يتصور البعض خطأ أن القيلولة من اختراع الكسالى الذين يميلون إلى قضاء أوقاتهم بالنوم ويفضلون الخلود إلى الراحة بدلاً من العمل والنشاط والحيوية، خاصة أن أبحاثاً أشارت إلى أن هذه الإغفاءة ترتبط بوجود اعتلال في الصحة، معتبراً إياها عاملاً مهدداً للنوم في الليل . وحديثاً أثبت العديد من الدراسات الطبية والنفسية أن النوم عملية نشطة من الناحية البيولوجية، وإذا لم ينل الفرد نصيبه من النوم لجسمه فسوف يجد وسيلة للحصول عليه عن طريق إغفاءة قصيرة لا تتعدى 10 دقائق، وهو الأمر الذي يربطه الأطباء بزيادة الإنتاجية والذكاء والاستقرار النفسي للإنسان .

أظهرت نتائج دراسة قامت بها الأكاديمية الأمريكية لطب النوم، أن العمال الذين يعملون في المناوبات الليلية وينامون لمدة 20 دقيقة في القيلولة يستطيعون البقاء منتبهين حتى السابعة صباحاً، كما يتحسن إنتاجهم الوظيفي على المدى الطويل . والدراسة نفسها أجريت على عدد من الطيارين الذين يحلقون في الجو لساعات طويلة، وأثبتت أن الذين يأخذون فترات قيلولة قصيرة جداً، هم أكثر يقظة خلال الساعة الأخيرة والحاسمة من الرحلة . وأظهرت نتائج دراسة أخرى أجريت في نيوزلندا عام 2009 أن مراقبي حركة النقل الجوي والعاملين في المناوبات الليلية كانوا أفضل في اختبارات الانتباه وحسن الأداء بعدما تمتعوا بإغفاءة مخطط لها استمرت 30 دقيقة . وأغلب الدراسات تؤكد أن المدة المناسبة للقيلولة هي من 15 إلى 20 دقيقة، وأن التوقيت الأفضل لها هو ما بين الساعة الواحدة والرابعة بعد الظهر، وهي الفترة التي ينخفض فيها النشاط الفكري والجسمي للإنسان، وهي كذلك ثاني فترة تقع فيها أغلب حوادث السير الخطرة، بعد الفترة الممتدة ما بين الثانية والخامسة صباحاً، بينما كان القاسم المشترك الأكبر في هذه الدراسات هو توصية أرباب العمل بضرورة تمكين العاملين من التمتع بإغفاءة النهار، وتخصيص غرف للقيلولة .

يقول شاهر مصطفى، موظف في شركة تجزئة بالشارقة: دائماً ما أجد الحرج في عملي بسبب النعاس الذي يغلبني في فترة ما بعد الظهيرة حيث تبدو الأجواء والحركة التجارية أكثر هدوءاً، وبما أن مكان العمل ليس المناسب للقيلولة أحاول التخلص منها بغسل وجهي أو تناول مشروب منبه أو أخرج للمشي أمام المحل لاستعادة المزاج والقدرة على استئناف العمل .

وبرأي محمد حسين، موظف في الشارقة، فإن القيلولة، وبعيداً عن الفوائد الصحية والنفسية، لها فوائد إيمانية أهمها إراحة الجسم حتى يستطيع القيام بالعبادة . ويقول: راحة الجسد بالقيلولة فيها دعوة لإتقان العبادة، فقد أخرج ابن ماجه والطبراني عن ابن عباس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، وبالقيلولَة على قيام الليل .

ويقول خليل المنصوري، مدير العلاقات العامة في منطاد الإمارات، القيلولة جزء من حياتي الشخصية والعملية وسبب استقرارها، لأنها تزيد من نشاطي وتعطيني طاقة خلال الساعات الأخيرة من النهار . وأغفو يومياً ما بين 10 و15 دقيقة في فترة العصر أو بعد غياب الشمس حيث يبدو كل شيء هادئاً، وبغض النظر عن المكان الذي أكون فيه سواء المنزل أو المكتب أو السيارة، لأن ذلك سبب لشعوري بالطاقة والراحة والنشاط . ويشير إلى أنه في السنوات الماضية لم تكن القيلولة جزءاً من برنامجه اليومي، ولكنه كان دائم الشعور بالتعب والخمول، وكان يلازم البيت .

ويقول أحمد الشريف، مدير قسم الأمن والمراقبة في مركز تسوق بالشارقة: طبيعة عملي تتطلب الاستيقاظ والتنبه لساعات متواصلة في الليل والنهار وبكامل التركيز واللياقة البدنية، ما جعلني ألتجئ إلى العديد من الطرق والتجارب التي تساعدني على ذلك، ومن ذلك القيلولة بعد صلاة المغرب، ويؤكد أن الأيام التي يحصل فيها على نوم 10 دقائق تساعده على إكمال يومه بطاقة ونشاط، ويحدث العكس إذا استغرق في نوم القيلولة لعدة ساعات، إذ يشعر بالكسل والضجر والمزاج السيئ .

صالح السحلي، طالب في الثانوية العامة بالشارقة، يقول: أواظب على نوم القيلولة منذ امتحانات التعليم الأساسي، فأحد المعلمين حثنا على أخذ فترات نوم قصيرة ما بين فترات الدراسة، لأن ذلك يساعد على ترسيخ المعلومة في المخ ويحسن الذاكرة .

وهذا يوحى بأن النوم ليس فقط مهماً قبل الدراسة أو العمل ولكنه مفيد بعدهما أيضاً، لأنه يعمل على الراحة الذهنية للعقل . ويشير إلى أن نجاح التجربة وراء تعوده على نوم القيلولة وخاصة في الأيام التي يحتاج فيها إلى طاقة ونشاط عقلي .

يقسم د . محمد عبد العزيز، أستاذ الطب النفسي بجامعة دبي، القيلولة بشكل عام إلى ثلاثة أنواع هي: القيلولة الملكية أو الطويلة وتتعدى ثلاثين دقيقة، والمعتدلة وتكون ما بين 5 و30 دقيقة، والسريعة أو القصيرة التي لا تتعدى خمس دقائق . ويؤكد أن الأخيرة هي الأكثر مساعدة على الاسترخاء والنشاط، إذ تساعد الإنسان على شحن بطاريته النفسية والفسيولوجية، وتحقيق حالة من الراحة التامة للذهن وعضلات الجسم والجهاز الحركي . ويضيف: للقيلولة فوائد نفسية وجسدية كثيرة، وهذا هو سر التفاف الغربيين حولها وتنظيمهم منظمات للدفاع عنها والترويج لها وخاصة بين العمال، لأنها سبب لزيادة إنتاجية العامل ونشاطه، ويلفت إلى أهمية التفريق بين القيلولتين القصيرة والطويلة التي تتعدى الساعة لأنها تؤدي إلى كسل أو قصور النوم، وسبب ذلك أن النائم يصل إلى النوم العميق بعد نحو 40 دقيقة من النوم، وإذا استيقظ من النوم العميق قبل حصوله على كفايته منه قد تظهر لديه أعراض كسل النوم، وهي مرحلة طبيعية يمر بها المستيقظ من النوم فجأة ويشعر خلالها بالدوخة ونقص في التركيز والمهارات العقلية وقد يصاحبها بعض الاختلاط الذهني، مشيراً إلى أن هذه الحالة تستمر من ثوان إلى 30 دقيقة .

وحسب د . أحمد معصوم، استشاري أمراض الصدر واضطرابات النوم في مستشفى الإمارات، تحدث حالات النعاس في الفترة ما بين الساعة 1 و5 بعد الظهر بسبب العديد من الأسباب التي تكون الإغفاءة أو القيلولة بلسماً لها . ويوضح لدى كل إنسان نقطة بيولوجية توجد في الخلايا تحت السرير البصري في الدماغ، تقوم بالإشراف على مختلف العمليات الفسيولوجية أثناء اليوم مثل: درجة حرارة الجسم، وضغط الدم، وإفرازات العصارات الهضمية، وعملية النوم واليقظة . ويضيف: نمط الإيقاع اليومي الطبيعي يتكون من اليقظة أثناء النهار يتبعه ازدياد النعاس تدريجياً أثناء المساء . والشائع هنا هو وجود قيلولة صغيرة مبرمجة ضمن الإيقاع اليومي، تزداد عند الأشخاص المتقدمين في السن، كآلية للتعويض عن نوم الليل الذي غالباً ما يتخلله بعض المنغصات . وعن الوقت المحدد للقيلولة قال: وقتها يعتمد على الهدف منها، فإن كان الإنسان يريد النوم لأن وراءه سفراً طويلاً أو مناوبة مجهدة فقد ينام لساعات أطول، أما في الروتين اليومي للحياة، فإن الأبحاث أظهرت أن 10 إلى 20 دقيقة أفضل مدة للقيلولة، لأن هذه المدة تحقق الفوائد المرجوة بعد الاستيقاظ مباشرة مثل مقاومة النعاس، وتنشيط القدرات العقلية، وتحسين الذاكرة . ويؤكد أن الاستغراق في القيلولة يؤدي إلى نتائج عكسية تشعر الإنسان بالخمول والتعب .

مسؤولون وقوانين يدافعون عنها

القيلولة من الموروثات الثقافية لدى كثير من الشعوب وبالذات في البلاد الدافئة، فهي شائعة جدا في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، في دول مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا وتعرف ب السيستا، ففي البرتغال هناك رابطة محبي نوم القيلولة ويتولى وزير العمل بنفسه مسؤولية الدفاع العلني عن القيلولة، بينما في فرنسا يدعو الخبراء إلى قرار مشروع لتخصيص وقت لأي إنسان موظف أو عامل بمدة قيلولة تخصص من أجلها غرف، وفي إيطاليا يدعو كبار السياسيين إلى القيلولة، وتسمى مدينة كتانيا في جزيرة صقلية العاصمة الوطنية للقيلولة . أما في الولايات المتحدة فهناك غرف خاصة للقيلولة أنشأتها بعض المؤسسات والشركات، فضلاً عن مؤسسة النوم الوطنية الأمريكية التي تدعو دوماً إلى مناصرة القيلولة . وفي الصين يوجد اعتراف دستوري بالقيلولة كحق لجميع العمال، وفي الهند يوجد قانون يعاقب من يقطع قيلولة الآخرين، بينما في اليابان هناك حضور طاغٍ للقيلولة، وهناك أسرّة للاسترخاء في معظم الشركات والمصانع بهدف تحقيق زيادة الإنتاجية .