أيّهما أسبق . . الأفكار أم اللغة؟
انشغل عدد كبير من الكتّاب الإبداعيين وحتى المفكرون في جدلية اللغة والأفكار . . وبالتالي، اللغة والفكر على مستوى أسئلة من مثل هل كان الإنسان يفكر قبل أن يخترع اللغة أو يتوصل إليها، أم أن اللغة هي المادة الصوتية النطقية اللفظية المرافقة للإنسان منذ ولادته، وأول ملامح هذه اللغة صرخته الأولى وهو يخرج من رحم أمه ليبدأ حياة على الأرض مملوءة بالأصوات؟
هناك من يقول إن الجنين يفكر، ويستجيب للغة الموسيقا حتى وهو في مشيمته في الرحم الأولى له . . وطنه الأول وبلاده الأولى .
اللغة ليست هي الأبجدية أو شكل الحرف وصوته، هي في البدء إشارة أو رمز . . هكذا رسم إنسان الكهوف الأول وفي العصر الحجري اللغة على شكل إشارات .
الصورة . . صورة الكائن، أو صورة الشيء هي الأبجدية الأولى التي قادت إلى اللغة، ولكن من الطبيعي أن إنسان الكهف كان وهو يرسم الشجرة أو الحيوان أو الشمس إنما كان يفكر وهو يخترع أبجديته الأولى .
لم يكن للكائن البشري أن يكتمل ويتخلص من برّيته ووجوده الفارغ من الأصوات إلا أن يتكلم ويتبادل الكلام مع حتى ظله، أي أنه كان منشغلاً بوجوده اللغوي وتحقيق هذا الوجود لكي لا يظل في عتمة الصوت .
اللغة أو اختراع اللغة كان حاجة ضرورية للإنسان لكي يثبت وجوده على الأرض، ولذلك، مزج بين الصورة والصوت . . الصورة التي رسمها على حجارة الكهف، والصوت الذي أطلقه في البرية .
اللغة، بكلمة ثانية ساعدت الإنسان على البقاء، ولكن هذا البقاء سيظل مهدداً بالزوال إذا لم تسنده الأفكار .
توصل الإنسان إلى الأفكار، أو صنع الأفكار لأنه يريد الخروج من عتمة البرية أو عتمة الغابة إلى وجود أكثر رحابة وأكثر انفتاحاً . كان عليه أن يفكر في اختراع النار، واختراع العجلة، والمحراث والفأس والسيف والقطار .
عقل الإنسان، الذي هو ماكينة أفكاره دله إلى الزراعة وإلى نزع الماء من باطن الأرض وإلى اكتشاف الملح واكتشاف الفحم والذهب وصهر الحديد وصناعة الفخار .
كل هذه المنجزات الحيوية للإنسان هي أفكار في البداية ألبسها في ما بعد لبوس اللغة .
الأفكار، أيضاً، مثل اللغة من شأنها أن تحمي الإنسان وتحمي وجوده وتخلصه من بريته وبربريته وتنقله إلى حياة أجمل تليق به .
وإذا كانت اللغة هي حاجة، والحاجة أم الاختراع، فإن الأفكار أيضاً هي حاجة أخرى للإنسان الذي يتميز بذكاء العقل ونعمته .
مرة ثانية . .
أيهما أسبق الأفكار أم اللغة؟ تبدو الإجابة أكثر صعوبة إذا عدنا إلى الجذر التاريخي لهذه العلاقة التي تبدو أحياناً ملتبسة، ولكن بعيداً عن تعقيد هذه العلاقة لنقم بتقريب هذا التساؤل من فكرة الجاحظ الذي رأى أن الأفكار مطروحة في الطريق، وما على الكاتب إلا أن يصنع إناءً حافظاً لهذه الأفكار من خلال اللغة .
تسهيلاً لجدلية التساؤل الذي يحمل أكثر من إجابة وأكثر من اجتهاد فكري وتأويلي من الممكن رؤية حقل الأدب حقلاً واسعاً لمعاينة علاقة اللغة والأفكار . . أما اللغة والفكر، فلهما حقل آخر شائك نتركه لفضاء المفكرين والفلاسفة الذين أسالوا الكثير من الحبر لملاحقة إجابة تبدو أحياناً كالسراب، وأحياناً، كالماء .
ليست الأفكار مطروحة على قارعة الطريق بهذه البساطة التي أشار إليها الجاحظ، إلا إذا تم إرجاع هذا السياق الفكري إلى زمن الجاحظ نفسه، حيث لم يكن العالم في زمنه مملوءاً بالأصوات والصناعات ونظريات الاقتصاد والحروب، ولكن مع ذلك تشي عبارة الجاحظ بأن الأفكار في زمانه كانت متيسرة وسهلة، فهي على قارعة الطريق، وأن الأفكار أكثر من اللغة، أو أن اللغة لا تحمل أو على اللغة أن لا تحمل إلا الفكرة الناصعة الناضجة المقنعة، ولتبق الأفكار التي ليست بمستوى قوة اللغة مهملة على الطريق .
الأفكار، متاحة وموجودة، يريد الجاحظ قول ذلك، لكن اللغة ليست كذلك، إنها أصعب منالاً، والتوصل إلى لغة تحمل فكراً هو ذلك الزواج الكاثوليكي الذي - ربما - كان يرمي إليه الجاحظ الذي هو واحد من أعمدة اللغة الكبار في الثقافة العربية .
ديكارت قال: أنا أفكر . . إذاً، أنا موجود . . أي أنه قدّم الأفكار على اللغة .
قرن، ديكارت، الوجود بالفكر، ولم يقرنه باللغة، وإن كان يعرف ألا أفكار ولا فكر يبقى في الوجود بلا لغة، ولكن، لأن الفلسفة تشبه السلطة أحياناً، وهي حقاً سلطة، أي الفلسفة سلطة عقلية فكرية، ربط فيلسوف كبير في حجم ديكارت بين الفكر والوجود، أي بين العقل والوجود، ولكن مرة ثانية، تنشغل هذه المادة التي تجد امتداداً لها في هذا العدد من الملحق الثقافي بما هو جمالي في اللغة . . ذلك الجمالي الذي يحمل أيضاً جمالية الأفكار أو بتبسيط الأفكار الجميلة . . تلك الأفكار التي لا تنمو في اللغة على حساب اللغة، وتلك اللغة التي لا تنمو على حساب الأفكار .
يقول الشاعر عبدالوهاب البياتي:
وطني المنفى
منفاي الكلمات
فإذا كانت الكلمات اشتقاقاً فكرياً من اللغة، فإن الشعر هنا يضاهي وربما ينافس الفلسفة من حيث الرؤية الوجودية التي ذهب إليها ديكارت .
إن وجود ديكارت مرتهن إلى العقل وإلى الفكر بعيداً عن اللغة، لكن الألم الوجودي عند البياتي (الشاعر وليس الفيلسوف) مرتهن إلى الكلمات . . إلى اللغة .
الكلمات التي هي معمار اللغة عند البياتي هي منفاه وهي أيضاً وطنه .
وغير البياتي هناك مئات الشعراء العرب وغير العرب جعلوا من اللغة كياناً فلسفياً وجودياً . . أي جعلوا من اللغة مادة شعرية فكرية وإن كانت هذه المادة لا تنتهي كلياً إلى فضاء الفلسفة، أي إلى فضاء الفكر .
في الشعر، على وجه التحديد، تبدو البطولة في النص الشعري للغة .
لغة امرئ القيس والبحتري والمتنبي، لغة أبي تمام ومسلم بن الوليد وأبي العلاء المعري هي لغة شعر بامتياز، ولكن في قلب هذه اللغة هناك أفكاراً وفكراً، خصوصاً عند المعري، وهنا، من الممكن أن نعاين في خريطة الشعر العربي شعراً يذهب في اللغة إلى أقاصي اللغة وقد أزاح قليلاً أو كثيراً الأفكار جانباً، فيما هناك شعر يذهب إلى الأفكار وإلى استعمال العقل أكثر من استعمال القلب، فهو شعر العقل .
شعر اللغة من أجل اللغة يقصي الأفكار ويبعدها عن النص، فتبدو اللغة في أوج تألقها وحريتها، لا بل ينغلق بعض شعراء اللغة على أنفسهم ويحولون نصوصهم إلى ما يشبه العماء اللغوي، أي الغموض الشديد، فاللغة هنا تشبه القوقعة أو تشبه المحارة . إن المعنى هنا ليس في قلب الشاعر فقط، بل المعنى في قلب اللغة . . في قلب النص المغلق بمفتاح الشاعر، وإن لم يفتح الشاعر بوابة النص فإن اللغة هي في هذه الحال أشبه بالقلعة .
اللغة التي تجري في اللغة بعيداً عن الأفكار في نصوص شعرية عربية، ونقول عربية هنا، لأن الكتابة المغلقة الغامضة هي واحدة من سمات الشعر العربي الجديد . . مثل هذه اللغة تحمل أفكاراً بكل تأكيد، ولكنها أفكار في حاجة إلى مفاتيح . . في حاجة إلى قراءة صعبة، كما هي تلك النصوص الصعبة .
شعر أنسي الحاج على سبيل المثال يشبه القلعة، ولكن تفضي إلى هذه القلعة ممرات مائية، مثل شعر طويل كالينابيع، هذه الممرات ذاتها هي التي تؤدي إلى الأفكار المحمولة في الشعر .
في المقابل هناك شعر الأفكار . إنه شعر القلاع أيضاً، القلاع المحكمة بل المغلقة، وربما كان شعر خليل حاوي . . الشعر الصارم والمبني على أرض قليلة المياه نموذجاً أوضح للغة التي تحمل الفكر بأشواق الشاعر وملاذاته السرية .
الشعر فعل سري، واستعمال اللغة أيضاً فعل سري . . لا بل إن الأفكار كذلك، ربما تكون نتاج نشاط سري في قلعة مغلقة هي الأخرى مثل العقل .
خطأ أن العقل ينتج الأفكار، والقلب ينتج الشعر . . أي ينتج اللغة القائمة على أرض كثيرة المياه، والأقرب إلى هذه العلاقة أن العقل والقلب معاً هما جناحا اللغة وجناحا الفكر والأفكار، وإلا لماذا بقي شعر أبي نواس والمتنبي ومجانين ليلى وديك الجن إلى جانب شعر أبي العلاء المعري وغيره من شعراء العقل من دون أن تطغى صورة شعرية على صورة أخرى، ومن دون أن تطغى فكرة على فكرة .
النص الشعري يقوم على لغة ويقوم على أفكار . لا يأخذ الشاعر الحديث أو الشاعر الجديد أفكار الجاحظ من الطريق، أو أنه ليس في حاجة إليها . لا هو في حاجة إلى الأفكار ولا إلى الطريق . إنه في زمن آخر أصبحت فيه الكتابة خارج الكهف . خرجت الكتابة من الليل إلى النهار . والشعر أصبح مجموعة أشعار أو أن الشعراء أصبحوا فرقاً من الشعراء . الأفكار، أيضاً أصبحت شبكة أو شبكات من الأفكار . اللغة إلى جوار ذلك لم تعد لغة واحدة . الشاعر له لسان في هذا الزمن وفي هذا المكان المملوء بالأصوات والأبجديات . . اللسان، لسان الشاعر أصبح وحيداً وغريباً في مملكة من الأبجديات الأخرى أو من اللغات الأخرى . . السياسي له في هذا الزمن لغة وله أفكار . . الاقتصادي له لغة وله أفكار . . الإعلامي والأكاديمي والعلمي والباحث والناقد والمفكر والفيلسوف . . هذا الجيش من الذين يستعملون اللغة يومياً . . هم أيضاً يستعملون الأفكار من دون أن يفكر واحد منهم في هذا التساؤل الذي يبدو عبثياً . . أيهما أسبق . . الأفكار أم اللغة؟
يقول جوزيف برودسكي:
وجهها بغيض، أبداً لم يخفه حجر الدومينو
لا، ولا مكياج، أو طحلب، أو جهل وثني
أو قفاز، أو شباك صيد . . .
من ترجمة غازي مسعود .
وربما أمكن القول إن وجه اللغة بغيض بلا فكرة، ووجه الفكرة جهل وثني بلا لغة، أو أن الحب، وهو الأكثر صفاءً في الليالي والنهارات . . إنما هو حب ناقص بلا لغة وبلا فكرة . . حتى الحروب في زماننا هذا، وحتى الثورات الصغيرة التي لا تلبث أن تكبر وتصبح كالأشجار الطويلة هي الأخرى في حاجة إلى اللغة وإلى الأفكار .
فكيف نجمع بين العقل والقلب واللسان؟