عندما تبلغ المهندسان أرنو بونزياس وروبرت ويلسون بأن عليهما القيام بمهمة علمية في إطار عملهما لدى شركة بيل، لم يظهرا تحمساً كبيراً . وعندما طلب منهما أيضاً الإسراع إلى آخر نقطة في نيوجرسي لمعاينة أحد الهوائيات الخاصة بأحد الأقمار الاصطناعية الذي تعرض لعطل ما، تكاسلا ولم يتم الأمر كما ينبغي بدقة لأن الباحثين تعودا استقبال إشارات ذات ضجيج كبير لا تشبه ما سمعاه أو شاهداه على أجهزة الرصد .
من دون أن يعرف هذان المهندسان في مجال الاتصالات حقيقة هذه الإشارات، تبين فيما بعد أنها إشارات أو صدى الانفجار العظيم الذي حدث قبل مليارات السنين والذي أدى إلى ظهور الكون . هذا الاكتشاف نالا من أجله جائزة نوبل للفيزياء في عام 1978 . وكان هذا الكشف بمثابة الدليل على ما يسمى (الأشعة الأحفورية) التي كان الباحثون ينتظرونها لتبني نظرية الانفجار العظيم التي ظهر الكون بموجبها قبل 13،7 مليار سنة حين كان، كما يقول العلماء، فائق السخونة ولا يتعدى حجمه حجم الذرة الصغيرة ثم أخذ بالانتفاخ بشكل لا حد له ولتنخفض إلى جانب ذلك درجة الحرارة ويدخل في مرحلة برودة، حيث أخذت المادة بالانتظام إلى أن ظهرت الحياة .
هذا السيناريو يبدو أنه، حسب بعض العلماء، لا يستند إلى شيء ملموس، فحوالي 96% من مكونات الكون لا تزال مجهولة علماً بأنها تتوافق مع الأرصاد عبر التلسكوبات العملاقة ومع المشاهدات التي تتم عبر المعجلات الذرية ضمن نطاق العالم فائق الصغر .
ويرى عدد من الباحثين في علم اللاهوت أن دخول نظرية الانفجار العظيم إلى الساحة العلمية أدى إلى إدخال الدين في الأمر، علماً أن الكنيسة في وقت ما أحرقت العالم جيوردانو برينو وحكمت على جاليليو بالموت لأنهما قالا أموراً لا تتوافق مع مفاهيمها الدينية ومعتقداتها . ويبدو أن هذا الكشف المتعلق بالانفجار العظيم جعل الكنيسة تغير رأيها، معتبرة أن التفسير الذي تقدمه النظرية يتوافق مع عملية الخلق حسب الرواية التي جاءت في الكتاب المقدس .
الغريب أن العلماء والباحثين انتفضوا ضد تدخل الدين المتمثل في الكنيسة في موضوع الخلق .
أمام هذا الجدل الذي لا ينتهي بين العلم والدين، ظهر التوأمان ايجور وجريشكا بوغدانوف ومعهما كتاب عنوانه وجه الله يرويان فيه قصة خلق الكون على طريقة كتب دان براون . ويرى هذان الأخوان أن الكون شيفرة سرية كما هو الحال في الحمض النووي، تحوي كل التعليمات والمعلومات التي أدت إلى خلق الكون . ويرى الأخوان أن هذه الشيفرة تتمثل في القوانين الفيزيائية الأساسية التي تنظم هذا الكون وتتحكم فيه وبطريقة عمله . ويشيران إلى أن الأمر يتضمن قوانين منضبطة ودقيقة بحيث إن تغير أحدها بشكل بسيط يمكن أن يحدث تغييراً كبيراً في الآخر . وهنا يخلص الأخوان إلى نتيجة مفادها أن هذا الأمر لا يمكن أن يكون من عمل المصادفة على الاطلاق وأن ثمة يداً عليا تقوم بهندسة هذا الكون العجيب .
ويرى بعض الناقدين أن هذا الكتاب يوشك أن يحدث ردة فعل لدى الأوساط العلمية ربما لا تنتهي، لكن المؤلفين توقعا هذا الأمر وزودا الكتاب بحواش وتعليقات موقعة من علماء أمريكيين وأوروبيين في هذا المجال، أغلبيتهم حاصلون على جوائز نوبل في الفيزياء .
ويقول الأخوان بوغدانوف في الفصل الذي أطلقا عليه اسم النواة الكونية للمرة الأولى يتمكن قمر اصطناعي يسمى (كوب) أي مستكشف الأشعة الخلفية للكون من تصوير الضوء الأقدم الذي صدر عن الانفجار العظيم في الكون والذي يزيد عمره على 13 مليار سنة . وقدم هذا الإشعاع القديم صورة للكون تأخذ بالألباب لأنه قربنا بشكل أكبر من النواة الكونية التي بزغت عند ولادة الكون الأولي .
الكون المتمدد
ويذهب بنا الأخوان بوغدانوف إلى عشرينات القرن العشرين وبالتحديد إلى بداية عام 1925 حين الإعلان عن أن الكون الذي يضمنا لا يقتصر على مجرتنا فقط بل ثمة مليارات المجرات التي تعمره وأنه أكبر بكثير مما نتصور . وفي عام 1929 قدم العالم إدوين هابل ما هو أهم من ذلك، إذ اكتشف أن المجرات تتحرك بالنسبة لبعضها بعضاً بسرعات لا يمكن تصورها، أو بمعنى آخر أن الكون نفسه في حالة تمدد واتساع لا نهائي .
وهنا يعتقد الأخوان بوغدانوف، حسبما ورد في الكتاب، أن الكون مثله مثل كل الكائنات الحية يمتلك (شيفرة جينية) تحوي صفاته الفيزيائية أو مثله مثل برنامج معلوماتي مجهز سلفاً لأداء وظيفة معينة ولذا يمكننا أن نطلق عليه: البرنامج الكوني الأول . ويضيفان أنه بعد 13،7 مليار سنة من ولادة هذا الكون وظهور الحياة بأشكالها المتنوعة بدءاً من البكتيريا الدقيقة وحتى الإنسان ومروراً بكل المخلوقات البحرية والبرية، نلاحظ أن كل هذه المخلوقات تملك على المستويين الجيني والجزيئي وحدة بنيوية ووظيفية مدهشة حقاً، فالكل يمتلك الأحماض الأمينية والنووية نفسها والبروتينات المركبة من العناصر الأساسية نفسها (الأحماض الأمينية)، كما أن جيناتها كلها مكونة من الحمض النووي (DNA) ما يعني أن (الكود) أو الشيفرة الجينية هي وحدها للجميع، فضلاً عن ذلك، فإن الانزيمات نفسها تدخل في تفاعلات متشابهة بالنسبة للجميع .
وفي هذا الصدد، يقول العالم جيمس جاردنر المتخصص في نظريات التعقد والتطور في الأنظمة إنه من المستحيل أن تظهر أنظمة معقدة في الكون كأننا نتخيل أمامنا طائرة من نوع بوينغ 747 تتجمع مصادفة داخل حزام الكوكيبات الموجود بين المريخ والمشتري من خلال مواد محيطة بها ثم تصل إلينا من دون أن يقع لها حادث مدمر . ومن هنا يرى جاردنر أن كل شيء في الكون صنعته يد قادرة عليا من أجل أن يظهر في النهاية مادة منظمة قادرة على منح الحياة والعقل .