عثمان حسن

«كوموس أودي» كلمتان إغريقيتان تعنيان «الغناء والمرح الصاخب»، وإلى هذا الأصل اللغوي التاريخي يذهب باحثون في تأصيل كلمة «كوميديا» ودراسة أصل نشأة هذا الفن.
الأبحاث تؤكد كذلك أن «فن الملهاة» انبثق عن أصل ديني، حيث كان اليونانيون يحتفلون بتمجيد إله الخصب، فينشدون ويرقصون ويقيمون الاحتفالات، لا سيما خلال موسم قطاف العنب.
بعد ذلك بقرون، عرفت أوروبا اهتماماً واسعاً بفن التمثيل (التراجيديا والكوميديا)، فتطورت الملهاة وتطرقت إلى الشأن السياسي والاجتماعي، وخلال مراحل تطورها عبر الزمن عرفت الكوميديا جدلاً وتحولات في نظرة الجمهور والنقاد إليها، فهناك من يصنف الكوميديا كوسيلة ترفيه وهزل وسخرية، بينما يشير آخرون إلى أنها أبلغ تأثيراً لدى المتلقي، وأكثر قدرة على إحداث تغيير في المجتمع.
فما الذي صنعه فن الكوميديا عبر التاريخ، في تسمياته المختلفة، سواء كان من نمط الكوميديا اللاذعة أو الهجائية، أو كان هزليا وساخرا، ويميل إلى التهكم، أو العبث؟
لا شك، أن للكوميديا دورها الاجتماعي والفكري، فكل ما ذكر سابقا، ما هو إلا محاولات في إطار تطور هذا الفن، ذي الأصل اليوناني، والذي يمكن رصد تأثيره في شكل حديث بدأه شكسبير، حيث قدم صنفا من الكوميديا الرومانسية إلى جانب تراجيدياته الشهيرة.
برع شكسبير في إضفاء لمسة مرحة في معظم أعماله الكوميدية، التي برعت في تصوير الواقع، وما فيه من صراعات داخلية وخارجية، حيث كان يميل إلى التركيز على المواقف لا على الشخصيات، وهو ملمح شكسبيري، فصل بين الموقف والشخصية التي تؤديها، فعندما تقع الشخصية في محنة، كان الهدف في النهاية هو إضحاك الجمهور، كما ركز على حبكة مركبة، ومال إلى استخدام كافة الأساليب الكوميدية، كالتلاعب اللفظي والدعابات، من أجل تمرير الفكرة التي يدور حولها العرض.
بهذا المعنى، شكل شكسبير نمطاً مختلفاً في أعماله الكوميدية، بموازاة «كوميديا فرنسية» من نوع خاص صنعها «موليير»، الذي برع في هذا الجانب، وانتقل تأثيره إلى أوروبا كلها، من خلال مسرح كوميدي راق، برع في تصوير الشخصيات والمواقف والقدرة على الإضحاك، وإليه يعود الفضل في ترسيخ قواعد الكوميديا الشعبية التي تهتم بالترويح عن الجمهور.
وهنا، لا بد من الإشارة إلى المسرح الإيطالي في عصر النهضة، ما بين القرنين السادس وأوائل الثامن عشر، حيث شهدت تلك الفترة ما يعرف ب «الكوميديا ديلارتي»، أو «كوميديا الحرفة»، انتشر هذا الفن في أوروبا، وصار يقدم عروضه من خلال ممثلين مقنعين، يقومون بالارتجال، وتقديم المواقف الكوميدية والشخصيات الفارقة في المجتمع كالأحمق والبخيل، وغير ذلك، وقد ساهم هذا المسرح، في تقديم فرجة شعبية، ولا سيما أنه كان يقدم في الباحات وفي الساحات العامة، وقد تفرع عن «الكوميديا ديلارتي» أشكال عدة من المسرح الشعبي كالمسرح الكرنفالي الذي كان يقدم في المناسبات الوطنية والدينية وغيرها.
رسخ «موليير» ما يعرف بالكوميديا الكلاسيكية، مستفيدا من دورها كفن راق يعتمد الحبكة ومتانة الألفاظ، مبتعدا عن الإسفاف والابتذال، وصارت «الكوميديا» فناً قائماً بذاته، يصور الواقع كما هو، بشخوصه سواء الشعبية أو البرجوازية، وشهدت الفترة المتأخرة من القرن الثامن عشر، انحساراً ل «الكوميديا» وكذلك «التراجيديا» كاسمين مستقلين، فبرزت أعمال تدمج بين النوعين في عمل واحد، انطلاقا من كون الإنسان، لا يعيش وضعاً مأساوياً خالصاً ولا كوميدياً خالصاً، وهنا، يذكر المؤرخون اسم المنظر الفرنسي «دونيز ديدرو (1713 - 1784)، الذي رفض فكرة إطلاق أي مسمى على «أبو الفنون»، وكان ظهور الثورة الفرنسية عاملا مساعدا في انحسار المسرح الكوميدي، كنوع مستقل لصالح تجارب مالت إلى التهريج الشعبي والغناء والرقص.
مع ظهور الكاتبين الروسيين جوجول وتشيخوف، شهد الفن المسرحي عودة جديدة عرفت باسم «المسرح الكوميدي الواقعي»، وفي ثلاثينات القرن الفائت، دخل عنصر الهزل على المسرح الجاد، لكنه كان عنصرا ظاهريا، لا يخفي مآسي الواقع وفواجعه، كما هو في «مسرح العبث» و«المسرح السريالي»، كما ظهرت «الكوميديا السوداء»، وظهر مخرجون أحيوا بعض أشكال الضحك الشعبي، كما هو عند «مايرخولد»، و«داريو فو».