وردت أحاديث كثيرة، تتضمن فوز الكثيرين من الصحابة بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم .. ويا سعادة من دعا لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ومن هؤلاء أبو هريرة ، وأمّه رضي الله عنهما حيث دعا النبي ل «أم» أبي هريرة بالهداية فدخلت الإسلام ودعا لأبي هريرة بمحبة المسلمين فأحبه كل من سمع عنه.
يقول الزركلي في «الأعلام»: «عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الملقب ب«أبي هريرة»: صحابي، كان أكثر الصحابة حفظاً للحديث ورواية له، نشأ يتيماً ضعيفاً في الجاهلية، وقدم المدينة ورسول الله صلّى الله عليه وسلم بخيبر، فأسلم سنة 7 ه ولزم صحبة النبي، صلى الله عليه وسلم، فروى عنه 5374 حديثاً، نقلها عن أبي هريرة أكثر من 800 رجل بين صحابي وتابعي. وولي إمرة المدينة مدة، ولما صارت الخلافة إلى عمر استعمله على البحرين، ثم رآه ليّن العريكة مشغولاً بالعبادة، فعزله، وأراده بعد زمن على العمل فأبى، وكان أكثر مقامه في المدينة وتوفي فيها، وكان يفتي، وقد جمع شيخ الإسلام تَقِيّ الدِّين السُّبْكي جزءاً سمي «فتاوي أبي هريرة».
لبن في قدح
وجاء في «معجم حفاظ القرآن عبر التاريخ» لمحمد سالم محيسن: «روى عن عبد الله بن رافع أنه قال لأبي هريرة لم كنّوك أبا هريرة؟ قال: أما تفرق مني؟ قلت: بلى، إني لأهابك، قال: كنت أرعى غنماً لأهلي، فكانت لي «هريرة» ألعب بها، فكنوني بها»، وكان أبو هريرة رضي الله عنه: إماماً، حافظاً، مفتياً، فقيهاً، صالحاً، حسن الأخلاق، متواضعاً، محبباً إلى جميع المسلمين. وعنه رضي الله عنه قال: «إن كنت لأعتمد على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت على طريقهم، فمرّ بي أبو بكر فسألته عن آية في كتاب الله، ما أسأله إلا ليستتبعني، فمرّ ولم يفعل، فمرّ عمر فكذلك، حتى مرّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف ما في وجهي من الجوع، فقال: أبو هريرة؟ قلت: لبيك يا رسول الله، فدخلت معه البيت، فوجدنا لبناً في قدح، فقال: من أين لكم هذا؟ قيل: أرسل به إليك فلان، فقال: يا أبا هريرة، انطلق إلى أهل الصفة، فادعهم، وكان أهل الصفة أضياف الإسلام، لا أهل، ولا مال، إذا أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة أرسل بها إليهم، ولم يصب منها شيئاً، وإذا جاءته هدية أصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني إرساله إياي، فقلت: كنت أرجو أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ ولم يكن من طاعة لله وطاعة رسوله بدّ، فأتيتهم فأقبلوا مجيبين، فلما جلسوا، قال: خذ يا أبا هريرة فأعطهم، فجعلت أعطي الرجل، فيشرب حتى يروى، حتى أتيت على جميعهم، وناولته رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إليّ متبسماً، وقال: «بقيت أنا وأنت» قلت: صدقت يا رسول الله، قال: فاشرب فشربت، فقال: اشرب فشربت، فما زال يقول: اشرب، فأشرب، حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد له مساغاً، فأخذ فشرب من الفضلة.
ويكشف أبو هريرة عن السر وراء حفظه وروايته أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم رغم قصر الفترة التي صاحب النبي فيها. يقول أبو هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟ قلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله، فنزع نمرة ( بردة من صوف تلبس ) كانت على ظهري فبسطها بيني وبينه حتى كأني أنظر إلى النمل يدبّ عليها فحدثني، حتى إذا استوعبت حديثه قال: «اجمعها فصرّها إليك «فأصبحت لا أسقط حرفاً ممّا حدثني».
من الكفر إلى الإيمان
وعن فوز أبي هريرة وأمه بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم وكان سبباً في إسلامها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي كثير يزيد بن عبد الرحمن، حدثني أبو هريرة، قال: «كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:»اللهم اهد أم أبي هريرة «فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، (مغلق)، فسمعت أمي خشف قدمي، (أي صوت وقعهما على الأرض)، فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيراً، قلت: يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم حبب عبيدك هذا - يعني أبا هريرة - وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين«فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني».
وروى الترمذي من ظريف أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بتمرات، فقلت: يا رسول الله ادع الله فيهن بالبركة، فضمهن، ثم دعا لي فيهن بالبركة، قال: «خذهن فاجعلهن في مزودك، كلما أردت أن تأخذ منه شيئاً فأدخل فيه يدك فخذه ولا تنثره نثراً».
فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله، فكنا نأكل منه ونطعم، وكان لا يفارق حقوى (وسطي والحقو الإزار، والمراد هنا موضع شد الإزار)، حتى كان يوم قتل عثمان فإنه انقطع. فرضي الله تعالى عن أبي هريرة وأمه وسائر الصحب أجمعين.