رَجَعْتُ لنفْسِي فاتَّهمتُ حَصاتِي
وناديْتُ قَوْمِي فاحْتَسَبْتُ حياتِي
رَمَوني بعُقمٍ في الشَّبابِ وليتَني
عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقَولِ عِداتي
وَلَدتُ ولمَّا لم أجِدْ لعرائسي
رِجالاً وأَكفاءً وَأَدْتُ بناتِي
وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية
وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ
فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة
وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
فيا وَيحَكُم أبلى وتَبلى مَحاسِني
ومنْكمْ وإنْ عَزَّ الدّواءُ أساتِي
فلا تَكِلُوني للزّمانِ فإنّني
أخافُ عليكم أن تَحينَ وَفاتي
هكذا اشتكت اللغة العربية حال الناطقين بها على لسان شاعر النيل حافظ إبراهيم، واليوم يشتكي أبناء الجاليات العربية في أوروبا من اللغة، وتشتكي منهم اللغة وكل سوق في ذلك حجته .
وقد يخيل للبعض أن الجالية العربية تتحدث العربية أقلها بين صفوف الجالية، فرضية صحيحة ولكنها غير دقيقة، ففي بلدان مثل إيطاليا يغلب استخدام اللغة العربية بين العرب المهاجرين وأبنائهم أوروبيي المولد، بينما يخف هذا النشاط في فرنسا، ربما لأن فرنسا اشتهرت باستعمارها الثقافي وربما لأن الفرنسية لغة مستخدمة بشكل موسع في أغلب البلدان التي ينحدر منها المهاجرون العرب، وسيما بلدان شمال إفريقيا، وقد يكون اعتزاز الفرنسي بلغته وتشريع قوانين تحمي هذه اللغة هو السبب، وقد تكون هناك أسباب أخرى من مثل أن تاريخ الهجرة إلى فرنسا يعود إلى أكثر من قرن، والبلاد الآن تشهد الجيل الخامس من أبناء المهاجرين العرب، لكن المؤكد هو أن معظم الفرنسيين من أصول عربية لا يجيدون التحدث باللغة الفصحية، ومن يجيد التحدث بها يستسهل الفرنسية في التعامل، كما تطغى اللغة الفرنسية على اللغة العربية حتى بين العرب الذين هاجروا حديثاً إلى بلاد الغال .
وأمام المشهد الفرنسي الذي يزيد تعقيده إذا علمنا أن الدولة لا تقدم برامج ترعى لغة الأقليات أسوة بدول أوروبية أخرى، بل تحاول بعض الأحزاب السياسية كسب أصوات ناخبيها من خلال حملات هجوم على اللغة العربية التخوف من انتشارها والحجة كالعادة الإرهاب الذي التصق بنا عرباً ومسلمين في كل خطوة نخطوها فوق تراب القارة العجوز .
وبما أن الحاجة أم الاختراع وهي حكمة كثيراً ما تطبقها الجاليات في أوروبا للحفاظ على مبادئها العربية وثوابتها الإسلامية، أوجدت الجالية مخارج للحفاظ على اللغة العربية وتعليمها لأبنائهم فرنسيي المولد، بيد أن هذه المخارج تبقى لها عوائقها الخاصة التي تحد من حلم ولي الأمر في أن تتحدث ذريته اللغة العربية، والتي يحدها الكثيرون في الغرب أن تعلمها فرض وأنها وازع ثقافي وحضاري في المحافظة على التقاليد العربية والتعاليم الإسلامية .
الخليج التقت بشباب فرنسيي المولد والجنسية، وعربيي السلالة لتحصر أبعاد العلاقة بينهم وبين اللغة العربية، كذلك حاورت أكاديميين للوقوف على طبيعة تعلم اللغة العربية في فرنسا ومعضلاتها والحلول المقترحة للنهوض بها .
سارة فتاة تبلغ من العمر عشرين عاماً من أب جزائري وأم فرنسية تحكي عن تجربتها مع اللغة العربية أثناء مرحلة الطفولة درست عامين في مدارس نهاية الأسبوع، استوعب اللغة العربية سماعياً إلى حد ما لكن يصعب علي التكلم بها . مضيفة حاولت العودة من خلال الجامعة، حيث اخترتها كلغة أجنبية وكان السبب في ذلك هو رغبتي في حفظ القرآن وقراءته باللغة العربية، ونجحت تقريباً في القراءة بشرط أن تكون الحروف مشكلة، أما اللهجة المحلية الجزائرية مسقط رأس والدي فلم تكن عندي مشكلة كبيرة في إجادتها بحكم السفر إلى الجزائر في الإجازات الصيفية . مستدركة المشكلة انه أثناء تواجدي في الجزائر أحاول استغلال الفرصة لتحسين لغتي العربية، لكنني حين أتكلم مع الناس هناك باللغة العربية يردون علي بالفرنسية .
وتعزي سارة عدم اتقانها اللغة العربية هو انشغال والدها بالعمل وأن والدتها غير عربية سبب عدم تعلمي اللغة بشكل جيد هو ظروف عمل والدي وأصل والدتي الفرنسي . رغم ذلك لا أشعر بالضيق من عدم تعلم العربية في طفولتي، على العكس أفتخر بنفسي حين أجدني أجيد اللغة أفضل من أشخاص عرب في فرنسا هاجروا إليها وهم في مراحل متقدمة من السن ما لبثوا أن توقفوا عن استخدامها نهائياً .
قانون منزلي
أما زينب ذات التسعة عشر ربيعاً، من أبوين تونسيين ولدت وترعرت في فرنسا فتتحدث العربية الفصحية بطلاقة، وتشرح السبب قائلة عندنا قانون في الدار أقره والدي منذ ولادتنا وهو أن نتكلم العربية فقط، وشدد علينا مذكراً منذ صغرنا أن اللغة العربية هي لغتنا، لغة القرآن ولغة أهل الجنة، ويجب أن نتلكم بها . مضيفة كذلك كنا نتردد على مدرسة تابعة للجالية الإسلامية في نهاية الأسبوع، حيث ندرس أربع ساعات يومي السبت والأحد حين تكون المدارس النظامية مغلقة .
ومن خلال تجربتها مع أقرانها وملاحظة صعوبات تكلمهم باللغة العربية تعتقد أن السبب الأول العامل الأسري وتقول: هناك مدارس تعلم اللغة العربية وهي كافية لكن التقصير في نظري من الوالدين، حيث لا يسعون لتسجيل أولادهم فيها، وعندما يكبر الشاب أو الفتاة يدرك ما فاته ويود لو يسترجعه لكن يكون صعباً عليه اتقانها والتحدث بالعربية في كبره . لهذا أتمنى أن ينتبه الآباء لضرورة تعليم أطفالهم منذ الصغر اللغة العربية، ونحن كمسلمين يجب أن نتكلم بها . فهذا أمر مهم جداً، وإن شاء الله سوف تصبح لغتنا عالمية كحال اللغة الانجليزية .
بدورها مريم، وهي خريجة كلية اقتصاد ولدت في فرنسا من أبوين مغربيين وتبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً تقول شخصياً اللغة العربية الفصحية أفهمها لكن يصعب علي التحدث بها، وتبدو لي قراءتها أسهل، أما اللهجة المحلية فكثيراً ما نستخدمها في المنزل وأثناء سفرنا إلى المغرب لزيارة الأقارب، وهو ما عزز لدي ملكة المحادثة والاستماع باللهجة المحلية، كما أن القواعد في اللهجات تكاد تكون مختفية مقارنة باللغة الفصحى، وهذا سبب آخر يدفعني إلى عدم الحديث بالفصحى خشية أن أقع في أخطاء نحوية، لكن والدتي تحاول مساعدتي بين الفينة والأخرى وتشجعني أن أتكلم الفصحى دون خجل أمامها من الخطأ .
وتظهر مريم قلقاً من أن تنجب أطفالاً لا يتحدثون اللغة العربية تقول: يقلقني التفكير في المستقبل عندما أتزوج وأنجب بإذن الله كيف سأعلم أولادي اللغة العربية وأنا لم أتقنها، أتمنى أن يكونوا أكثر حظاً مني مع اللغة، وافكر أحياناً أن أقوم بإرسالهم إلى دولة عربية في الصيف كمصر ليتعلموها ويجيدوا التحدث بها ولكني حقيقة أتمنى أن أتعلم اللغة العربية الفصحى قبل أن أنجب لأكون قدوة لهم في التعامل بها .
يعزي د . محمد الغمقي وهو أستاذ محاضر في علم الاجتماع ومناهج البحث في المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في باريس بداية أسباب ضعف ملكة أبناء المهاجرين في التحدث باللغة العربية إلى افتقار المدارس الحكومية إلى مادة اللغة العربية هناك إشكال في اللغة العربية، لأن المدارس الفرنسية لا تعتمد اللغة العربية، بينما تطرح كمادة خيارية في الجامعات .
ويشير الغمقي إلى تأثير البيئة المنزلية أيضاً كذلك عدم ممارسة اللغة العربية في المنزل يحولها إلى لغة أجنبية عن الطفل، فالأغلبية تتكلم اللهجة التي تنحدر منها أصولها، أو يستسهل الإنسان فيستخدم اللغة الفرنسية، ولكن بالطبع هناك استثناءات، فبعض أولياء الأمور حريصون على اللغة العربية الفصحى وتعليمها لأطفالهم ويجتهدون في ذلك داخل البيت .
وحول جهود الجالية العربية والإسلامية في إيجاد حلول للأسباب سالفة الذكر، يوضح سعت الجالية إلى حل هذا الإشكال من خلال مشروع يعرف باسم مدارس نهاية الأسبوع، يتم تدريس الطلاب فيها لغتهم الأم . مستدركاً بيد أن لهذا المبادرة عوائق تواجهها، أولها أن هذه المدارس تقام في المساجد وهي ليست منتشرة كثيراً، كما أن الطفل الذي يدرس خمسة أيام في الاسبوع في المدرسة العادية يكون بحاجة إلى راحة وقضاء وقت خاص به كأي طفل وهو الأمر الذي يخفف الرغبة لديه في الذهاب للدراسة أثناء العطلة . وينوه الغمقي إلى أن عدم استيعاب الطفل أهمية لغته الأم يزيد من الفجوة بينه وبين الإقبال على تعلمها يصعب على الطفل فهم فائدة اللغة وأهميتها في سن مبكرة، فهو لا يستخدمها في حياته اليومية ويكون مجبراً عليها من قبل ذويه، لذلك ما إن يبدأ سن المراهقة يظهر تمرده على تعلمها، وهنا تتضح الحاجة إلى إيجاد أساليب تحببه في التواصل مع اللغة ولا ينقطع عنها .
إضافة إلى العوائق السابقة التي تحد من إتقان أبناء المهاجرين اللغة العربية يضيف الغمقي المناهج المعمول بها داخل المساجد وأساليب التدريس غير متطورة مقارنة بما يتلقاه الطفل في المدرسة الفرنسية، إضافة إلى عنصر المعلم نفسه وهو عائق لا يستهان به، فليس لدينا كوادر كافية متخصصة في تعليم الطفل اللغة العربية .
غير أن الغمقي يبدي تفاؤلاً في عودة العربية إلى مكانتها الصحيحة بين أبناء الجالية ألاحظ أن هناك إقبالاً على اللغة العربية من قبل الجيل الثاني، فمن انقطع أو لم يتعلمها لسبب ما أثناء طفولته ونشأته، نجد لديه اقبالاً ورغبة تعلم اللغة في الجامعة، وشخصياً واجهتني حالات كثيرة من الشباب الذين يشعرون بالندم على ما فاتهم من اللغة ويحاولون تعلمها حين يصلون إلينا في المعهد الأوروبي، ويحاولون استرجاع اللغة العربية إتقانها، وحين نسألهم عن الدافع وراء رغبتهم هذه تكون الإجابة لأن اللغة العربية هي لغة القرآن، وهذا دليل على أن الشاب الفرنسي من أصول عربية يفهم أن جزءاً من هويته هو تاريخ آبائه ولغتهم ودينهم، ولا يشعر أنه مسلم حقيقي إلا من خلال تمكنه من اللغة العربية .
وعن الدور الذي تلعبه النخبة العربية الثقافية في فرنسا للنهوض باللغة العربية وإعادة إحيائها يقول هناك مؤسسات ومراصد للتوعية تهتم الآن بتخريج كوادر متخصصة في تدريس اللغة العربية لطلاب يعيشون في بيئة أوروبية، فهناك فرق في المناخ والطرق ومنهجية التدريس بين تلميذ عربي في دولة عربية ونظيره العربي في بلد أوروبي، وفي السياق نفسه فإن المناهج التي تدرس اللغة العربية غالباً ما تكون عربية المنشأ، ولا تتناسب مع الطفل العربي في أوروبا، لكن والحمد لله هناك مدارس قطعت أشوطاً في هذا الجانب من مثل مدرسة الأمل في باريس التي أخرجت منهجاً كاملاً عربياً يناسب البيئة الأوروبية .
وبسؤاله عن مستوى التعاون مع المؤسسات العربية المعنية باللغة، يجيب هناك بداية تنسيق مع الجهات العربية وعلى رأسها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، فهناك شعور لدى الأقطار العربية الآن بأهمية هذا الموضوع، ونحن نعول عليها في المساعدة على إيجاد برامج تأهيل معلمين للغة العربية في البيئة الأوروبية، فالهدف مشترك وهو جزء من الحفاظ على الهوية وبالتالي فالمسؤولية جماعية .
يتفق محمد المنصف العيادي، مدرس لغة عربية مع محمد الغمقي في إشكالية عدم تعليم اللغة العربية في المدارس الفرنسية أمتهن تعليم الحضارة العربية والثقافة الإسلامية لأبناء المهاجرين من أصول عربية منذ عقدين من الزمان في كل من هولندا وفرنسا داخل صفوف دراسية وأخرى منزلية، مع فارق بين الدولتين في علاقتها بتعليم اللغة العربية . موضحاً هولندا تسمح بتدريس اللغة العربية والدين الإسلامي في المدارس النظامية وبتمويل من الدولة، لكن في فرنسا ليس هناك هذا الدعم الحكومي والتربوي في تنشئة أبناء المهاجرين، فاضطرت الجالية إلى تأسيس برنامج مدارس نهاية الأسبوع .
ويشير العيادي أن هناك من يفضل تخصيص مدرس منزلي لتعليم أطفاله اللغة التعليم المنزلي جيد جداً، فهو لا يحرم الطفل من التمتع بعطلة نهاية الأسبوع وإجباره على الذهاب لمدارس اللغة العربية، كما أن تعليم كل طفل بشكل فردي تجعل مسألة صياغة برنامج تعليمي له أسهل ويراعي إمكاناته العقلية وإمكانات ذويه المادية التي تتكفل بثمن هذه الدروس .
وحول مطالب أولياء الأمور في هذا الشأن يقول هناك من يريد لأطفاله تعلم المحادثة فقط من أجل التواصل مع أقربائه في البلد الأم أثناء الزيارات الصيفية، وهناك من يريد أن يتقن أولاده اللغة العربية بشكل جيد قراءة وكتابة، محادثة واستماعاً، من منطلق أن تعلم اللغة ضروري في الحفاظ على هوية الأبناء، وأن اللغة العربية هي مفتاح فهم القرآن الكريم وبالتالي التزام الأبناء بالتعاليم الإسلامية في سلوكهم وتنشئتهم، وهو ما يدفع بعض الآباء إلى اعتبار تعليم اللغة لأبنائه فرض عليه واجب أداؤه، حتى أن بعض العائلات تصر على أن تكون اللغة العربية الفصحى هي اللغة الوحيدة المستخدمة في التخاطب داخل المنزل .
وبسؤاله عمّا إذا كانت هناك علاقة تربط بين مستوى الأسرة الثقافي والاهتمام بتعليم أبنائها اللغة العربية، يجيب المستوى الثقافي لولي الأمر لا يعكس بالضرورة اهتمامه بتعليم أبنائه اللغة العربية، حيث تتنوع الخلفيات الثقافية للآباء المهتمين بتعلم أولادهم اللغة العربية، واللجوء لمدرس خاص لا يعني بالضرورة أن ولي الأمر لا يستطيع تعليم أولاده اللغة بمفرده، وإنما بسبب ضيق الوقت وانشغاله في العمل هو ما يدفع لتعيين مدرس خاص، والبعض الآخر بسبب رغبته في أن يتقن أبناؤه اللغة على أساس القواعد الصحيحة ولا يكفي ولي الأمر إجادة اللغة لتلقينها لأبنائه .
ويعتقد العيادي أن هناك حلولاً كثيرة لعلاج مشكلة اللغة العربية، ولكنه يتشكك بمن يأخذ القضية على محمل جدي يقول لدينا الجامعة العربية وهناك بلدان عربية غنية الموارد وأكاديميون يستطيعون الاستثمار في مجال التعليم في أوروبا لأبناء الجاليات المنحدرة من أصول عربية، وكذلك للطلاب الغربيين، فالإقبال على تعلم اللغة بين أوساط غير العرب كبير، كما تلجأ الكثير من الشركات الأوروبية عامة، والفرنسية خاصة إلى تعليم موظفيها اللغة العربية بغية انتدابهم في مناطق عمل في بلدان عربية، وهو ما يتطلب مدرسين أكفاء وبرامج منهجية .