ديننا دين النظافة والطهارة، يأمرنا بأن ننظف بيوتنا وملابسنا وأوعيتنا دائماً، بل وننظف قلوبنا أيضاً من الأحقاد والأضغان.
مثل هذا الدين لا يمكن أن يمنعنا في ساعة من الليل أو النهار من الكنس الذي هو تنظيف البيت من الأوساخ والقاذورات والمخلفات وغيرها التي قد تحملها إلينا الرياح التي تهب ليلاً ونهاراً.
فالوسخ الذي يتراكم في المنزل، قد يكون بفعل آدمي نتيجة قيامه بعمل ما، وقد يكون بفعل الطبيعة كما قلنا، فالمهم أنه في حاجة في النهاية الى من يزيله بالحمل أو بالغسل أو بالكنس.
لكن هناك اعتقاد لدى النساء خاصة في كل البلدان، بأن الكنس ليلا غير مستحب، وأنه يمنع الرزق وأنه يخرج الملائكة من المنزل.
نعم.. سمعت مثل هذا في بلدي دولة الإمارات، وقرأت في الكتب المصرية أن من أبرز المعتقدات في مصر أن الكنس ليلاً أو إلقاء مياه ساخنة في البالوعات يزعج الجان، وكذلك اللعب بالمقص فأل سيئ عندهم، لأنه يجلب الخناقات الزوجية.
وبالمناسبة فإن الدراسة التي أعدها المركز القومي المصري للبحوث الاجتماعية والجنائية في أواخر عام 2003 أثبتت أن نسبة المؤمنين بقدرة المشعوذين وشيوع المعتقدات الخرافية بين المصريين 70%.
وجاء في الدراسة نفسها أن الذين يؤمنون بالخرافات منهم المتعلمون والمثقفون، حتى ان هناك دجالاً لكل 220 مصرياً، وهناك قرابة 300 ألف شخص يعملون في مجال الدجل والشعوذة، وهناك أكثر من 272 خرافة في مصر.
ومن تلك الموروثات الخرافية الاعتقاد بأن الكنس ليلا يورث الفقر ويمنع الرزق، وانك لو بحثت عن اصل لهذه الخرافة، لما وجدت لها أصلاً، لأن الخرافة أكذوبة.
وفي اعتقادي أن الذي اختلق أكذوبة منع الكنس ليلاً، أراد بذلك أن يحمل النساء على إنهاء اعمالهن البيتية أولاً بأول خشية التراكم، ولا سيما الكنس وغسل الأواني لأنه عمل يومي ومتكرر، ومنهن المهملات والمتقاعسات، أو لأنه أراد أن يخفف عن نفسه أو عن النساء عموماً عناء تنظيف الأفنية والحجر ليلاً، ليكتفي بالتنظيف نهاراً، ولا سيما أن التنظيف قديماً كان متعباً، حيث إنهم كانوا ينظفون بالمكنسة المصنوعة من سعف النخل وجريده وعرجونه، ولم تكن المكانس الكهربائية موجودة آنذاك، وكانت البيوت العربية ذات أفنية مفتوحة ليلاً ونهاراً، مما يجعلها تتعرض لاستقبال الغبار والأتربة التي تثيرها الرياح ليلاً ونهاراً.
وهكذا الحال مع المقص الذي لم يكن موجودا عندهم بكثرة، واذا وجد عند بعضهم فالمطلوب المحافظة عليه وعدم العبث به، لذا افتعلوا مثل هذه الأكذوبة التي تقول إن العبث بالمقص يجلب الخناقات الزوجية، لكيلا يعبث الفضولي بالمقص، فيبقى المقص في أيد أمينة دائماً.
ومن المعتقدات السائدة عند الشيعة والسنة أنه اذا سقطت المكنسة على احدى رجلي الشخص، وجب أن يقلع خوصة منها دفعاً للشر، وهذا طبعاً عندما كانت المكنسة من سعف النخيل، واليوم لو أراد ذلك لوجب عليه أن يقلع احد براغيها.
وهناك خرافة أخرى أيضاً وهي أن الأم عندما تخيط ثوب أحد أبنائها أو بناتها، وهو يرتدي ذلك الثوب في ذلك الوقت، وجب أن يضع الولد خوصة في فمه دفعاً للمكروه.
هذه إذن بعض المعتقدات الموروثة عندنا وعند غيرنا، لكنها محض خرافات كما بينا، ويجب علينا محاربتها وتصحيح مفاهيم أولادنا تجاهها، حتى لا تتأصل فيهم.
إذ المهم أن يتعلق العبد ببارئه دائماً، فلا البوم يحمل الشر، ولا الحمام يحمل الخير، إلا إذا أراد الله تعالى لعبده خيراً، قال تعالى: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فلنعش بآمالنا دائماً إذ لا يأس مع الحياة، لكن ولنعش بأعمالنا الصالحة دائماً أيضاً إذ لا نافع ولا ضار إلا الله.