصير#171; لحماية الميناء التجاري، وضمان سلامة آلاف المسلمين الذين يمرون بهذه المنطقة في طريقهم إلى الحج .
وبعد عدة قرون، أدرك الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت الأهمية الاستراتيجية للمدينة وأرسل سفنه الحربية للاستيلاء عليها من البحر، ولكن هبت ريح عاتية دفعت السفن الأربع على مقربة من الشاطئ وجعلتها في مرمى مدافع الحصن، وفي لحظات معدودة، تحطم الأسطول وكانت فتره إقامة الفرنسيين في القصير محدودة ومحفوفة بالاضطرابات، ففي شهر أغسطس/ آب من العام نفسه قصف الأسطول البريطاني حصن #187;القصير#171; بقوة . وأعيد بناء الحصن لاحقا في عهد الوالي محمد علي الذي استخدمه كقاعدة لحملاته العسكرية ضد الوهابيين في أرض الحجاز خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، وبانتهاء حملات محمد علي الحربية على الحجاز انطوت صفحة التاريخ العسكري لمدينة #187;القصير#171; إلى الأبد، وعاد الميناء المطل على البحر الأحمر إلى دوره القديم كهمزة وصل بين الشرق والغرب، ولم يستمر هذا العصر الذهبي طويلا لأنه عندما افتتح خط السكك الحديدية الذي يربط بين السويس والقاهرة عام 1850 بدأ التجار والحجاج يستخدمون ميناء السويس، نظرا لسهولة السفر إليه . وفي عام 1864 اجتاحت #187;القصير#171; مجاعة شديدة أتت على عدد كبير من سكانها الذين انخفض عددهم من 8 آلاف إلى 800 نسمة فقط وجاءت الضربة الأخيرة عندما افتتحت قناة السويس عام 1869 وتضاءلت أهمية القصير كمدينة تجارية .
ودخلت مدينة #187;القصير#171; مرحلة جديدة من الأهمية عندما بدأت شركة البحر الأحمر الإيطالية للفوسفات تستثمر في المدينة والمنطقة المحيطة بها ما خلق رواجا اقتصاديا بالمنطقة، وبعد انتهاء عصر التعدين عادت المدينة للتواري مرة أخرى عن الأنظار .
غير أنها سرعان ما استعادت جزءا من بريقها بعد أن توجهت الأنظار إلى استكشاف المناطق السياحية البكر على ساحل البحر الأحمر، فتحولت إلى مدينة صديقة للبيئة تفتح ذراعيها للسائحين، خاصة أنها تتميز بمناطق شعاب مرجانية خلابة تجتذب أعداداً كبيرة من هواة الغطس .
ونظراً لأن الشعاب المرجانية تنمو بمعدل سنتيمتر مربع واحد كل مئة عام، فقد وضع المسؤولون المحليون ومراكز الغوص عدداً من القواعد والبرامج لحماية الحياة البحرية في البحر الأحمر، فعلى سبيل المثال، لا يسمح للقوارب بأن تلتقي مراسيها في منطقة #187;مرسي أبو دباب#171; المجاورة التي تعتبر موطناً طبيعياً لحيوانات #187;الأطوم#171;، التي تعرف أيضا باسم #187;بقر البحر#171;، نظراً لضخامة حجمها وطبيعتها الهادئة واعتمادها في غذائها على النباتات . ويعتبر الأطوم من أروع الثدييات البحرية وأغربها على مستوى العالم إلا أنها من الحيوانات المهددة بالانقراض .
ولا تقتصر عناصر الجذب في القصير على مواقع الغوص والروايات التاريخية، بل توجد بها أيضاً سوق تجارية تزخر بالمنتجات الجديرة بالشراء، كما أن طقسها الخلاب على مدار السنة يجعلها موقعاً ممتازاً للاستجمام بعد رحلة حافلة في صعيد مصر .