على مر السنين والعصور، تغنى الشعراء بالعيون الساحرة، واعتبروها مصدراً للإلهام، ورمزاً للجمال، وأبدعوا في وصف شكلها ورموشها وبريقها، إلا أن هذا السحر لا يكتمل من دون شيء أساسي للغاية هو "الإثمد" أو الكحل فربما تستغني المرأة عن كل أدوات تجميلها وتزيينها الخاصة سواء أحمر شفاه، كريم أساس، وأي نوع آخر من عناصر التجميل إلا أن الشيء الوحيد الذي لا يمكنها الاستغناء عنه قلم الكحل الأسود، الذي لم تكسره أحدث الصيحات في عالم الموضة والجمال خصوصاً الأقلام الملونة، والتي اعتبرها الكثير مجرد صيحات وموضة عابرة ظهرت وانتهت .
يرجع استخدام الكحل لمئات السنين، حيث تبيّن دخوله في معظم الوصفات الخاصة بالعيون في عهد الفراعنة، ويظهر ذلك بشكل كبير في الصور والرسوم الموجودة على المعابد المصرية في مختلف مدنها، بجانب أن الرجال أيضاً في تلك العصور كانوا يتجملون به، وعلى الرغم من وجود الكثير ممن لا يعترفون به للرجال إلا أن البعض يستخدمه حيث المتعارف أنه سنة نبوية عن الرسول الكريم .
جاء على لسان أحد العلماء الفرنسيين الذين قاموا بتحليل بعض آثار مساحيق الزينة التي وجدت في حالة جيدة في أكثر من 40 وعاءً بها مساحيق زينة في مقابر الفراعنة أن الكحل الفرعوني لم يكن للجمال فقط بل امتد للعلاج أيضاً، وأكدت بعض التحاليل أيضاً أنه يحتوي على تركيبة خاصة بهم عبارة عن خليط من خلايا ملونة مع أنسجة من دهن الحيوانات إضافة إلى شمع العسل أو الصمغ، وكانوا يستخدمون الرصاص والفوسفات وعناصر أخرى طبيعية في صناعته .
كان الكحل الفرعوني يعمل بصفة خاصة للوقاية من الأمراض التي تصيب العين أثناء موسم الفيضان، وأصبح شائعاً لدى الأغنياء والفقراء استخدامه في موسم الفيضان إلى نهايته .
ألوان الكحل التي تواجدت في عصر الفراعنة (الأسود) وكان الطاغي على الرجال والنساء بجانب اللون الأخضر والذي قيل من بعض تفسيرات اللغة الهيروغليفية القديمة إنه يدل على حورس والأسود يدل على القوة والسلطة .
من فوائد الكحل أن فيه حفظاً لصحة العين، وتقوية لبصيلات الأهداب فيحفظ الرموش فتطول أكثر، وبذلك تزداد قدرتها في حفظ العين من أشعة الشمس، والغبار والأوساخ، فتزيد الرؤية وضوحاً وجلاء، أكثر منها في استعمال الأكحال الخالية من الإثمد، ويوصف أيضاً أنه معدن هش سريع التفتت، لامع ذو تركيب رقائقي بلون أبيض فضي، وفي المغرب، حيث توجد أنواع جيدة من حجر الإثمد، وهناك طريقة تقليدية يحضر بها الكحل في مصر، فقد جرت العادة أن تقوم بهذه المهمة سيدة كبيرة في السن، ذات سمعة طيبة بين الناس، متدينة، وملتزمة بشروط الطهارة والوضوء أثناء تحضيره .
والطريقة تتمثل في وضعه في مقلاة، وتضاف إليه نواة زيتون، وتمر، وحبة قرنفل، وحبة فلفل أسود، تضاف إلى هذه العناصر قطرات من زيت الزيتون، ثم تقلب كل المقادير على نار هادئة لمدة قصيرة، بعدها يتم سحقها بوساطة المدق، يؤخذ المسحوق ويغربل بوساطة قطعة قماش بيضاء مثل الشاش، للحصول على مسحوق ناعم، يوضع في مكحلة، وتكحل به العين بوساطة عود من الخشب يسمى المرود بالمغربي، ومن الضروري حفظه في مكحلة خشبية، أو قارورة من الزجاج محكمة الإغلاق لكي يحافظ على جودته لمدة تتراوح ما بين أربعة إلى خمسة أشهر .
هناك نوعان الأول الطبيعي، يصنع من أصل الكحل وهو حجر الإثمد والذي تتم معالجته بثلاث طرق، الأولى وأقدمهم يوضع حجر الإثمد على الجمر حتى ينفجر ويتناثر منه الحصى الناعم ثم ينقع في خليط من الماء والقهوة العربية لأيام عدة ثم يطحن في الهون حتى تتفكك حباته ويتحول إلى مسحوق ثم ينخل في قماش ناعم وبعد ذلك يعبأ في المكاحل ويكون جاهزاً للاستعمال .
الطريقة الثانية: يمر بنفس المراحل السابقة إلا أنه ينقع في مزيج من الماء وورق الحناء بدلاً من الماء والقهوة .
أما الثالثة والأخيرة فتتم بوضع حجر الإثمد في خليط يطلق عليه "النجعة" وهو عبارة عن ماء ورد، زعفران، ماء ورد ويترك لمدة ثلاثة أشهر حتى يلين الحجر، ثم ينتشل من هذا الخليط، ويدق حتى يصبح ناعماً، وينخل كي يتخلص من الشوائب ويكرر ذلك أكثر من مرة حتى يصبح نقياً صالحاً للاستعمال .
أما الكحل الصناعي فظهر منه العديد من الأنواع منها الملون، "الماسكارا"، وأثبتت فشلها بل وأصابت البعض بتشوهات وضعف بالنظر والرؤية بشكل عام لما تحمله من عناصر مضرة بالعين .
أجريت بعض الدراسات الطبية في منطقة الخليج بشكل عام، وحذرت من خطر الكحل الصناعي على العين، وتأثيره الضار في البصر، لاحتوائه على نسبة عالية من الرصاص تتراوح ما بين 85 و100 في كل غرام من الكحل، خصوصاً النوع الذي يباع في الأسواق الشعبية ولدى العطارين، وتبين أيضاً أن استعماله من جانب الحوامل يتسبب في وفيات الأطفال الذين يتعرضون بدورهم للتسمم بالرصاص، لذلك وفي حالة تعذر التأكد من أن الكحل المستعمل طبيعي وغير مغشوش، ينصح باستخدام أقلام الكحل التي تباع في الصيدليات، لأنها تحتوي على مادتي الكربون والحديد، اللتين لا تؤثران في العين، ومن أجود أنواع الكحل الطبيعي الإثمد، وهناك ما يطلق عليه اسم الكحل البلدي وهو الكحل المصنوع من "اللبان الذكر" وهو من أفضل الوسائل الطبيعية لتجميل العينين والرموش أو المصنوع من "نواة التمر"، ويقوي رموش العينين .
دراسة سعودية أخرى حذرت من أن الكحل الصناعي يضر بعيون النساء ويؤذي البصر وخصوصاً تلك الأنواع الشائعة في المنطقة العربية والخليجية، لاحتوائها على نسبة كبيرة من الرصاص، حيث وجد الأطباء في مستشفى الملك فيصل التخصصي بعد تحليل عينات عشوائية من الكحل، الذي يباع لدى العطارين، والمتوافر في الأسواق والأنواع الهندية على الأخص أن نسبة الرصاص فيها تتراوح بين 85% إلى 100% في كل غرام من الكحل .
بعد أن عرضنا كافة الأشياء عن الكحل ومراحل تطوره وصناعته وبعض الدراسات وأنواعه، تبقى لنا معرفة آراء المتخصصين، وخبراء التجميل في هذا الموضوع ومدى رضاهم عن الموجود بالأسواق، ولماذا يعتبر سر الجمال للمرأة الخليجية، وهل حصرياً فقط للمرأة العربية، وكثرة الأقاويل المحاطة به، ورأيهم في مختلف الأنواع المستحدثة منه هذه الأيام .
تقول خبيرة التجميل رابعة يوسف القصير: "أود التأكيد على أن السبق يرجع للفراعنة في اختراع الكحل، ولا يوجد أفضل من هذا العربي الأصيل الذي نستخدمه مع الأطفال منذ ولادتهم، حيث يعتبر من الطقوس والعادات التي تربينا عليها، فالكحل الطبيعي مفيد للعين، بجانب إبرازه لجمال عيون المرأة العربية عامة والخليجية خاصة، ويميزها عن بقية نساء العالم خصوصاً الغرب، فيكبر من حجم العين ويزيد من جمالها، إضافة إلى هذا يغطي بعض العيوب في عيون المرأة .
عن الأنواع الموجودة بالأسواق تضيف: "الكثير من تلك الأنواع بإمكانه عمل تشوهات حول العين خصوصاً المغشوش سواءاً كان طبيعياً أو صناعياً، لكن الصناعي الذي يرجع للماركات العالمية لا بأس من استخدامه رغم أنه لا يضاهي العربي، ولا يحبذ الإفراط فيه، وهناك طرق لمعرفة الكحل الأصلي من المغشوش يجب على الجميع معرفتها خصوصاً ذلك المّستخدم فيها المغناطيس فهناك مواد إذ انجذبت له توضح إذا كان أصلياً من عدمه .
ورفضت القصير ما يقال إن الكحل للنساء فقط، وأكدت أنه سُنة في الأساس للرسول، وما زال يستخدمه الكثير من الرجال البدو ويواظبون على وضعه، لكن وسائل الإعلام العربية أساءت سمعة الرجال واضعيه رغم معرفتهم بفوائده الكثيرة للعيون .
وتقول فريدة بن لطيف خبيرة التجميل: "من واقع دراستي وأحد الأبحاث التي قمت بها فمواد التجميل بشكل عام مرتبطة بالهنود حيث كانوا يميزون بعضهم بعضاً بألوانها ورسومها على الوجه والأنف بجانب أن كل قبيلة كان لها ما يميزها وكان الكحل موجوداً لكنه لم يكن ذلك العربي الأصيل الذي كان للفراعنة السبق في استعماله، وهذا ما تظهره الصور والتماثيل على وجه الملكة كليوباترا التي كانت تضعه بغزارة .
وعن فكرة ارتباطه بدول الخليج تضيف فريدة: "عيون الخليجيات كبيرة ويحتجن إلى تصغيرها بعض الشيء وبالتالي يكنّ أكثر جاذبية ويظهر اللون الأبيض للعين بشكل كبير إلى جانب النضارة واللمعان وهو بالفعل أكثر ما يميز المرأة الخليجية على وجه التحديد أكثر من العربية عن بقية دول العالم .
وأرى أنه لا يوجد أي أضرار تذكر للكحل خصوصاً العربي الأصيل بل على العكس مفيد للعين ويستخدمه الكثير من الأشخاص في علاج حساسية العيون، وأسعاره في المتناول، لكن هناك من يقومون بتقليده ويصبح في ذلك الوقت مغشوشاً وبإمكانه التأثير سلباً في العين .
وتضيف بن لطيف: "بالنسبة للماركات العالمية" ف95% منها مضمون خصوصاً وأن الشركات العالمية تضيف له بعض الروائح، أو عن طريق إنتاجه على شكل أقلام وريش لتسهيل طريقة الرسم، بجانب إضافة بعض المواد الأخرى لزيادة عمره خصوصاً أن الكحل بشكل عام صلاحيته عام ونصف العام أو عامين على الأكثر .
تنهي فريدة قائلة: "نعيش بأيام من الصعب أن تجد رجلاً يضع الكحل مثل السابق خصوصاً أن البعض ينظر له نظرات مختلفة، ويستخدمه الرجال والنساء في المناسبات .
خولة الشحي: "الإثمد" هو العربي الأصلي
عن رأيها تقول خولة الشحي خبيرة التجميل: "الكحل العربي الأصلي هو "الإثمد" والذي تواجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فنحن لم نكن على تواصل مع الفراعنة أو الهنود كي نعلم تاريخه بالشكل الصحيح، ولكنه تطور بمرور الزمن . وتكمل الشحي موضحة: الكحل "الإثمد" الذي يأخذ اللون الرمادي الغامق هو الأفضل على الإطلاق، أما الأنواع والألوان المختلفة الأخرى حتى الأسود فجميعها مضرة، خصوصاً لو زادت كمية الرصاص فيه .
وتضيف: "كنا نستخدم قديماً الكحل الهندي، وهو معجون رفيع ويسهل من عملية رسم العين ولا يمكننا التمييز بين المغشوش والأصلي إلا إذا قمنا بعمل رصد للأسماء ومعرفة الجيد من السيئ عن طريق تجارب الآخرين، غير هذا لا يمكننا معرفة أي شيء، ولا بد أن يكون لدى السيدات وعي أكثر عند الشراء حتى لا يضرهن ويقعن في فخ المغشوش، عن طريق سؤال البائع عن كل شيء خصوصاً نسبة الرصاص .
وتضيف: "الرجال والشباب لا يضعون الكحل العادي لكنهم يضعون فقط "الإثمد" فجميع الأشكال الأخرى المستحدثة منه لا تصلح للشباب أو الرجال وينعتون في مجتمعنا بصفات غير رجولية حيث يفقد الشاب رجولته بمجرد وضع أي نوع آخر، وعليهم استخدام الإثمد لكونه مفيداً للعين ويعطيها جمالاً ويستخدمه حتى الآن بعض الشباب والرجال في مجتمعنا العربي .