لا تشكّل الكتابة المشتركة في الوطن العربي، وربما، في العالم ظاهرة أدبية لها خصائصها ورموزها من الكتّاب والمبدعين، وإنما تظل مجرد حالات او اجتهادات بعضها يأتي في سياق مزاج اثنين من الكتاب أو أكثر يقترحون كتابة نص مشترك، وغالباً ما يكون هذا النص شعرياً، وهناك من يمزج بين الفن التشكيلي وبين الشعر، ونادراً، بل ربما لم يحدث حتى الآن أن قام اثنان أو أكثر من كتّاب القصة القصيرة بانجاز مادة مشتركة.
ومع أن الكتابة المشتركة هي تعبير عن أرواح أو أمزجة أو اتجاهات فنية مشتركة أيضاً بين الكتاب الذين يتشاركون في مثل هذه الكتابة، إلا أنها، أحياناً، تشذ عن هذه القاعدة، وفي حقل الشعر تحديداً
يمكننا معاينة روح هذا الشاعر وفصلها عن روح ذاك، ذلك أن لكل كاتب لغته الابداعية، ومن السهل تمييز لغة عن لغة وخصوصاً بالنسبة إلى القارىء المحترف. لكن هذا ما يشبه الاحتراف في الكتابة المشتركة إذ يعمد المتشاركون او المتشاركان في كتابة نص واحد إلى تذويب لغاتهم أو لغتيهما في لغة واحدة، ليبدو النص المشترك بالفعل كتلة ابداعية واحدة، وكأن كاتبها واحد.. وجرى ذلك في التجربة الروائية المعروفة المشتركة التي انجزها الراحل عبد الرحمن منيف والراحل جبرا ابراهيم جبرا في رواية عالم بلا خرائط.. هذه الرواية التي بدت خريطة فنية واحدة لشدة ما تميزت به من تماسك على درجة عالية من النسج السردي الواحد الموحد.
نعم.. الكتابة المشتركة هي مشاركة إبداعية تعزز من أخوة أو رفاقية أدبية وربما شخصية بين العناصر التي تقوم بهذا العمل المشترك، ولكنها مع ذلك، وكما أشرنا قبل قليل، ليست ظاهرة أدبية، ولأنها كتابة نادرة وقليلة وبعضها ممتع حقاً، فإنها كتابة شائقة يُقبل عليها القارىء بنوع من الفضول، ليقوم هو بنفسه بفض الاشتباك بين كاتبين أو أكثر، آخذاً بتشريح النص المشترك بطريقته الخاصة في عملية فصل العبارات والجمل بعضها عن بعض، ليصل إلى روح كل كاتب على حدة.. ولكن هذه العملية تحتاج إلى احتراف في القراءة.. وتحتاج إلى قارىء محترف يرصد كل كاتب منفرداً ليستمتع هذا القارىء، بالتالي، بتفكيك النص المشترك وإعادة كل كاتب إلى لغته وأسلوبه.
ومن التجارب الشعرية المشتركة يحضر في البال الآن وبقوة تلك التجربة الشعرية المتمثلة في كتابة قصيدة واحدة طويلة والتي أنجزها ثلاثة شعراء أردنيين هم: يوسف عبدالعزيز، وزهير أبو شايب، وطاهر رياض في وسط الثمانينات من القرن الماضي حيث كانوا يجلسون في فندق الكناري في أحد جبال العاصمة الأردنية عمان، وهناك كتبوا هذه القصيدة الأولى من نوعها آنذاك، وأثارت هذه القصيدة في حينها موجة من الكتابات والتعليقات والتحليلات، واستمرت ردود الفعل هذه في الصحافة الثقافية الأردنية إلى حوالي ثلاثة شهور بلا انقطاع، ذلك أن القصيدة المشتركة عملت ما يشبه الهزة في ذلك الوسط الثقافي الأردني، وحتى الآن بعض الشعراء الأردنيين يتذكر تلك القصيدة في ظل مناخ ثقافي عام يتسم بالجمود.
نذكر أيضاً التجربة الكتابية المشتركة بين قاسم حداد وأمين صالح في البحرين في تجربتهما المدهشة الجواشن، وكذلك كتبت الشاعرة السورية أميرة أبو الحسن مع الشاعرة البحرينية إيمان أسيري مجموعة شعرية مشتركة تحمل روح الأنثى المتآلفة مع عوالمها الداخلية وأشواقها الحرة، وفي الامارات يذكر الوسط الثقافي المحلي تجربة إبداعية مشتركة قام بها الشاعر حبيب الصايغ والشاعرة ظبية خميس، وفي الامارات ايضاً هناك تجربة يمكن تسميتها مشتركة بين الفنانة التشكيلية الاماراتية الدكتورة نجاة مكي والشاعر المغربي حكيم عنكر، لكن لهذه التجربة خصوصية مختلفة، فهنا الشاعر يؤلف نصاً شعرياً على نص تشكيلي، أي أن المقروء يتآلف في هذه الحال مع المبصور وهو هنا اللوحة التشكيلية الى جانب اللوحة الشعرية.
وهناك فنانون تشكيليون عملوا العكس أي انهم حولوا قصائد إلى لوحات تشكيلية، كما جرى أيضاً أن حول شعراء لوحات تشكيلية وخطية وأعمالاً نحتية إلى نصوص شعرية تقارب هذه الأعمال الفنية وتتماهى معها وبها كل بقدر خبرته الفنية وذكائه الفني.
ولكن، هل يمكن اعتبار مثل هذه التجارب المتشاركة او المتداخلة بين الفن التشكيلي والكتابة شعراً أكانت أم نثراً.. هل يمكن اعتبارها مشتركة فعلاً؟.. الأغلب لا، لأن اللوحة التشكيلية في الأساس هي عمل فني منفصل في تكوينه وفي إنشائه عن النص الشعري.. إنما يأتي هذا النص شبه تعليق على اللوحة والعكس صحيح.
في الإجمال، إن الأعمال الفنية المشتركة هي مؤشر إلى أن نوعاً من الفنون هو نتاج فعل جماعي وليس فردياً، كما يكتب الشاعر قصيدة في ذاته وإلى ذاته.
أجل.. فن المسرح، إذا نظرنا إليه على الخشبة وقد تحول من نص الى عرض هو فعل جماعي مشترك عناصره هم الممثلون الذين يتشاركون في التمثيل ويتشاركون في طاعة المخرج، والتقيد بتعليماته وتوجيهاته.
المايسترو أيضاً في العمل الموسيقي هو جماعة متشاركة في صناعة القطعة الموسيقية الواحدة والتي هي الأخرى خريطة فنية تثير الشغف والاعجاب ونحن ننظر في وجوه العازفين المشتركين معاً بأرواحهم وأعصابهم في انجاز هذه الخريطة التي تخلو من اي خطأ أو تلكؤ أو اهتزاز.
على مستوى الفن التشكيلي لا تذكر هناك تجارب مشتركة راسخة بين فنانين أو أكثر يتشاركون في إنجاز لوحة واحدة مع أن انجاز لوحة بريشة فنانين أو أكثر هو أكثر طواعية وأكثر تحققاً، بل ربما أكثر سهولة مما يحدث على صعيد الكتابة المشتركة في الشعر على سبيل المثال، وهناك جداريات كبرى انجزها فنانون معاً وكانت على درجة من التآلف والحميمية الابداعية.
بقي النحت.. هل من الممكن أن يقوم أكثر من نحات بعمل تمثال واحد؟
اعتقد أن مثل هذه الاعمال النحتية التي ينجزها أكثر من فنان إنما كانت في مرحلة سابقة ضاربة في القِدم، وهو ما يمكن أن يُطلق عليه الفن الفطري.
لكن الابداع المشترك أو المنجز الفني المشترك إنما يتمثل أكثر ما يتمثل في الكتابة وحدها.. في الشعر والرواية على وجه التحديد.
أكثر من زاوية عربية
الكتابة بأربع أياد تعبير فرنسي يدل على التأليف المشترك، وهو توجه ابداعي متوافر بكثرة في الثقافة الغربية وبإمكاننا ببساطة أن نلاحظ ازدهاره في السنوات الأخيرة ليس في الغرب وحسب بل في وطننا العربي أيضاً. ولكن هذا الازدهار يتطلب منا أن نوسع مفهوم الابداع فإذا قصرنا فهمنا للكتابة على الشق الابداعي منها الرواية المسرح الشعر.. إلخ ربما واجهنا عسر في البحث أو وجدنا نماذج متفردة في الآداب العالمية تتضاءل من حيث الكم وربما الكيف إذا انتقلنا الى الادب العربي.
إذن نحن أمام حالة اضطرارية تفرض علينا توسيع مفهوم الابداع. ومن هذا الامتداد سنكتشف جماليات خاصة لظاهرة التأليف المشترك. طالما فتنا ونحن نقرأ السيرة النبوية العطرة بعبقرية ابن هشام ونكتشف بعد ذلك أنها رواية مأخوذة عن سيرة ابن اسحاق.. لا نعرف حدود ابن اسحاق أو أبعاد ابن هشام المهم في الأمر أنها كتابة تراثية انتقلت من السيرة النبوية الى حقول اهتمام وبحث عديدة في تراثنا العربي والإسلامي بل يمكننا القول بكثير من الاحتراس أن الكثير من حقول التراث تدخل في التأليف المشترك، ولذا وجدنا ظاهرة العنعنة التي نشأ على ضفافها علم الجرح والتعديل في ما يخص العلوم التراثية المختصة بكل ما هو ديني مقدس يتعلق بالعقيدة او الشريعة. في علوم التصوف كما في علوم أخرى هناك مصطلح إجازة الشيخ للمريد بالرواية عنه.. إنه تأليف ممتد أو تناص لا نهائي يؤمن بمشاعية المعرفة وكأنها ملك لجميع البشر أو ميراث يهبه الاستاذ للتلميذ اللاحق له وكلها مقاربات تمتد بنا من منمنمة التأليف المشترك لتلقي بظلالها الى أفق مستقبلي يتم فيه الحديث عن التناص وحدود الابداع الفردي والملكية الفكرية في ما يشبه مركزة للمعرفة تختص بكل ما هو أناني وخاص.
في العصر الحديث عرف الوطن العربي ظاهرة التأليف المشترك، ويمكننا الوقوف أمام حالات لافتة. يشهد عام 1921 صدور كتاب الديوان في الأدب والنقد لكل من عباس العقاد وإبراهيم عبدالقادر المازني والدكتور عبدالرحمن شكري، الكتاب تأسس على هامش تيار إبداعي سمي بمدرسة الديوان أو جماعة الديوان، وتمرد أعلامها على شعر الإحيائيين وبصفة خاصة شوقي وحافظ، ومع أن التمرد وفق الأصول النظرية في الكتاب هدف إلى ضرورة تجديد مفردات الشعر وموضوعاته بخلاف الانعتاق من عمود الشعر الكلاسيكي فإن ذلك لم يتحقق وظل التجديد محدوداً في المعاني والمفردات.
تمرد آخر شهير قاده محمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس من خلال كتابهما المشترك في الثقافة المصرية الذي صدر عام ،1955 الكتاب حاول أن يربط آنذاك بين الثقافة وبنيتها المجتمعية التحتية، وفي هذا الإطار رفضا كافة أشكال الإبداع المحلقة في السماء بعيداً عن آلام البشر وأوجاعهم، وكانا يحاولان التأسيس للنزعة الاشتراكية في الأدب والنقد، وفي سبيل ذلك حاولا الانعتاق من اسماء ثقافية عربية لامعة في ذلك الوقت كطه حسين والعقاد.
الكتابة المشتركة ليست متمردة فحسب بل تنويرية أيضاً. ففي أربعينات القرن الماضي يشترك أحمد أمين وزكي نجيب محمود في تأليف كتابين طموحين الأول يرصد تاريخ الفلسفة، والثاني قصة الأدب في العالم، طموح التنوير يسعى في هذين النموذجين إلى تعريف القارئ العربي بأبرز المذاهب الفلسفية والتيارات الأدبية في العالم.
يلاحظ أيضاً في الكتابة المشتركة ضآلة الإبداع الثنائي، والنموذج الأبرز في هذا المجال عبدالرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا في روايتهما المشتركة عالم بلا خرائط الواقع العربي بكافة تعقيداته وتشابكاته كامن في هذه الرواية، مدينة عمورية التي تدور فيها الرواية وشخوصها تذكرنا بشرق المتوسط ومدن الملح والسفينة والبحث عن وليد مسعود، تلك الشخصيات المازحة والمحكومة بتجليات المكان وتقلباته وقوانينه، أين يبدأ منيف؟ وأين ينتهي جبرا؟ لا نعلم، التجربة لم تتكرر بأسماء لها ثقلها كمنيف وجبرا ولكنها بالتأكيد كانت لافتة وتستحق الدراسة.
ربما نتوسع كذلك في مفهوم الكتابة المشتركة في الوقت الراهن اعتماداً على تراثنا العربي الذي أشرنا إلى سمات مهمة فيه في السابق، إذا فتشنا في إبداعنا المعاصر بحثاً عن تجارب تتماس مع التراث فسنجد أمامنا عملين يجب الإشارة إليهما، الأول فكري والثاني إبداعي. في كتابه من العقيدة إلى الثورة يجتهد حسن حنفي في تقديم قراءة معاصرة لعلم الكلام الإسلامي، الكتاب يقع في 5 أجزاء تحتوي على 3000 صفحة من القطع المتوسط، متن الكتاب بأكمله مكتوب بلغة بسيطة ترنو إلى النهوض من الكبوة الحضارية التي نعيشها، وفي الهامش الذي يقترب حجمه من المتن ويقع مباشرة في النصف الأسفل من كل صفحة هناك إحالات للمتكلمين المسلمين ومحاورات معهم وكأنه موسوعة أو مشروع فكري كما يسميه صاحبه يحاور مئات المفكرين في تراثنا فهل يمكن أن كما نسميه تأليفاً مشتركاً؟ التجربة الثانية قام بها أدونيس في مؤلفه اللافت الكتاب نجد أنفسنا أمام نصوص إبداعية تحيل أو تتناص مع التراث في الهامش أو جوانب كل صفحة.
مشترك اللاوعي الغربي
عرفت الكتابة المشتركة في العالم الغربي من خلال اسماء أدبية وفكرية باتت في متناول القارئ العربي، ولعل انعاش الذاكرة قليلاً سيضيء على ثنائيات من مثل: الفيلسوفين دولوز وغواتاري اركمان وشاطريان، ماركس وانجلز، بورخيس وبيوي كاساريس، الاخوين كونكور، فلوبير ومكسيم دوكام، ويلي وكوليت، والكساندر ديما وكتاب ظله.
وتتسع دائرة الأسئلة، لسؤال آخر مهم، يتعلق ببنية هذه الكتابة، التي يمارسها اثنان، عبر أكثر من مستوى، أقل ما يمكن وصفه بالمغاير أو المختلف. وفي هذا السياق، نشير الى كتاب نحن شخص آخر: بحث في ثنائيات الكتّاب لمؤلفيه ميشيل لافون وبونوا بيتيرس، الصادر عن دار فلاماريون للنشر في فرنسا.
في قراءة أوردها مركز الأقلام الإلكتروني، لهذا الكتاب جاء أنه يعتبر حدثاً أدبياً بمعنى الكلمة في مجال الدراسات الأدبية، فضلاً عن كونه نصاً ممتعاً وسهل القراءة بالنسبة لغير المختصين.
جاء في مفتتح الكتاب على لسان مؤلفيه هناك محرّم غريب يعبر تاريخ الأدب هو الكتابة المشتركة، ومع أن المدارس الأدبية ومجموعات الكتّاب، وعمليات التأثر والتأثير، والتيارات الأدبية شغلت الأكاديميين والنقاد وكتاب السير والتراجم، فإن الفكرة السائدة لدى هؤلاء، هي أن العمل الأدبي والفكري لا يمكن أن يصدر إلا عن شخص واحد، ما يعني أن المؤلف الواحد ما زال يشكل معتقداً ثابتاً، وأن الكتّاب بالاشتراك ما زالوا محل تجاهل واحتقار.
والكتاب فتح مجالاً خصباً للتحقيق والبحث والمقارنة، ذلك أن ثمة ذهنية كانت ترى أن مثل هذه الكتابة المشتركة ليست إلا مجرد تمارين في الأسلوب أو التعبير، وإنما كتبت لأسباب نفعية ليس إلا، كما نظر الى هذا النوع بأنه لا يليق إلا للكتابة الأدبية المقننة النسقية، مثل الرواية التاريخية والرواية البوليسية، التي لا تفسح للإبداع الحقيقي سوى مجالات محددة من الحركة والفاعلية.
وهناك جانب آخر يتعلق بعملية نشر مثل هذه الكتب، التي يبدو أنها تسهم في الحط من شأنها، حين يتم التغاضي عن وضع اسم أحد الكاتبين على غلاف الكتاب لكونه أقل شهرة من زميله، كما هو الحال بالنسبة لروايات الكساندر ديما التاريخية، أو عندما يتم التدخل لشطب أجزاء من الكتاب أو حذف مساهمة أحد الكاتبين، فعلى سبيل المثال، تم إصدار كتاب عبر الحقول وخلال السواحل الرملية الذي ألفه فلوبير ومكسيم دوما، مبتوراً بحيث لم يتضمن إلا الفصول التي كتبها فلوبير.
وفي سياق رصد عدد آخر من الكتابات المشتركة، يأتي الكتاب على ذكر نموذج بورخيس وبيوي كاساريس، الذي اعتبره استثناء ملحوظاً، وذلك لأن أحدهما كان صغير السن بالغ الثراء، والآخر أكبر سناً وأكثر لباقة وتأدباً من أن يترك نفسه نهباً لخصومات غير مجدية.
أيضاً ظلت صداقة ماركس وانجلز خالية من الشوائب، رغم أن دور انجلز كان دور وصي أكثر منه دور متعاون. وهذا الثنائي كتب عملاً، برهن على وجود تكامل غريب، ففيما كان انجلز ينتمي الى طبقة موسرة، وملماً بواقع الطبقة البروليتارية، كان ماركس فقيراً، ويعيش في عالم النظرية، والكتب بعيداً عن صخب التحركات الاجتماعية.
وما يمكن الإشارة إليه، هو ضياع السيرة الشخصية لكاتب هذا النوع من الكتابة، أو على الأصح، تصبح سيرة أحد طرفي الكتاب مندغمة في الآخر، بل انها تزداد غنى إثر تداخلها مع سيرة المؤلف الثاني.
وهناك ظاهرة عدم الالتفات أصلاً إلى موضوع السيرة الشخصية للكاتب، ذلك أن القارئ يكون مشغولاً بالكتابة نفسها وآلية الإبداع وطريقة توزيع العمل بين المؤلفين، وهنا يتيح مثل هذا النوع من الكتابة إمكانية التلصص على مختبر حقيقي يتم فيه كشف ما يتم إخفاؤه عادة في الكتابة الفردية، كما تتيح إمكانية استيعاب مفهوم القارئ في منظومتها، ذلك أن الغاية من تشارك كاتبين ليس فقط إنجاز نص مشترك، وإنما القيام بقراءة ثنائية، فكلاهما يكتب للآخر، ويقرأ له في الوقت نفسه.
جواشن قاسم حداد وأمين صالح
إن تجربة الجواشن، الكتاب المشترك بين الشاعر قاسم حداد والقاص أمين صالح، ما زال يشكل تجربة فريدة في الثقافة العربية على الرغم من مرور هذه الأعوام كلها على صدوره في طبعته الأولى عام 1989 عن دار توبقال في المغرب، ربما لأنها كانت مفاجئة ومباغتة وربما لأنها لا تزال حارّة بتلك الشعرية المتدفقة في الكتاب بأكمله هو الذي يقف على حواف الأنواع الأدبية كلها، حيث تقصّد المبدعان كتابته نثراً، لكن يمكن للقارئ بسهولة أن يستدل إلى تلك الالتماعات الشعرية حيث يستنفد الشعر طاقة السرد على أن يكون شعراً مثلما يستنفد السردُ الشعر بكل ما فيه من قوة مخيلة ومقدرة على التلاعب الخطر في تشكيل الصور الشعرية اتكاء على جملة بنى تركيبية ونحوية كانت نادرة آنذاك لجهة استخدامها في قصيدة، بحيث إن النثر كخيار بوصفه ذريعة للشعر كان مدروساً تماماً من قبل المبدعين حداد وصالح.
في الوقت ذاته ما من جدوى، على الأرجح، في بذل أي محاولة للعثور على المعنى المباشر والمحدد والواضح في هذا الكتاب، بل إن المعنى يفتح باب التأويل على غاربه، بحيث يعطي مزاج فعل القراءة وظرفه أن يؤثرا في تلقيه إيجابا أو سلبا، وهذه مغامرة بالفعل أو أنها جرأة قلب:
لوقع أبصارهم رهبة الغابة وغرور الدخان ما من موجة إلا وهيأوا لراحتها رمل الاقاصي وغرف الرحيل ما من سفر إلا وانتظر إيابهم الهادئ يهيمون مثل ماء مأخوذ بالجنون كلما انتبذوا سهرة وانتخبوا الأقداح.
فزعت الأقاليم تحت غفلة أنثاهم الفاتنة ينكسون أدواتهم المتعبة عند سفح الغيم
يؤثثون الظل بأسمال ورثوها من سماء قديمة
وينشدون في رفقة مزاميرهم المائية.
يبدو، في آخر الأمر، أن المخاطَب هنا هو العالم، حيث الغموض هو بلاغة المعنى ذاتها:
كان ذلك في آخر الصيف، عند تقاطعات القرى، حين كانت الأجراس الكبيرة تطارد الصواعق الضالة:
الحدّادون في الإسطبل يطرقون حدوات أحصنة وهمية لن تحضر أبداً.. إنها تترقرق في صدر غيمة غاربة.
القرويون يرقّعون الطريق العام بالأوجار لكبح اندفاعة شاحنات النفط.
النساء الملونات يتمرّغن لاهيات في كثبان الذرة بينما الأرغفة الموشاة بالسمسم تمتقع داخل الأفران الطينية.
الباعة العابسون يلملمون منسوجاتهم ومستحضراتهم التي لا يشتريها أحد ليمضوا بعد ذلك صوب عشائر البدو الذين يقايضونه بجلود ماعز وقارئات كفّ منبوذات.
علماء الآثار ينتشلون بالشباك المعدنية مدينة غائصة في الرمال المتحركة مزدحمة بالقباب المسوّسة.
وربما أن ارتقاء نص الجواشن كله عن الاعتياد الراسخ في التلقي والقراءة، عربيا، ليس بسبب الشعر العالي فيه بل أيضا بسبب تدخل الثقافة الشخصية لقاسم حداد وأمين صالح ثم ذلك الانفتاح، الذي ربما يكون انفتاحاً شعريا، على التجربة الذاتية، فهي تجربة مرئية من عين المخيلة بوصفها ماضياً، فتصير مجرد اقتطاعات تشي وتلمح من دون أن تشير.
شعرنة تشكيل نجاة مكي
في نصوص حكيم عنكر الشعرية القائمة على الاستلهام والحوارية مع لوحات الفنانة التشكيلية الدكتورة نجاة مكي في كتاب مدارج الدائرة المشترك بينهما، يبتعد عنكر عن تفاصيل اللوحات محاولا في ذلك إقامة جسر بين مطلقين، مطلق اللوحة ومطلق النص الشعري، وهو ما يختلف عن الكتابتين الشعرية والروائية المشتركة، حيث يصبح فضاء اللون والفكرة هما الشرارة التي ينطلق منها القول وينطق عنها في الوقت نفسه، الأمر الذي يؤكده النص الأول في الكتاب
طيور صوفية بيضاء
من شيراز
تكلم حديقة
في رأس الجبل.
وإذا ما نظرنا إلى اللوحة المقابلة للنص سنجد دائرة كبيرة وسط اللوحة مع تجريدات للدائرة نفسها على مستويي الشكل واللون، وهو ما يوحي في أصل الفلسفات الشرقية عموما إلى الذات في علاقتها مع المطلق، وقد رأى عنكر في حواريته مع اللوحة أن يتخذ من الطير صلة الوصل بين العلوي والأرضي، مع إبقائه الحديقة قائمة في رأس الجبل، وكأن في ذلك تنزيهاً لعلاقة الطير مع الحديقة، وهو ما يكسب النص خاصيته في التوحد مع اللوحة انطلاقا من فكرة الدائرة.
في تتمة النص نفسه يقول عنكر:
طيور
يبرق من
عينيها
الذهب
حكمتها معلقة
في جناح
وفلسفتها
من حركة الريح.
واللافت أن عنكر لم يقل إن فلسفتها معلقة في الجناح الآخر، مع أن حركة الريح في الحقيقة تتخذ دور البديل للجناح الآخر، وهنا يلزمنا العودة مرة أخرى إلى اللوحة، ففي خارج الدائرة تكوينات أقرب إلى المربع، وهو ما يعرف بربيع الدائرة في إشارة إلى تحويل المطلق إلى نسبي، وكأن عنكر يستلهم من تلك المربعات ضرورة لبناء علاقة بين الثابت والمتحول، بين كلية الدائرة المطلقة كقدر أو كشكل من أشكال الحكمة، وبين المتغير المتعين في النص بحركة الريح.
تتخذ الدوائر لدى الدكتورة مكي إشارات ورموزاً مختلفة، وذلك في محاولة لاستقصاء فضاءات الدائرة نفسها، ليس من قبيل تقديم منجز بصري جاهز وقابل للتأويل، وإنما محاولة لطرح أسئلة ذاتية ووجودية وفكرية من خلال الدائرة، وهو ما يعطي فكرة الدائرة إلى حد كبير بعدين، أحدهما إبداعي والآخر وظيفي، فنجد المرأة ممثلة عبر أكثر من صياغة تشكيلية داخل دوائرها، وهي لا تتخذ بعداً واحداً، وإنما تصبح دائرة داخل الدائرة كتشبيه مستعار من المسرح، فالمرأة تبدو في بعض الأحيان محكومة داخل الدائرة حيث يصبح اللون الأزرق على سبيل المثال حلماً تعويضياً عن حرية مفقودة، وسماء للتأمل بما حولها وما في داخلها، وبحراً تستغرق فيه بخيالاتها اللامحدودة. وفي نص مقارب لعنكر لهذه الدلالات والرموز يقول:
رأيت
باطن عشقي
وقلبي
ناضج مثل
ليمون الفصول
فقلتُ:
وإني لمحب ذليل.
وفي نص آخر يذهب عنكر إلى محاورة اللوحة بنص ينتمي إلى قصيدة النثر الذهنية- إذا جاز التعبير- مبتعدا عن جماليات الصورة في النص النثري لمصلحة التعبير الفكري الذي يراه لا يقل أهمية في البحث داخل مشتركات المعاني لفكرة الدائرة فيقول:
والدائرة
لا باب
لها
كيف تدخل
منها
وكيف يكون
الخروج.
تجربة فريدة
تجربة الجواشن، الكتاب المشترك بين الشاعر قاسم حداد والقاص أمين صالح، ما زال يشكل تجربة فريدة في الثقافة العربية على الرغم من مرور هذه الأعوام كلها على صدوره في طبعته الأولى عام 1989 عن دار توبقال في المغرب، ربما لأنها كانت مفاجئة ومباغتة وربما لأنها لا تزال حارّة بتلك الشعرية المتدفقة في الكتاب بأكمله هو الذي يقف على حواف الأنواع الأدبية كلها، حيث تقصّد المبدعان كتابته نثراً، لكن يمكن للقارئ بسهولة أن يستدل إلى تلك الالتماعات الشعرية حيث يستنفد الشعر طاقة السرد على أن يكون شعراً مثلما يستنفد السردُ الشعر بكل ما فيه من قوة مخيلة ومقدرة على التلاعب الخطر في تشكيل الصور الشعرية.
انعتاق
في العصر الحديث عرف الوطن العربي ظاهرة التأليف المشترك، ويمكننا الوقوف أمام حالات لافتة. يشهد عام 1921 صدور كتاب الديوان في الأدب والنقد لكل من عباس العقاد وإبراهيم عبدالقادر المازني والدكتور عبدالرحمن شكري، الكتاب تأسس على هامش تيار إبداعي سمي بمدرسة الديوان أو جماعة الديوان، وتمرد أعلامها على شعر الإحيائيين وبصفة خاصة شوقي وحافظ، ومع أن التمرد وفق الأصول النظرية في الكتاب هدف إلى ضرورة تجديد مفردات الشعر وموضوعاته بخلاف الانعتاق من عمود الشعر الكلاسيكي فإن ذلك لم يتحقق وظل التجديد محدوداً في المعاني والمفردات.
هزة
من التجارب الشعرية المشتركة يحضر في البال الآن وبقوة تلك التجربة الشعرية المتمثلة في كتابة قصيدة واحدة طويلة والتي أنجزها ثلاثة شعراء أردنيين هم: يوسف عبدالعزيز، وزهير أبو شايب، وطاهر رياض في وسط الثمانينات من القرن الماضي حيث كانوا يجلسون في فندق الكناري في أحد جبال العاصمة الأردنية عمان، وهناك كتبوا هذه القصيدة الأولى من نوعها آنذاك، وأثارت هذه القصيدة في حينها موجة من الكتابات والتعليقات والتحليلات، واستمرت ردود الفعل هذه في الصحافة الثقافية الأردنية إلى حوالي ثلاثة شهور بلا انقطاع، ذلك أن القصيدة المشتركة عملت ما يشبه الهزة في ذلك الوسط الثقافي الأردني، وحتى الآن بعض الشعراء الأردنيين يتذكر تلك القصيدة في ظل مناخ ثقافي عام يتسم بالجمود.