مدينة القيروان، أو كيروان، توجد في تونس، ويحدّها من الجهة الشماليّة مدينة سيلاتة، ومن الجنوب قفصة، ومن الشرق القصرين، ومن الغرب سوسة، ومن الشمال الغربي نابل، ومن الشمال الشرقيّ الكاف. وتبلغ المسافة التي تفصل القيروان عن العاصمة التونسيّة تونس ما يقارب 160 كيلومتراً، وتعتبر موقع تراث عالميّاً تابع ل «اليونيسكو».
يقول د.علي الصلابي في كتابه «الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار»: «في سنة 50 ه بدأت إفريقية الإسلامية عهداً جديداً مع عقبة بن نافع، القائد المتمرس في شؤون إفريقية منذ حداثة سنِّه، فقد علم أن السبيل الوحيد للمحافظة على إفريقية ونشر الإسلام بين أهلها هو إنشاء مدينة تكون محط رحال المسلمين، ومنها تنطلق جيوشهم فأسس مدينة القيروان وبنى جامعها، وقد مهد عقبة قبل بناء المدينة لجنوده بقوله: إن إفريقية إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام، فإذا خرج منها رجع من كان أجاب منهم لدين الله إلى الكفر، فأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة تكون عزاً للإسلام إلى آخر الدهر.
اتفق الناس على ذلك وأن يكون أهل المدينة مرابطين، وقالوا: نقرب من البحر ليتم لنا الجهاد والرباط، فقال عقبة: إني أخاف أن يطرقها صاحب القسطنطينية بغتة فيملكها، ولكن اجعلوا بينها وبين البحر ما لا يوجب فيه التقصير للصلاة فهم مرابطون، ولم يعجبه موضع القيروان الذي كان بناه معاوية بن حديج قبله، فسار والناس معه حتى أتى موضع القيروان اليوم، وكان موضع غيضة لا يرام من السباع والأفاعي، فدعا عليها، فلم يبق فيها شيء، وهربوا حتى إن الوحوش لتحمل أولادها».
وعن يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب قال: يا أهل الوادي إنا حالّون إن شاء الله، فظعنوا، ثلاث مرات، فما رأينا حجراً ولا شجراً إلا يخرج من تحته دابة حتى هبطنا بطن الوادي: ثم قال للناس: انزلوا باسم الله، وكان عقبة بن نافع مجاب الدعوة، وقد رأى من البربر كيف أن الدواب تحمل أولادها وتنتقل، فأسلموا ثم شرع الناس في قطع الأشجار وأمر عقبة ببناء المدينة فبنيت وبني المسجد الجامع، وبنى الناس مساجدهم ومساكنهم وتم أمرها سنة 55 ه وسكنها الناس، وهو بينهم، وكان في أثناء عمارة المدينة يغزو ويرسل السرايا، ودخل كثير من البربر الإسلام، واتسعت خطة المسلمين وقَوِي جنان من هناك من الجنود بمدينة القيروان، وأمنوا واطمأنوا على المقام فثبت الإسلام فيها.
تعريب
خططت مدينة القيروان على النمط الإسلامي، فالمسجد الجامع ودار الإمارة توأمان، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، ويكونان دائماً في قلب المدينة، وبينهما يبدأ الشارع الرئيسي للقيروان، الذي سيسمى باسم السماط الأعظم، ثم ترك عقبة فراغاً حول المسجد ودار الإمارة في هيئة دائرة واسعة، ثم قسمت الأرض خارج الدائرة إلى خطط القبائل، ليكون استمراراً للشارع الرئيسي في الاتجاهين إلى نهاية المدينة. وانجفل البربر من نواحي إفريقية إلى القيروان، وسكنوا حولها وكان الكثير منهم دخلوا في الإسلام، وشرعوا في تعلم اللغة العربية والقرآن الكريم وأمور دينهم. وهكذا نشاهد فيما بين سنتي 50 و55 ه حركة قوية بدأت في تعريب الشمال الإفريقي.
ويشير د.علي الصلابي إلى أن الحياة العلمية المركزة لم تبدأ إلا بعد تأسيس القيروان سنة 50 ه، فسرعان ما أصبحت مركز الحضارة الإسلامية بالمغرب وعاصمته العلمية، منها انطلق الدعاة وإليها رحل طلاب العلم من الآفاق. ومما رشح القيروان لهذه المكانة ما يلي: أن إنشاءها يعني أن إفريقية أصبحت ولاية إسلامية جديدة وجزءاً لا يتجزأ من العالم الإسلامي الكبير، وبالتالي سيعيش المسلمون فيها حياتهم العادية، على رأسها التعليم وبث الثقافة الإسلامية، وعلى أهلها تلقى مسؤولية نشر الإسلام في المغرب، فكما كانت منطلق الجيوش الفاتحة، كانت كذلك منطلق الدعاة إلى الأنحاء لنشر الإسلام، وشعر الصحابة بهذه المكانة للقيروان منذ تأسيسها.
الجامع الذي شيده عقبة بن نافع في القيروان، أصبح مركز التعليم الإسلامي في شمال إفريقيا، واعتبر رابع أقدس مسجد في الإسلام بعد الحرمين والمسجد الأقصى.
كما أن الموقع الجغرافي لمدينة القيروان كان له دور كبير في إثراء الحياة العلمية وإنعاشها، إذ كانت في موقع متوسط بين الشرق والغرب يمرّ بها العلماء والطلبة من أهل المغرب والأندلس في ذهابهم إلى المشرق، فيسمعون من علمائها،
وكثير منهم يصبح أهلاً للعطاء عند عودته فيسمع منه أهلها، كما كان يدخلها من يقصد المغرب أو الأندلس من أهل المشرق.
محدثون وفقهاء
كانت التجارة في القيروان رابحة والسلع فيها متوافرة، ولذلك أمّها كبار التجار من المشرق والمغرب وكثير منهم من المحدّثين والفقهاء، فكان ذلك عاملاً مهمًّا في ازدهار الحياة العلمية بالقيروان.
وممّا أسهم في ثراء الحياة العلمية كون القيروان آنذاك هي العاصمة السياسية، ذلك أنّه كلما جاء أمير جديد اصطحب معه مجموعة من العلماء والأدباء، كما أن كثيراً من المحدثين والفقهاء وفدوا إلى العاصمة الإفريقية ضمن الجيوش القادمة من المشرق، التي استمر مجيئها إلى بعض منتصف القرن الثاني، بالإضافة إلى من كان يقصد الأمراء للمدح والتسلية من أهل الشعر والأدب.
القيروان اكتسبت نوعاً من الاحترام والتعظيم باعتبارها البلد الذي أسسه صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهي آخر ما دخلوه الصحابة من بلاد المغرب. وقامت القيروان بدور كبير في فتح شمال إفريقيا كله والأندلس.