فرضت النهضة الشاملة التي تشهدها الدولة البحث عن تخصصات قادرة على تلبية احتياجات سوق العمل المستقبلية بما يضمن حضور الكوادر الوطنية ومواكبتها للتطور، وفي هذا الاطار قامت الدولة بابتعاث 135 مواطنا من خريجي معاهد التكنولوجيا التطبيقية في عام 2009 لدراسة التخصصات النادرة في المجال الهندسي من بينها الهندسة النووية، وعلوم الفضاء، والهندسة الكهربائية، وهندسة الطيران، وهندسة الطاقة الشمسية، والهندسة الحيوية، حيث تلقى خريجو هذه المعاهد منحاً للدراسة بالخارج من قبل جهات عديدة من بينها مكتب صاحب السمو رئيس الدولة لتنسيق البعثات، وبرنامج البعثات التابع لوزارة التعليم العالي، وجهاز أبوظبي للاستثمار، وهيئة مياه وكهرباء أبوظبي، وهيئة مياه وكهرباء دبي، والقوات المسلحة، وادنوك . ويأتي توقيع الدولة على اتفاقية لتنفيذ الإنشاءات والعمليات المشتركة والصيانة، لأربع محطات للطاقة النووية مع كوريا الجنوبية ليشكل الأرضية المستقبلية للهدف من هذه البعثات .

من نقطة دخول الامارات إلى مجال الطاقة النووية يبدأ جمال خالد الجابري حديثه عن طبيعة التخصصات التي اختارتها الدولة للطلبة، وجمال ضمن بعثة مؤسسة الامارات للطاقة النووية لجامعة نورث كارولينا بالولايات المتحدة الأمريكية لدراسة الهندسة الميكانيكية . ويوضح أنه مثل غيره من أبناء الدولة، لم يكن مطلعاً على مشاريع الدولة في الطاقة النووية ويقول: لكننا شعرنا أن هناك مشروعاً ضخماً سيتحقق في هذا المجال . خاصة أن تحديد التخصصات بالنسبة للطلبة المبتعثين كان قبل الاعلان عن مشروع الطاقة النووية بالدولة . ويضيف: هندسة الميكانيك لها تفرعات كثيرة . لكن اعتدنا أن يكون اسم الميكانيك مرتبطا بالمحركات . وهي كذلك لكنها تدخل أيضا في المصانع النووية التي تحتاج إلى خبرات خاصة للعمل فيها، وبالتالي هناك قائمة من التخصصات المتفرعة عن الهندسة الميكانيكية، لهذا اختارت مؤسسة الامارات مجموعة كبيرة من الطلبة لدراسة تخصص الطاقة النووية بمختلف المجالات .

وعما إذا كان يعتقد أن متطلبات سوق العمل المحلية تستوعب كل التخصصات، يؤكد أنه يجب دراسة هذه المتطلبات مسبقاً قبل ان يختار الطالب التخصص الذي يرغب في دراسته، لكن طالما ان الدولة هي التي حددت التخصصات وتركت لنا حرية اختيار التخصص من ضمن ما اختارته فأعتقد ان سوق العمل سيكون بانتظارنا عندما نعود ككوادر إماراتية في خدمة الدولة .

طارق الهاشمي يدرس الهندسة النووية في جامعة تكساس بالولايات المتحدة وابتعثته مؤسسة الامارات للطاقة النووية، وهيئة الرقابة النووية يرى ان المحطات النووية الأربع التي سيتم انجازها عام 2020 ستكون بحاجة إلى خبرات وكوادر وطنية قادرة على إدارة المشاريع الكبرى للدولة، ويجب ان نكون رواد مشاريعنا من بدايتها حتى إنجازها . سابقا لم يكن هذا التخصص يخطر لنا على البال بسبب عدم حاجة سوق العمل الحكومية له، لكن الآن أصبح من الضروري تدريب الكوادر المحلية على المهام الحاسمة .

ويصر الهاشمي على اولوية رغبة الطالب في اختيار التخصص الذي يريد وليس التخصص المتاح له . أي أن حب التخصص يتفوق على ضرورتها لديه، لأن دراسة تخصص من دون حب لن يؤدي لنتيجة إيجابية . ويضيف: عندما تتعارض الرغبة مع متطلبات سوق العمل من الأفضل اختيار ما نحب دراسته مع مراعاة متطلبات سوق العمل . ونحن خرجنا للدراسة في الخارج لنعود بالنفع على الوطن ونرد له الجميل . ولهذا السبب فإننا لا نشعر بالغربة في الخارج طالما ان الوطن بانتظار ما سننجزه . وما يساعدنا على التأقلم في الخارج ان بيئة الدولة متنوعة جدا بحيث لا يمكن ان تكون هناك ملامح اناس لم نلتق بها من قبل في الدولة .

محمد النعيمي . ضمن بعثة القوات المسلحة لدراسة الهندسة المدنية، وهذا التخصص موجود في جامعات الدولة كما يقول لكن الفرع المراد له ان يدرسه ليس موجودا والذي تدخل فيه هندسة المنشآت النووية في جامعة أوريغون ستيت بالولايات المتحدة . ويؤكد النعيمي أن الاعلان عن مشروع الطاقة النووية مؤخراً أثر بشكل جذري في التخصصات التي يمكن ان يدرسها الطلبة في الخارج . ويضيف:

على أبناء الدولة ان يكونوا قادرين على تلبية احتياجاتها العلمية وإدارة مشروعات الدولة التنموية . وعندما نتحدث عن توطين سوق العمل يجب أن نكون قبل كل شيء قادرين على تلبية متطلبات هذه السوق وإلا فإن الخبير الأجنبي سيكون أفضل في خدمة اهداف التنمية الوطنية إذا لم يكن الكادر الوطني مدرباً يضاهي ويتفوق على الأجنبي .

وعن بيئة الدراسة في أمريكا . يؤكد ان التنوع ليس غريبا على أبناء الدولة . ويقول في الطائرة التي عدت فيها من أمريكا إلى الدولة كنت المواطن الوحيد على متن الطائرة وبقية الركاب كانوا من الجنسيات الأخرى خاصة الآسيوية، وعندما غادرت الدولة كان غالبية الذين في الطائرة من الأجانب . لذا أرى ان التنوع يفرض تحديا علينا كأبناء الدولة لأنه يجب ان نكون الأفضل .

محمد المعمري ضمن بعثة القوات المسلحة لدراسة تخصص الهندسة الميكانيكية في جامعة اوريغن بالولايات المتحدة الذي يشمل هندسة الطيران .

ويقدم المعمري رؤيته بالارتباط مع نهضة الدولة . ويرى ان الدولة في المرحلة الحالية بحاجة ماسة للتخصصات الهندسية بمختلف مجالاتها . ومشروع الطاقة النووية تحول نوعي سيمتد بتأثيره الى كل قطاعات المجتمع وحتى الى التخصصات الدراسية في الجامعات وإقبال الطلبة عليه، ومن الضروري ان يتم الترويج للتخصصات الجديدة داخل الدولة أيضا لأن غالبية الطلبة يفضلون تخصصات معروفة سلفا وهي وإن كانت مطلوبة لسوق العمل إلا أن المستقبل للتخصصات النادرة .

ويضيف: يجب أن لا ننسى التطور الذي انعكس على نمط الحياة الاجتماعية في الدولة . فسابقا كانت التخصصات الادارية هي التي تجذب الناس لأن العمل في الميدان لم يكن يناسب قناعاتهم، حاليا تطور الدولة أدى لتغير هذه القناعات حول ضرورة تواجد الكوادر المواطنة في كل القطاعات التي ترعاها الدولة .

أحمد علي، يدرس الهندسة الصناعية التي لا توجد في الجامعات الحكومية والخاصة بالدولة باستثناء جامعة الشارقة . ويرى ان الدولة تشهد تحولا لم تتوضح معالمه بعد لكن يتم العمل عليه بشكل جدي، وهو الانتقال من اقتصاد التجارة إلى اقتصاد الصناعة . وبدلا من ان نستورد المنتجات سيكون بإمكاننا التصدير إلى الخارج وأتمنى ان تكون صناعة السيارات ضمن التحول المرجو، فلدينا مواد خام كثيرة ويمكن لنا استخدامها في الصناعات التي نريدها وهذا يحقق تقدما لنا في الاكتفاء الذاتي . ويضيف: التخصصات النادرة التي ندرسها تأتي قبل البدء بالمشاريع الصناعية المستقبلية . لأنه عندما نبدأ افتتاح المشاريع يجب ان نتواجد هناك . ودراستي ستستغرق أربع سنوات في مجال إدارة المشاريع الهندسية، وهو خليط من الهندسة والتجارة والتصنيع . فنحن ندرس تكاليف التصنيع ومراحل الانتاج والتصدير والاستيراد وطبيعة التكاليف وفق النظم التجارية المختلفة . وهذا يوفر امامنا في المستقبل خيارات واسعة لاختيار السبل الأمثل في اتباعها، فدولتنا لم تقصّر مع أبنائها وتكافئ المجتهد الذي يسعى للمشاركة في نهضتها .

ويتفق معه أنس يوسف الذي يدرس تخصيص نظم المعلومات الجغرافية في جامعة بنسلفانيا، ويقول هذا التخصص موجود في جامعات الدولة إلا ان جامعة بنسلفانيا هي خامس أقوى جامعة في الولايات المتحدة، ومن خلالها يمكن ان نتعلم النظم الجديدة في المسوح الجغرافية التي تتداخل مع العديد من المجالات الجوية والثروة الباطنية، فهو تخصص مطلوب في سوق العمل الداخلية لدى مختلف المؤسسات والهيئات .

ويضيف: تخرجت في قسم العلوم في معهد التكنولوجيا التطبيقية، ووجدت في تخصص الجغرافيا الأقرب لدراستي، واخترتها عن رغبة ولم تكن الخيار الوحيد المتوفر، لكني أرى ضرورة اعطاء الأولوية لمتطلبات سوق العمل وليس للرغبة الشخصية في التخصصات، لأن المهم في النهاية هو أن يتم الاستفادة مما درسناه بما ينعكس على الدولة والمجتمع إيجابيا .

د . الشامسي: معهد العين يحتل المرتبة الأولى

الدكتور عبداللطيف الشامسي مدير عام معاهد التكنولوجيا التطبيقية يؤكد أن السياسة التعليمية التي تنتهجها المعاهد تسهم في رفع المستوى الأكاديمي، وتزيد نسبة طلاب البعثات الخارجية في كل عام لأن مخرجات ثانوية التكنولوجية التطبيقية تعتمد على امتحانات ومقاييس دولية مثل امتحان الايلس في اللغة الانجليزية و(IC3) في الكمبيوتر والتي تؤهل طالب المعهد وقبوله في هذه المؤسسات .

ويضيف:

يبلغ عدد الطلاب الذين تم ابتعاثهم إلى إحدى الجامعات الأمريكية 38 طالبا، فيما يبلغ عدد المبتعثين للجامعات البريطانية أكثر من 17 طالباً، واستراليا 24 طالبا، و15 طالباً الى الجامعات الكندية، بالاضافة الى ابتعاث عدد من الطلاب الى كل من سويسرا واليابان وبعض الدول الأوروبية . واحتل معهد العين المرتبة الأولى في عدد الطلاب المبتعثين للدراسات في جامعات خارج الدولة بواقع 35 طالباً، فيما بلغ عدد الطلاب المبتعثين من معهد أبوظبي 29 طالبا، ومعهد رأس الخيمة 23 طالبا، و33 طالباً من معهد دبي، و15 طالباً من معهد الفجيرة . والتخصصات التي يدرسها هؤلاء الطلاب تعد من التخصصات المهمة والمطلوبة في الوقت الحالي والمستقبل، حيث تحتاج المؤسسات الصناعية والتكنولوجية لرفدها بهذا النوع من الدراسات وفقا لاستراتيجية الدولة وخططها المستقبلية في الولوج بالمجالات الحديثة والمتطورة وتوفير الكادر المواطن المؤهل لتشغيلها وتطويرها .

4 طلاب في اليابان

اليابان دولة التحدي الاولى في العالم، و4 طلاب في اليابان غالبا ما يكون ذكرهم مرتبطا بالاختراعات العلمية من دون ان تكون دولة جاذبة للخبرات من الخارج بل هي أحد اهم المصدرين للخبرات . وبالتالي التواجد فيها للدراسة ليس سهلا على الاطلاق كما يرى محمد حسين الهاشمي الذي تخرج في معهد التكنولوجيا التطبيقية وهو ضمن الموفدة إلى اليابان لدراسة الهندسة الميكانيكية . الآن يدرس محمد الهاشمي اللغة اليابانية التي ستستغرق سنة كاملة وواجه صعوبة في البداية في التعامل مع اليابانيين نتيجة اعتزازهم بلغتهم ورفضهم التحدث بالانجليزية في اليابان حتى لو كانوا يتقنونها وهذا ما يفرض على المرء معرفة لغتهم . ويضيف: نحن أربعة طلبة توجهنا للدراسة في اليابان . واخترت تخصص الهندسة الميكانيكية الذي هو أرقى الفروع العلمية حاليا نتيجة لفروعه الغنية والكثيرة بدءا من ميكانيك السيارات وانتهاءا بالمشاريع التي تعمل على الطاقة النووية . ونحن في الدولة بحاجة إلى هذه التخصصات كجزء من خطة توطين سوق العمل الحكومية . ويأتي قرار ابتعاث الطلبة بالتخصصات النادرة كجزء من مواكبة المشاريع الكبيرة التي تنفذها الدولة .

والشيء اللافت ان هناك طلبة سيدرسون الاختصاص نفسه في جامعات أمريكية أيضا وأرى ان هذا التنويع في اماكن الدراسة هو وفق خطة مدروسة يسهم في تحصيل الخبرة بأكثر من رؤية، وسابقا كان معظم الطلبة يتوجهون لدراسة الأعمال الادارية حتى تشبع سوق العمل بهذا التخصص . ونحن بحاجة لسد النقص في المجالات العلمية بدلا من الاعتماد على الخبرات الأجنبية . مع ضرورة أن يدرك الطالب متطلبات سوق العمل، فأحد الذين اعرفهم تخصص بدراسة الثلج وتشكله وكيفية الاستفادة منه . فهل هذا التخصص يمكن ان يكون مفيداً في الدولة؟