استعمل عالم الأحياء الألماني نكو ميشيل أثناء مراقبته للأسماك في مياه البحر الأحمر في 2007 منظاراً خاصاً يظهر اللون الأحمر، فاكتشف أن أجزاء من جلد بعض الأسماك تضيء بهذا اللون، وبخاصة عند منطقة العينين. قاده ذلك تالياً الى اكتشاف عالم جديد مذهل، أكدّ من جديد، أهمية دراسة مملكة البحار التي لا نعلم عن كائناتها إلا القليل جداً.
اعتاد العالم الألماني نكو ميشيل من جامعة تيبنغن الغطس في مياه البحر الأحمر قبالة الساحل الشرقي لمصر في الربيع من كل سنة، لمراقبة الأسماك المختلفة والنظام البيئي الفريد الذي تؤمنه مياه البحر الأحمر الغنية بالأحياء.
وعلى عكس الاعتقاد الشائع الذي ينفي وجود اللون الأحمر في البحر إلا نادرا، اكتشف ميشيل ان الأسماك قادرة على تبادل إشارات لونية حمراء خفية.
يقول: على عمق 10 أمتار فما أكثر تصبح عملية الاحتفاظ باللون الأحمر وفصله عن بقية ألوان الطيف الضوئي اسهل، وتستطيع الأسماك ان تخزّن هذا الضوء في أجسادها او تعكسه، في حين ان ألوان الأسماك فوق هذا المستوى تميل الى الرمادي.
ويخف اكتظاظ مياه البحر بالكائنات بين 15 و20 متراً، ولا يستطيع الغواص أن يرى أي اثر للأسماك على هذا العمق، لكن ميشيل الذي يستخدم عدسات خاصة تظهر اللون الأحمر سرعان ما لمح العيون الحمراء والإشارات الخاطفة التي ترسلها الأسماك لبعضها بعضاً أو لإرهاب أعدائها المفترسين.
ويعزو ميشيل سبب ذلك جزئياً الى الخضاب المشعة التي تحملها بعض الأسماك في جلدها، والتي تعكس اللون الأحمر فقط، في حين تمتص كل الألوان الأخرى. ويرجع عدم رؤية الصيادين والغطاسين لهذه الألوان إلى إهمالهم لها لأنهم لم يتوقعوا رؤيتها.
ويقول العالم الألماني نيلز أنثينس زميل ميشيل في الجامعة: إن هذا الاكتشاف يثبت مرة أخرى أن معلوماتنا عن الفضاء أكثر منها عن مملكة البحار وأحيائها الهائلة، فالمنطقة الحيوية التي تشكل 75% من مساحة سطح الكرة الأرضية تفتقر الى الدارسين والباحثين الذين عادة ما يصنفون أحياءها وعوالمها وفق خطوط عمومية تخفي وتضلل أكثر مما تكشف.
وفي بداية البحث لم يجد ميشيل لا الدعم المادي ولا الوقت الكافي لمتابعة هذه الإشارات، فعاد الى ألمانيا واشترى أسماكاً تشبه التي شاهدها تضيء في البحر الأحمر ودرسها في مختبره في الجامعة.
واكتشف العالم الألماني ان معظم الأسماك التي تشع لوناً أحمر امتلكت خضاباً مميزة تسمى (إريدفوريس) توجد في الجلد تحت الحراشف، وتحتوي هذه الخلايا على نوع من الكريستال الذي يعطي السمك لونه الفضي، ويعتقد ميشيل ان الإشعاع لا علاقة له بطبقة الكريستال تلك، إنما سببه البروتين المشع الذي يوجد داخل هذه الطبقة، إذ تصنعه بكتيريا خاصة ثم تستخدمه السمكة في الأعماق.
وهذه النظرية ليست نهائية، ولم تقنع العلماء ولا حتى ميشيل نفسه، ولهذا قرر بدء عملية إحصائية تراتبية فعاد الى مياه البحر الأحمر، في حين قصد زميله نيلز أنثينس جزيرة ليزارد في الحيد المرجاني الكبير شمالي استراليا.
وتمكن العالمان من إيجاد 50 نوعاً تنتمي إلى 24 صنفاً من 12 سلالة مختلفة، تشع باللون الأحمر في الأعماق البحرية بين 10 و20 متراً تحت السطح.
كان الرأس والمنطقة حول العينين أكثر المناطق تلوناً بالأحمر، وكانت منطقة الذيل تشع بلون أحمر في حالات نادرة جداً لدى سمكة البايب من سلالة فرس البحر.
وكانت الدراسات اكتشفت مؤخراً أن بعض أنواع الطيور والعناكب وجراد البحر قادر على إضافة ضوء خافت الى مناطق الجلد وجعلها تشع بألوان بسيطة لكن مميزة تستخدمها لجذب انتباه بعضها بعضاً من أجل التزاوج، بالإضافة الى إخافة المفترسين المحتملين.
وهذا ما تفعله سمكة تريبلين النيوزلندية (نسبة الى جزيرة نيوزيلندا) التي تضيء زعنفتها الرأسية بلون احمر ثم تهزها بسرعة كبيرة جدا أعلى وأسفل للفت انتباه الإناث، في حين تشع بلون احمر في كل زعانفها لدى اقتراب خطر محتمل.
ويقول ميشيل إن الأسماك تستعمل لوناً أحمر ضعيفاً لإرسال إشارات الى بعضها بعضاً للتواصل في ما بينها عن قرب من دون لفت انتباه المفترسين.
ويضيف: السباحة في المياه قليلة العمق تبعد خطر المفترسين المتواجدين في المياه الضحلة، لكنها تمنع اتصال اسماك النوع الواحد في ما بينها بسبب الظلام الكثيف، ومن الحيوي جدا بالنسبة للنوع واستمراره ان يتمكن الذكر او الأنثى من إرسال إشارات خفيفة قادرة على لفت انتباه أحدهما، ومن هنا طورت الأسماك هذه الطريقة حتى تتواصل في ما بينها بعيدا عن خطر المفترسين.
هذا لا ينفي قدرة بعض المفترسين على التقاط هذه الإشارات والاستدلال على مكان الطريدة او حتى إرسال إشارات مشابهة تجذبها الى المصيدة مباشرة، فسمكة العقرب مثلا تضيئ بعض مناطق من جلدها بلون أحمر خفيف وتقف بثبات مدهش، وحين تقترب الطريدة وتصبح على بعد مناسب تنقض عليها بسرعة كبيرة جداً.
ولا ينفي العالم جستين مارشال من جامعة كوينزلاند في بريسبن باستراليا نظرية اللون الأحمر التي قدمها عالم الأحياء الألماني ميشيل إلا أنه يقول إنه بحاجة الى رؤية المزيد من الإحصاءات والتصنيف التراتبي لأنواع الأسماك المختلفة لا عينات عشوائية مختلفة حتى يقتنع بالسبب الحقيقي وراء إضاءة الجلد ببقع حمراء.
ويضيف: حتى الآن لم يثبت عملياً ان الأسماك تضيء جلدها ببقع حمراء لجذب الإناث، لذلك، يرى مارشال أن مزيداً من التجارب هو الحل الأمثل لهذه المعضلة، ومعرفة علاقة اللون الأحمر بالانجذاب بين الذكر والأنثى.
وهذا فعلاً ما يقوم به الآن، إذ بدأ مع زملائه بدراسات مكثفة على أكثر من 1000 سمكة، ويحاول الفريق حاليا التأكد من حساسية عين السمكة نفسها للون الأحمر، ويقول ميشيل: ان اكتشافه للون الأحمر في 2007 كان رسالة الى كل من لا يقدرون الطبيعة وعلومها الفريدة وينظرون الى الأحياء والبيئة الاحيائية بكثير من الملل وعدم الاهتمام، في حين أنها مجمع لا نهائي من الاحتمالات الكائنات.