البلد الظالم
"إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً" (سورة الكهف الآية10) .
الكهف هو النقب المتسع من الجبل، فإن لم يكن واسعا فهو غار، وقيل أيضاً: إنه البيت المنقور في الجبل، واسم الكهف كمكان لم يرد في القرآن الكريم إلا في السورة التي سميت باسمه، وارتبط بالفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم الله هدى، فرفضوا المال والثروة والجاه والسلطان في مقابل التنازل عن إيمانهم بوحدانية الله تعالى، وذلك أنهم تعرضوا لمحنة قاسية حين استدعاهم الملك الكافر الذي نصب المشانق ونكّل بكل المؤمنين ليروا أشلاء الضحايا وهو يعرض عليهم أن يكفروا بالله لينقذوا أنفسهم من هذا المصير، واستمهلهم الحاكم وقتاً للتفكير وبعدها أخذوا القرار بالهجرة والفرار بدينهم من البلد الظالم .
تركوا البلدة ليلاً وأخذوا معهم بعض النقود، فكان ملاذهم من بطش الحاكم في هذا المكان المظلم الذي لا يأمن الإنسان فيه أن ينال منه سبع أو حية أو عقرب، لكن عناية الله كانت تحفهم فدخلوا الكهف، ومكثوا فيه نحو ثلاثمئة سنة وازدادوا تسعاً وأراد الله أن يجعلهم آية على البعث وطلاقة القدرة الإلهية في قضية الموت والحياة والبعث، وأن يكون هذا المكان وقصة الفتية عبرة وآية للناس، فالكهف الذي آووا إليه إشارة إلى القبر، ومدة لبثهم في كهفهم إشارة إلى رقدتنا في القبور، ثم بعثهم بعد نومهم الطويل . . إشارة إلى بعثنا بعد رقدتنا الطويلة في القبور، وقوله تعالى: "إذ أوى الفتية إلى الكهف" يدل على أن الله - عز وجل - شاء أن يقدس ويبارك هذا المكان ويجعله الموضع الذي تحدث فيه آيته العجيبة المعجزة، ولو لم يرد الله - عز وجل - هذا الكهف بعينه لكان قال: "إلى كهف"، بتنكير كلمة (كهف) فيكون المعنى أي كهف على وجه الأرض، لكن دخول (أل) التعريف على كلمة (كهف) أكد أنه كهف معلوم ومعروف بعينه، .
تثبيت المؤمنين
وقصة أصحاب الكهف وردت في القرآن الكريم فيما لا يزيد على ثماني عشرة آية، من الآية التاسعة إلى الآية السادسة والعشرين من السورة، وبلغ عدد كلماتها 328 كلمة تقريباً، ومن الغريب في قصة أهل الكهف أن مصدرها الصحيح المحدد بشكلها ورد في القرآن الكريم فقط، ولا يوجد لها ذكر في الأحاديث النبوية ولا في أقوال الصحابة يشير إلى تفاصيل هذه القصة، فالقرآن الكريم هو المصدر الوحيد لمجمل هذه القصة التي وردت في سورة الكهف، وكان نزولها في الفترة السابقة على هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة، يقول المودودي في تفسيره: "إن هذه السورة نزلت قبل هجرة الحبشة، فرويت قصة أصحاب الكهف في الوقت الذي كان المسلمون يُضطهدون ويُنكل بهم ليثبتوا ويتشجعوا ويعرفوا ماذا فعل المؤمنون من قبل ليحفظوا إيمانهم" .
وقد ورد في سبب نزول قصة أهل الكهف وقصة ذي القرنين أن اليهود أغروا أهل مكة بسؤال الرسول - عليه الصلاة والسلام - عنهما وعن الروح، وأن أهل مكة طلبوا من اليهود باعتبارهم أهل كتاب أن يصوغوا لهم أسئلة يختبرون بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - فصاغوا لهم ثلاثة أسئلة أحدها خاص بأصحاب الكهف، وعندما جاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قالوا: يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب ثم باقي الأسئلة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أخبركم بما سألتم عنه غداً ولم يستثن (أي لم يقل إن شاء الله) فانقطع الوحي عن النبي خمس عشرة ليلة، حتى قال أهل مكة وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة، فجاءه جبريل من الله عز وجل بسورة الكهف وفيها خبر ما سألوه عنه