من أسف أننا بتنا نسمع اللعن يلقي به اللاعنون يميناً ويساراً بكل سهولة، تجري به ألسنتهم وما يدرون أن اللعن كبيرة من كبائر الذنوب، وأنت الآن ترى بعض الناس وقد تساهلوا في أمر اللعن، فكثيراً ما تسمع هؤلاء يقولون لغيرهم: الله يلعنك، ويسهل على الكثيرين إطلاق اللعنات على الناس، وكل ذلك حرام في حرام، ويرجع أغلبه على قائله إذا لم يصادف من هو أهل له، كما أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبواب الأرض دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإن لم تجد مساغاً (أي: مسلكاً) رجعت إلى الذي لُعِن، فإن كان أهلاً وإلا رجعت إلى قائلها.

ومن عظم الجرم فقد ساوى النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم بين لعن المؤمن وقتله في الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي زيد ثابت بن الضحاك الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملكه، ولعن المؤمن كقتله.

الجهر بالسوء

وينسى اللاعنون والشاتمون قول الله عز وجل: لا يُحِب اللهُ الْجَهْرَ بِالسوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ، أما المؤمن الحق فلا يلعن ولا يطعن ولا يسب ولا يأتي الفاحش من القول ولا هو بالبذيء، فقد روى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البَذِيء، ووصية رسولنا لنا ولكل المسلمين ألا نكون لعانين، قالها للصحابي الذي سأله أن يوصيه، فقال صلى الله عليه وسلم: أوصيك بألا تكون لعاناً.

وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بالنار. وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ينبغي لصديق أن يكون لعّانا، وهي الواقعة التي ترويها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي بكر وهو يلعن بعض رقيقه فالتفت إليه وقال: يا أبا بكر أصديقين ولعانين؟ كلا ورب الكعبة (مرتين أو ثلاثاً)، فأعتق أبو بكر يومئذ بعض رقيقه، قالت ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا أعود.

والأحاديث كثيرة في تحريم اللعن ليس لعن الإنسان فقط، فحتى الدواب والبهائم والجمادات لا يجوز لعنها، فقد ذم صلى الله عليه وسلم لعن الحيوان والجماد أيضا، وأخرج مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة، قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد، وأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل لعن بعيره فيما رواه أنس أن رجلا كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير فلعن بعيره، فقال صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله لا تسر معنا على بعير ملعون.

لا شفاعة للعان

وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن ترك السب والشتم، حتى لو كان المرء مظلوماً، أطيب عند الله، ويروي أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً شتم أبا بكر والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويتبسم، وأبو بكر ساكت، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، قال: إنه كان معك مَلكٌ يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله، وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان، ثم قال: يا أبا بكر، ثلاثٌ كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله عز وجل إلا أعزه الله بها ونصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها قلة إلا زاده بها كثرة، وما فتح باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة.

ولا شفاعة للعان ولا للبذيء والسباب فقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم: إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة، وأسوأ من هؤلاء جميعاً من يلعن أبويه، وهو ما حذرنا منه الرسول الأكرم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم: إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه.

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أبا بكر رضي الله عنه عن قبر مر به وهو يريد الطائف فقال: هذا قبر رجل كان عاتياً على الله ورسوله وهو سعيد بن العاص فغضب ابنه عمرو بن سعيد وقال: يا رسول الله هذا قبر رجل كان أطعم للطعام وأضرب للهام من أبي قحافة فقال أبو بكر: يكلمني هذا يا رسول الله بمثل هذا الكلام فقال صلى الله عليه وسلم: اكفف عن أبي بكر، فانصرف ثم أقبل على أبي بكر فقال: يا أبا بكر إذا ذكرتم الكفار فعمموا، فإنكم إذا خصصتم غضب الأبناء للآباء، فكف الناس عن ذلك، وضرب الصحابة المثل الرائع في الامتناع عن اللعن والسب، فعن جابر بن سليم قال: قلت: اعهد إليّ يا رسول الله (أوصني)، قال: لا تسبنّ أحداً، قال: فما سببت بعده حراً ولا عبداً، ولا بعيراً ولا شاة، وكانوا يرون اللعن من أكبر الكبائر، ويروى عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه قال: كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه رأينا أن قد أتى بابا من الكبائر، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: إن أبغض الناس إلى الله كل طعان ولعان.