لعل من أخطر وأهم ما يلقاه الإسلام والأنموذج الإسلامي من جحود ونكران، وما يتعرض له من دعاوى وافتراءات، تلك القضية المفتعلة بين العقل والتعقل والجدلية الزائفة بين العلم والدين التي أوقعت الأمة الإسلامية في معركة وهمية صورية لا وجود لها ولا معنى، ولها آثارها السلبية على حركة الدفع الحضاري، ذلك أنه إذا كانت وظيفة العقل في مجال النظر والفكر إنما هي في الجوهر بمنزلة الميزان فإن مهمة العقل وأولوياته هنا هي المقارنة والموازنة بين كفتين من المعطيات والقضايا للتحقق من مدى توازن إحدى الكفتين بالأخرى، ومهمة العقل في القضايا العلمية محكومة بقدرته المعرفية والمنطقية أما مهمته في قضايا الدين والإيمان فهي تحرير مدى التوافق والتناسق بين النقل والفطرة النقية السوية التي فطر الله الخلق عليها، قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ التِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدينُ الْقَيمُ وَلَكِن أَكْثَرَ الناسِ لَا يَعْلَمُونَ، (الروم:30)، ومن الطبيعي ألا يدرك هذه الحقيقة إلا أصحاب العقول التامة والقلوب السليمة الذين يلزمون خلقة الله التي خلق الناس عليها، وهي أنهم قابلون للتوحيد وغير منكرين له ولما يترتب عليه، وقد جاء فيما رواه مسلم قوله: حدثنا حاجب بن الوليد، حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تُنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء، وهنا ينبغي ألا يكون السؤال أصلا عن ثنائية النقل والعقل، وإنما يكون عن ثنائية النقل المسطور وغايات الفطرة أو السنن في الوجود المنظور، على النحو التالي: هل يواكب النص السنن المنبثة في الآفاق وفي الأنفس، ويوافقها ويرشدها ليحقق مصلحة الإنسان ويرشد مسيرته ويثري حياته، أم أن نصوص الوحي (النقل) تعارض تلك الفطرة والسنن التي لا تتبدل ولا تتحول، وتعيق أداءها؟
وبناء على ذلك ينهار الأساس الذي تقوم عليه دعوى المشككين في الإسلام وزعمهم بالتعارض بين النقل والعقل، وهو غير ممكن، ولكن التعارض يمكن تصوره أو دحضه إذا ما وقع بين النقل وموضوعه من الفطرة والسنن ومن ثم يكون للعقل دور المحقق في قضية النقل أو الدين من ناحية والفطرة والسنن من ناحية أخرى، وله أن يرى بقدر ما يتمتع به من حكمة ورجاحة: هل علاقة الوحي بالسنن والفطرة علاقة توازن وتكامل وتآزر، أم هي علاقة تنافر وتعارض؟ وعليه في الحالتين أن يبحث عن الأسباب والعلل المقبولة منطقيا، ولما كان الوحي من عند الخالق والفطرة والسنن حقائق من صنع الخالق، فإنه كما حقق العقل وبرهن على مدى التاريخ، لا مجال عند المراجعة العلمية الموضوعية، لوجود تعارض أو تناقض حقيقي بين دلالة الوحي وهدايته وتوجيهه، وحقيقة الفطرة والسنن ومقاصدها.
ويرى المدققون من الباحثين أن قضية تعارض النقل والعقل، التي وقع فيها العقل المسلم من دون قصد واستثمرها الآخر بخبث ودهاء متسترا وراء العلم ومنجزاته كانت بتأثير المنطق الصوري الإغريقي، وما لم يفطن الخطاب الإسلامي إلى ما تنطوي عليه هذه القضية المفتعلة، وهذه الأزمة الوهمية، وما ترتب ويترتب عليها في فكر الأمة ومسيرتها الحضارية من آثار سلبية خطيرة على صفاء الرؤية الإسلامية ووحدة فكر الأمة ومقاصدها، فإن الأمة لن تستطيع أن تستعيد واقعيتها وقدرتها وريادتها الإعمارية والعلمية الحضارية (انظر كتاب أزمة الإرادة والوجدان المسلم للدكتور عبد الحميد أبو سليمان: دار الفكر، دمشق 2005م).
ومما يدعم هذا التصويب في طرح القضية المفتعلة لتعارض النقل والعقل أو الدين والعلم أن الحال أصبحت غير الحال.
إن تطور العلوم الفيزيائية والفلكية والبيولوجية وغيرها لا يتفق مع كثير من التأويلات الفلسفية القديمة، وهذا من شأنه أن يجبر الفكر الاجتهادي على تغيير أساليبه المنهجية طبقا لمعطيات العلم الجديدة.
إن الإنسان الذي انغمس في المادية حتى أخمص قدميه وانسلخ من فطرته الدينية، أصبح يشعر الآن بغرابة وجوده في هذا الكون ويتساءل عن معنى ذلك الوجود، وعن أسبابه ومعانيه وأهدافه، ولن يقدم له الإجابة الشافية على هذا التساؤل إلا خطاب جديد ورشيد يفند تلك القضية الوهمية المفتعلة لتعارض الدين والعلم.