ورد اسم الله الكريم في القرآن في قوله عز وجل: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) (الانفطار: 6)، واقترن اسمه الكريم باسمه الغني في قوله تعالى: (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم) (النمل: 40).
وورد اسم الله الكريم كذلك في السنة النبوية كما في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي في سننه وصححه الألباني من حديث علي رضي الله عنه أنه قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر الله لك، وإن كنت مغفورا لك، قال: قل لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله، سبحان الله رب العرش العظيم)، وكذلك ورد اسم الله الكريم في الحديث الذي رواه أبو داود عن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا)، وإلى جانب اسمه الكريم سمى الله نفسه في كتابه العزيز: الأكرم، في قوله عز وجل: (اقرأ وربك الأكرم) (العلق: 3).
الكريم والسخي
الكرم نقيض اللؤم، والكريم هو الشيء الحسن النفيس الواسع السخي، والفرق بين الكريم والسخي، أن الكريم هو كثير الإحسان بدون طلب، والسخي هو المعطي عند السؤال، والكرم هو السعة والعظمة والشرف والعزة والسخاء عند العطاء، والله سبحانه وتعالى هو الكريم، له المجد والعزة والرفعة والعظمة والعلو والكمال فلا سَميّ له كما قال: (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا) (مريم: 65).
وهو سبحانه الذي وصف العرش بالعرش الكريم فقال: (فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم) (المؤمنون: 116)، وهو سبحانه الكريم، الذي كرم الإنسان لما حمل الأمانة، وشرفه واستخلفه في أرضه، واستأمنه في ملكه، وفضله على كثير من خلقه كما قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) (الإسراء: 70).
وهو الكريم الذي بشر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع، ووعدهم بالمغفرة الواسعة، وضمن لهم الرزق الواسع، قال تعالى: (أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم) (الأنفال: 4)، وقال تعالى: (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم) (الأنفال: 74).
ومن كرمه جل وعلا أنه يجازي الحسنة بعشرة أمثالها، ولا يجازي السيئة إلا بمثلها، يقول الغني الكريم: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون) (الأنعام: 160).
وانظر إلى ما يبلغه كرم الكريم في قوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) (البقرة: 261)، وباب كرمه عز وجل مفتوح، ومع الإخلاص لله سبحانه تضاعف الأجور أضعافا كثيرة: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما) (النساء: 40)، وقد تصل الزيادة، إلى أن يوفى العباد أجورهم بغير حساب: (قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).
وهو سبحانه الكريم الذي وعد التائبين العائدين إليه بما لا يخطر لهم على بال، أنه يبدل سيئاتهم حسنات: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما) (الفرقان: 70).
في السنة النبوية
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأخبار عن كرم الله تعالى وعفوه ما هو أبلغ تعبيرا عن اسم الله الكريم، ومن ذلك ما جاء في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا الجنة، رجل يخرج من النار حبوا، فيقول الله تبارك وتعالى له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله تبارك وتعالى له: اذهب فادخل الجنة، قال: فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك عشرة أمثال الدنيا، قال: فيقول أتسخر بي، أو أتضحك بي، وأنت الملك، قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه، قال: فكان يقال ذاك أدنى أهل الجنة منزلة).
وكان صلى الله عليه وسلم يدعو الله باسمه الكريم ومن ذلك ما ورد عن الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها في الدعاء الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ليلة القدر: (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني).
والمؤمن ليس بلئيم ولا هو بمخادع، بل هو كوصف النبي صلى الله عليه وسلم كريم كما ورد في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم)، والخب هو المخادع الذي يسعى بالفساد بين الناس، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (لست بالخب ولكن الخب لا يخدعني).
نعم لا تحصى
والأكرم سبحانه هو الذي لا يوازي كرمه كرم، ولا كرم يسمو إلى كرمه، ولا يعادله في كرمه نظير، وهو الذي يصفح عن الذنوب، وهو الذي يعطي فلا يمن، وهو الذي تعددت نعمه على عباده وكثرت حتى إنها لا تحصى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم) (النحل: 18)، وهذا كمال وجمال في الكرم.
وهو سبحانه أكرم الأكرمين، له العلو المطلق على خلقه، في عظمة الوصف وحسنه، له علو الشأن في كرمه، يعطي ما يشاء لمن يشاء كيف يشاء، بسؤال وغير سؤال، ولا عطاء يوازي عطاء الكريم الأكرم، يعطي من غير منّة، ولا يحوج إلى وسيلة، إذا أتاه عباده بالطاعات اليسيرة قابلهم بالثواب الجزيل: (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين) (آل عمران: 136)، ويجزي على طاعته الجزاء الأوفى، في جنات الخلد: (تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) (النساء: 13).
هو جل شأنه الكريم المنعم بإكرام، ولا إنعام يرقى إلى إنعامه، يبتدئ بالنعمة من غير استحقاق، فما أكرمه، وما أرحمه، وما أعظمه إذا أعطى أجزل، وإذا عصي أجمل، ويقول: (عبدي لي عليك فريضة ولك عليّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك)، دائم المعروف كثير النوال، ذو الطول والإنعام يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء.
وهو جل شأنه الحيي الكريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما خائبتين، وهو الكريم حتى مع العاصين، فيعفو عن الذنوب، ويستر العيوب، ويجازي العائدين إلى رحابه بفضله، ويمهل المعرضين عن شرعه، ويحاسبهم بعدله.
الأعز الأكرم
هو الله الكريم، وهو ربنا الأكرم، وأمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بأن نتخلق ونتعبد الله باسمه الكريم، وأن نصل من قطعنا، وأن نعفو عمن ظلمنا، وأن نعطي من حرمنا، وأمرنا صلى الله عليه وسلم بأن نكرم الكريم فيما رواه البيهقي وحسنه الشيخ الألباني من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه).
وقد ورد الدعاء باسمه الأكرم عند البيهقي في أصح الروايات عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يدعو في السعي: (اللهم اغفر وارحم وأنت الأعز الأكرم)، وفي رواية: (اللهم اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).
والمؤمن الذي يوحد الله الكريم الأكرم يدرك أن الإكرام الحقيقي هو إكرام الله للعبد بالتوفيق للطاعة واليقين والإيمان يقول تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (الحجرات: 13)، ويقول جل وعلا: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون) (الأعراف: 26).
ويعلم المؤمن أن الإكرام بالنعمة إنما هو ابتلاء يستوجب الشكر والطاعة، وليس كما يظن البعض أنه دليل رضا ومحبة، كما جاء في قوله تعالى: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن).
والمؤمن يتعبد الله باسميه الكريم والأكرم بالإنفاق من مال الله في سبيل الله، يفعل ذلك وهو موقن أن الكريم هو الله، وأن التوفيق إلى الفضل بيده، وليس بيد أحد سواه، فهو ينفق ابتغاء وجهه، ولا يخشى على نفسه الفقر وهو يركن إلى الكريم، ويرجو الأجر الكريم الذي وعده به ربه الأكرم في قوله تعالى: (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم) (الحديد: 18).