أوصانا صلى الله عليه وسلم بفضيلة الصبر في كل المواقف وتحت كل الظروف، وعلّمنا صلوات الله وسلامه عليه أن الصبر دليل على قوة الإيمان وصدق اليقين، وأن الصابر على المصائب يرتقي بنفسه إلى مرتبة السمو الروحي، وأن الذين يصبرون صبراً جميلاً يحظون بعفو الله ورحمته وينالهم فضله وكرمه، وتنتظرهم حسن العاقبة في الدنيا والآخرة .

والصبر كما يقول د . علي جمعة مفتي مصر هو أن يلتزم الإنسان بما يأمره الله به فيؤديه كاملاً، وأن يتجنب ما ينهاه عنه، وأن يتقبل بنفس راضية ما يصيبه من مصائب وشدائد، ومن شأن المسلم أن يتجمل دائماً بالصبر، ويتحمل المشاق، ولا يجزع، ولا يحزن لمصائب الدهر ونكباته يقول الحق سبحانه: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين . . وهذا يعنى أن المؤمن الحق هو الذي يرضى بقضاء الله وقدره ويقابل كل المصائب بنفس راضية متطلعة إلى الأجر والثواب من الله عز وجل .

توجيهات نبوية

ومن أهم التوجيهات النبوية التي حثنا فيها رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه على التخلق بفضيلة الصبر، والتحلي بهذه الصفة الكريمة قوله صلى الله عليه وسلم ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً أوسع من الصبر .

وأوضح لنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه أن شكر المؤمن لخالقه وصبره على ما يصيبه به من ضر وبأس يجلبان للإنسان الخير والرضا والطمأنينة التي تسعده في حياته الدنيوية والأخروية فقال عليه الصلاة والسلام: عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له .

والصبر كما يعرفه علماء الأخلاق هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع وضده الجزع .

والجزع: هو حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده لشدة اضطرابه وذهوله .

ورسولنا صلى الله عليه وسلم يوصينا دائماً بفضيلة الصبر، ويعلمنا من خلال العديد من توجيهاته النبوية الكريمة أن العقلاء من الناس في كل زمان ومكان هم الذين يوقنون أن الحياة صراع بين الحق والباطل ونزاع موصول بين الخير والشر، وأن أحداثها عندما تستحكم، ومصائبها عندما تتوالى، وليلها عندما يطول، فلا أمل في انكشاف أثقالها إلا عن طريق الصبر . ولذلك ينبهنا صلوات الله وسلامه عليه إلى أن الصبر على المصائب وتقبلها بصدر رحب يكفر للإنسان كل ذنوبه وخطاياه فيقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري: ما يصيب المسلم من نصب أي تعب ولا وصب أي مرض ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه .

أنواع الصبر

وقد قسم العلماء الصبر إلى ثلاثة أنواع رئيسة هي:

صبر على طاعة الله تعالى . . ويتحقق عن طريق أداء التكاليف الشرعية باتقان وإحسان ومداومة وإخلاص، ولا شك أن هذا الأداء الجامع لكل ألوان الخير والفضل يحتاج إلى جهد وتعب ومشقة وصبر على أداء هذه الطاعات وصدق الله إذ يقول: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين .

أي: واستعينوا أيها الناس على ترك ما تحبون من شهوات الدنيا بفضيلة الصبر، وبفضيلة الصلاة التي تنهاكم عن الفحشاء والمنكر، وإن الصلاة لشاقة إلا على الخاشعين الخاضعين لأوامر الله تعالى .

صبر على المعاصي . . أي حرص دائم على الابتعاد عنها، ولا شك أن ذلك يكلف الإنسان ما يكلفه من صبر وتحمل ومعاناة، لاسيما في زمن كثرت فيه المغريات، وصارت فيه الشهوات المحرمة قريبة المنال . . وفي الحديث الشريف حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات .

صبر على المصائب التي تصيب الإنسان في نفسه أو ولده أو ماله أو غير ذلك من النوازل التي تحزن وتؤلم . . وقد أخبرنا القرآن الكريم في كثير من آياته أن هذه الحياة عرضة للآلام والمتاعب وأن الناس فيها يجب عليهم أن يوطنوا أنفسهم على تحمل أعبائها بصبر وجلد .

ومن الآيات التي قررت هذه الحقيقة قوله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون .

والمعنى الذي ترشدنا إليه هذه الآيات الكريمة: ولنصيبنكم أيها المؤمنون بشيء من الخوف، وبشيء من الجوع، وبشيء من النقص في الأنفس والأموال والثمرات، وبشر أيها الرسول الكريم الصابرين على هذه المصائب بالأجر الجزيل، وهم الذين إذا نزلت بهم مصيبة قالوا إن لله ملكاً وتصرفاً، إنا إليه راجعون يوم القيامة، فيجازينا الله على صبرنا وعلى رضائنا بقضائه وقدره .

هؤلاء الذين أصبحت فضيلة الصبر كالطبع فيهم لهم مغفرة عظيمة لتحليهم بفضيلة الصبر . . فالآيات كما نرى مدحت الصابرين مدحاً عظيماً، وبشرتهم بحسن العاقبة في الدنيا والآخرة .

لا جزع ولا خنوع

والصبر الذي أمرنا به خالقنا عز وجل في كتابه العزيز، وأوصانا به رسوله الكريم في العديد من توجيهاته الشريفة لا يعنى أبداً الخنوع والاستسلام للواقع الذليل والرضا بالهوان والضعف، والسكوت عن الظلم والتثاقل عن أداء الواجب . .

يقول د . سالم عبدالجليل وكيل وزارة الأوقاف المصرية: الصبر الجميل الذي مدحه الله تعالى وأوصانا به رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم هو الذي يحمل صاحبه على بذل أقصى الجهد لاعتناق الفضائل، واجتناب الرذائل، وعلى السعي في الأرض بالطرق الشريفة لتحصيل المنافع التي أحلها الله تعالى، وللتعاون مع الغير على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان .

الصبر الجميل هو الذي يدفع صاحبه لتخطي العقبات وتحمل التبعات من أجل نشر الأمان والسلام والرخاء والعلم النافع، والخير الوفير بين الناس، ولذا قال أحد الحكماء: الصبر هو تعويد النفس الهجوم على المكاره .

وقال حكيم آخر: تجرع الصبر فإن قتلك قتلك شهيدا، وإن أحياك أحياك عزيزا . وليس معنى ذلك أن الصبر يناقض الإحساس بالحزن، والشعور بالآلام، لأن هذا الشعور وذلك الإحساس أمران طبيعيان في كل نفس إنسانية سوية، وإنما الذي تأباه شريعة الإسلام هو الخضوع الخانع لهذا الإحساس، والتصرف الذي يأباه الشعور الإنساني السليم، كأن يجزع الإنسان جزعاً يدل على عدم رضاه بقضاء الله وقدره وكأن يظهر من الهلع والخوف ما تأباه الرجولة ومكارم الأخلاق .

كفارات للذنوب

لكن: هل الجزاء الذي يناله المؤمن الصابر على المصائب يكون على مجرد الإصابة أم على الصبر عليها؟

الأحاديث الصحيحة توضح أن الأجر والثواب يتحقق بمجرد حصول المصيبة . . أما الصبر عليها والرضا بها فقدر زائد يمكن أن يثاب عليه زيادة على ثواب المصيبة .

جاء في الحديث الصحيح أنه لما نزلت الآية الكريمة: من يعمل سوءا يجز به بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً وأصابت بعضهم بالهلع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم موضحاً وموجهاً ومعلما: قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها . . فالإنسان خطاء وخير الخطائين التوابون، وقد جعل الله تعالى الأعمال الصالحة وما يصيب الإنسان من بلاء وشدة كفارات للذنوب حتى ولو لم يكن للإنسان ذنوب فهي ترفع الدرجات . . ولهذا ورد في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحدا أشد عليه الوجع من رسول الله . . وجاء في الحديث الصحيح عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه .

وما يجري على الأفراد يجري على المجتمعات فالله سبحانه وتعالى قد يبتلي المجتمعات بالشدة والقحط تنبيهاً لأخطاء عامة أو دفعاً لها إلى الصراط المستقيم . . يقول سبحانه: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون .