كتب: علاء الدين محمود
«العجب كل العجب من عبد يقبل على صحبة نفسه ولا يأتيه الشر إلا منها، ويترك صحبة الله ولا يأتيه الخير إلا منه، فإذا قيل: كيف الصحبة لله؟ فاعلم أن صحبة كل شيء على حسبه، فصحبة الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وصحبة الكتاب والسنة أن يعمل بهما، وصحبة السماء بالتفكر فيها، وصحبتك الأرض بالاعتبار لما فيها».
فــي النص السابق من كتاب «تــــاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس» لابــن عطاء الله السكندري (658-709هـ) فضاء لتأمل المؤمن في شأن الحياة الدنيا وتدبيره للآخرة، حيث يجد المؤمن نفسه منسجماً مع الأقوال والكلمات التي تعلمه كيفية التوجه إلى الله سبحانه وتعالى، فعمل المؤمن الحق كله بحث عـن السعادة والطمأنينة حتى يكون ممن عناهم الله عز وجل بقوله: «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي»، تلك هي اللحظات المرجوة والمنتظرة في حياة المؤمن، التي هـي سعي متواصل للتعرض لنفحات الإيمان، من أجل السعادة وطرد الشقاء، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة، لا يشقى بعدها أبداً».
كلمات ابن عطاء الله السكندري هي حدائق غناء تفتح أبوابها على المريد السالك، والباحث عن الحقيقة، التي تسمو بصاحبها إلى أعلى درجات المحبة والصفاء. كلمات تلامس شغاف القلوب وتعطر الأرواح بذكر الله تعالى، وتحيي النفوس العطشى إلى الحق، وتهذب الدواخل والجوارح، وتجعل المتلقي السالك يستقبلها بباطنه، مطلعاً على حقيقتها ليهتدي بها، فيختلف إيمانه عن الذين يستقبلونها بالظاهر فيقعون في الحيرة.
يؤكد السكندري في كتاباته على صحبة الله تعالى، والاستغناء عن كل صحبة أخرى، فمع الله يكون الخير الوفير والقطوف الدانية، والمعاني المتدفقة، والأنوار الربانية، فتلك جنة لا يعرفها إلا من روضوا النفس على الزهد، وجبلوها على الطاعة وترك المعاصي، لتمتثل لله سبحانه وتعالى، وتتجنب نواهيه، فذلك هو شرط الطريق القويم، وهو شرط لا غنى عنه ولا حياد فيه، فالمؤمن يقضي حياته لأجل العمل المتمثل لحقيقة الدين، والكلم الطيب، لتكون حياته طيبة سعيدة، لذا فإن ابن عطاء الله يوجه وعظه الشفيف للمؤمن السالك فيقول: «كن كالنحلة، صغير جِرْمها، عظيمة همتها، تجني طيباً، وتضع طيباً».
المؤمن الحق
والسكندري إنما يسعى ليخبر المؤمنين عن كيفية تربية النفوس وتهذيبها، والسير بها في طريق مستقيم، حتى تتفتح بصيرة المؤمن فيرنو بصره نحو السماء، فيعلم من المعارف ما لا يتاح لسواه، وهو يحرض أيضاً على الإيمان المصحوب بالتدبر والتفكر والتعقل كما في صحيح الدين الإسلامي، فالدين في حقيقته يوجه المؤمنين ويحضهم على ضرورة التفكير العميق، حتى إذا ما عرفوا الحقيقة ووعوها كان لابد من تجنب المعاصي، فالمؤمن الحق لا يترك نفسه طرفة عين بلا محاسبة، ويقول السكندري في هذا الصدد: «فإن أصل كل معصية وغفلة وسهو، الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة، عدم الرضا عنها»، فلا يركن الإنسان إلى رضاء الناس ومدحهم، وهذا من الأشياء التي يتشدد ابن عطاء في التحذير منها، فرضاء الناس عنك ليس مؤشراً أبداً لفلاحك، بل ربما يكون حاجباً بينك وبين النظر الصحيح للأشياء، ويضيف شارحاً: «الناس يمدحونك بما يظنون فيك، فكن أنت ذامّاً لنفسك لما تعلم منها، فإن أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس، غبْ عن نظر الخلق إليك بنظر الله إليك».
إن رضا الناس عن المؤمن يشغله عن السير في طريق مرضاة المولى عز وجل، ويزين له زينة باطلة، يخيل إليه معها أنه في الطريق الصحيح، بينما هو يبتعد شيئاً فشيئاً عن طريق الله سبحانه وتعالى، ولابد للمرء أن يذم نفسه ويوبخها في كل حين، فالطريق صعب وشائك وتكثر فيه العقبات وما يزيغ البصر عن النظر الصحيح، فتعمى البصيرة، ويضل المؤمن عن الصراط المستقيم، كما أن أقوال ابن عطاء تدعو المؤمن إلى أن يكون بقرب الله، فالله سبحانه وتعالى قريب من العبد «لا مسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك، ولا قطيعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك».
يدل ابن عطاء الله المؤمن الحق بكلماتـه على طريــق الهدايـــــــة، ولا سبيل إليهــــا إلا بمغالبــة النفــس عن الهوى وحب الشهوات، ولابد للسالك في طريق المحبة أن ينهى النفس ويجنبها العثرات، وعليه أن يستغيث بالله ويتضرع إليه من أجل أن تذهب ذنوبه فتصبح صحيفته بيضاء، ولكل من الحواس طريقها للتجنب والنهي، يقول السكندري في هذا الأمر: «فالقلب شجرة تسقى بماء الطاعة، وثمراتها مواجيدها، فالعين ثمرتها الاعتبار، والأذن ثمرتها الاستماع إلى القرآن، واليدان والرجلان ثمرتهما السعي في الخيرات»، فالإنسان لن يفلح في مجاهدة النفس وهو يقويها بالشهوات.
إن سيرة ابن عطاء الله السكندري هي قدوة في المحبة، وكيفية الوصول إليها عبر الطاعة وتجنب المعاصي، هي مسيرة من فاضت نفسه بالحب، حيث نزلت عليها النفحات والأنوار فأضاءتها، وبقي صاحبها غارقاً في بحار المحبة لا يشغله شيء عنها، ينشد الكمال والجمال، خاضعاً لأمر الله تعالى، متأملاً في عوالمه ومخلوقاته، زاهداً في الدنيا، ومضحياً بالمغريات من أجل الوصول، وهذا هو الطريق الذي أراده للناس فبذل لهم الوعظ بترك المعاصي من أجل الفوز بمحبة الله تعالى، وهو وعظ يأتي عبر كلمات وأقوال محتشدة بالجمال، تتدفق فيها اللغة كنهر عذب، وتكشف عن المعاني بقوة البيان، وتأخذنا في عوالم من نور ومحبة وروحانيات، فهي عامرة بالقول الجميل الدال على الخير، والمتمعن في طريق الحب والجمال.
معرفة ودراية
ابن عطاء الله السكندري هو تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عطاء الله الجذامي، نسبة إلى قبيلة جذام في مصر، أقبل منذ صغره لينهل من العلوم الدينية والشرعية واللغوية، وتبحر كذلك فـــــي دراسة القرآن وتفسيره، وفي علوم الحديث والفقه، وفـــــي اللغة العربية مـــن نحـــو وأدب، وكان علــى درايــــــــة ومعرفة بكلام الصوفية وآثـار السلف، كمـا أنه تلقى العلم فــــي التفسير والحديث والفقه والأصول على يد ناصر الدين بن المنير، وتلقى علم الكلام والفلسفة على يد الشيخ شمس الدين الأصفهاني، وله عديد المؤلفات والمصنفات منها ما اندثر، ومنها ما بقي مثل: «لطَائف المنن، في منَاقبِ الشيخ أبي العباس وشيخه أبي الحسن»، و«القصد المُجرد في معرفة الاسم المُفرد»، و«أصول مقدمات الوصول»، و«الطريق الجادة في نيل السعادة»، و«عنوان التوفيق في آداب الطريق»، و«تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس»، و«مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح»، و«الحكم العطائية على لسان أهل الطريقة»، وهذا الأخير يعتبر من أهم ما كتبه، حيث وجد قبولاً كبيراً، ولا تزال بعض مؤلفاته تدرس في بعض كُليات جامعة الأزهر، وقد وجدت مؤلفاته الكثير من الاهتمام من قبل المستشرقين؛ حيث قام الإنجليزي «آرثر أربري» بترجمة الكثير منها، وكذلك الإسبانى «ميجيل بلاسيوس».
وكانت لابن عطاء مكانة كبيرة وسط أعلام المتصوفة، فقد قال عنه الذهبي: «كانت له جلالة عجيبة، ووقع في النفوس، ومشاركة في الفضائل، وكان يتكلم بالجامع الأزهر فوق كرسي بكلام يروح النفوس، ومزج كلام القوم بآثار السلف وفنون العلم، فكثُر أتباعه، وكانت عليه سيماء الخير».