تُعد القناطر الخيرية التي شيدها محمد علي باشا والي مصر عند بداية تفرع النيل على بعد 23 كيلومتراً شمال القاهرة أعجوبة فنية وأثرية وسياحية وواحدة من أروع الآثار المصرية الحديثة في مجال هندسة الري . وكانت هذه القناطر الأولى من نوعها في العالم آنذاك، ولاتزال تتمتع بسحرها الذي يجذب إليها السياح العرب والأجانب سنوياً، وهي البقعة الخضراء المفضلة لرحلات الشباب وطلبة المدارس، ويواظب المصريون على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم الاجتماعية على زيارتها، خاصة في المناسبات والأعياد، للترويح عن أنفسهم .

اهتم المصريون عبر جميع العصور بإقامة القناطر والسدود لكبح جماح النهر، وكانت أراضي الوجه البحري حتى أوائل القرن التاسع عشر تروى عن طريق الحياض كري الوجه القبلي، فلا يزرع فيها سوى الشتوي ولا يزرع الصيفي إلا على شواطئ النيل أو الترع القليلة المشتقة منه . وعندما تولى محمد علي باشا حكم مصر في العام 1805 عزم على تغيير هذا النظام تدريجياً، فأخذ في إقامة الجسور على شاطئ النيل وشق الترع وتطهيرها ليضمن توفير مياه الري في معظم العام .

وتوج محمد علي أعمال الري التي أقامها بإنشاء القناطر الخيرية، وهو الاسم الذي يعني تنظيم وضبط الري لخدمة الزراعة المصرية في الدلتا والوجه البحري وبذلك تعتبر فاتحة خير وبركة على الشعب المصري، فهي سد من النوع المفتوح .

وإذا كانت القناطر آخر أعمال محمد علي في الري، إلا أنها أعظمها نفعاً وأجلها شأناً وأبقاها على الدهر أثراً، وفكر فيها بعدما شاهد بنفسه فوائد القناطر التي أنشأها على الترع المصرية العديدة، ورأى أن كميات عظيمة من مياه الفيضان تضيع هدراً في البحر ثم تفتقر الأراضي إلى الري خلال السنة فلا تجد كفايتها منها، فاعتزم ضبط مياه النيل للانتفاع بها زمن التحاريق ولإحياء الزراعة الصيفية في الدلتا، وذلك بإنشاء قناطر كبرى في نقطة انفراج فرعي النيل المعروفة ببطن البقرة .

وعلى الفور عهد محمد علي بدراسة هذا المشروع الضخم إلى جماعة من كبار المهندسين آنذاك منهم المسيو لينان دي بلفون لينان باشا كبير مهندسيه، فوضع تصميماً وشرع في العمل وفقاً لهذا التصميم سنة 1834 ثم توقف فترة من الزمن، وعندما اعتزم محمد علي استئناف العمل استعان بمهندس آخر هو المسيو موجيل بك بعدما أعجب بمقدرته الهندسية في إنشاء حوض للسفن بميناء الإسكندرية، فقدم تصميماً للقناطر الخيرية يختلف عن الذي وضعه المسيو لينان الذي كان يرى إنشاءها عن اليابسة بعيداً عن المجري الأصلي للفرعين، واختار لذلك قطعتين بين متلويين من متلويات فرعي النيل حتى إذا انشئت حوَّل الفرعين إليها بحفر مجريين جديدين، بينما يقتضي مشروع موجيل بك إقامة القناطر مباشرة على حوض النهر .

تفاصيل المشروع

ويتألف المشروع من قنطرتين كبيرتين على فرعي النيل يوصل بينهما برصيف كبير، وشق ترع ثلاث كبرى تتفرع عن النيل فيما وراء القناطر لتغذية الدلتا وهي الرياحات الثلاثة المعروفة برياحات المنوفية والبحيرة والشرقية والأخير عرف بالتوفيقي بعد ذلك لأنه أنشئ في عهد الخديوي توفيق باشا . وشرع في العمل على قاعدة تصميم موجيل بك بمعاونة مصطفى بهجت باشا ومظهر باشا المهندسين الكبيرين آنذاك .

وفي صباح الجمعة 9 إبريل/نيسان ،1847 وضع محمد علي باشا حجر أساس القناطر الخيرية، ثم تراخى العمل في تنفيذ المشروع في أواخر عهده وتوقف بعد وفاته في ولاية الخديوي عباس الأولى بحجة أن حالة الخزانة لا تسمح ببذل النفقات الطائلة التي يتكلفها تنفيذ المشروع الذي تجاوزت نفقاته الإجمالية المليون جنيه . وبنيت القناطر وأنشئ الرياح المنوفي في عهد سعيد باشا .

وفي عهد الخديوي إسماعيل سنة 1867 ظهر خلل في بعض عيون القناطر، فأصلحه طبقاً لآراء موجيل بك، وكان غادر مصر إلى فرنسا، وبهجت باشا ومظهر باشا .

وفي العام 1891 أصلح بناء القناطر في العصر الحديث لتقويتها حتى بلغت شكلها الحالي بعدما رجعت الحكومة إلى رأي موجيل بك في هذا الإصلاح وذهب إلى مصر وقتها وكان بلغ ال75 سنة، فعينته الحكومة مهندساً للقناطر ليرتبط باسمه إنشاؤها ابتداء من العمل فيها إلى تمام بنائها .

أعظم حدائق الشرق

ويعد علي مبارك باشا أول من أدار القناطر، التي أقيمت عند تفرع نهر النيل إلى فرعي دمياط ويبلغ طوله 242 كيلومتراً ومتوسط عرضه 270 متراً، ورشيد ويبلغ طوله 236 كيلومتراً ومتوسط عرضه 500 متر .

وترك محمد علي باشا مئات الأفدنة حول القناطر للتوسعات المستقبلية، وخصص 500 فدان جميعها تطل على النيل مباشرة للحدائق المقامة على نمط المتنزهات والحدائق الأوروبية وهي مزودة بالأشجار النادرة التي جلبها من مختلف أنحاء العالم، ووصفها عند افتتاحها بأنها أعظم حدائق الشرق .

وتستقبل القناطر الخيرية سنوياً نحو 5 ملايين زائر بين مصري وعربي وأجنبي، بسبب التطوير المستمر لها منذ عهد محمد علي باشا . وأسهم قربها من القاهرة وإمكانية الوصول إليها عبر النيل وبرا بسهولة في ازدهارها كمنطقة جذب سياحي .