الماكياج من أهم عناصر العمل السينمائي، إلا أن استخدامه في السينما المصرية ظل مقتصراً على عنصر التجميل فقط، باستثناء بعض الأفلام التي لعب فيها دوراً مهماً ورئيساً، مثل فيلم إسكندرية كمان وكمان للمخرج يوسف شاهين، وأيظن عندما ارتدت مي عز الدين دمية ضخمة لزيادة حجمها، فيلم إدرينالين للمخرج محمود كامل، وفيلم الداده دودي لياسمين عبدالعزيز .

وفي موسم عيد الأضحى الماضي عرضت ثلاثة أفلام من بين أربعة كان الماكياج هو البطل الأول فيها، وهي إكس لارج للفنان أحمد حلمي، وسيما علي بابا للفنان أحمد مكي، وكف القمر للفنانة وفاء عامر وصبري فواز . وفي التحقيق الآتي نستعرض دور الماكياج مع أهم المتخصصين فيه .

نجح إكس لارج في الاستعانة بعنصر الماكياج وجعله بطلاً رئيساً، وذلك لاستعانة مخرجه شريف عرفة بالماكيير الخاص لبراد بيت في فيلمه الشهير حالة بنيامين، حيث بدا حلمي فعلياً شاباً شديد البدانة، ثقيل الحركة، بالكاد يعرف المشاهد ملامحه ولم يظهر حلمي بطل فيلم إكس لارج إلا في مشهد واحد فقط بملامحه، ووزنه المعتاد . أما وفاء عامر في فيلم كف القمر فقدمت دور سيدة عجوز وظهرت أغلب الفيلم بملامح مختلفة عنها، إلا أن ماكياج وفاء ظهر فقيراً جداً وبدت مواد الماكياج نفسه واضحة تماماً على وجهها .

وفي فيلم سيما علي بابا للفنان أحمد مكي ظهر أغلب أبطاله في الفيلم بماكياج لمخلوقات فضائية وصل مستواه إلى مستوى الأفلام الأمريكية، حيث تميز العمل بعنصري الماكياج والديكور .

ذلك الفارق الكبير بين مستوى الماكياج في السينما المصرية وبين مستواه في السينما العالمية، دفع صانعي فيلم أسماء إلى الاستعانة بماكييرة أمريكية لتبدو هند صبري أقرب إلى الهزال والمرض الذي أصاب شخصية أسماء .

عن أسباب ضعف مستوى الماكياج في السينما المصرية وكيفية الارتقاء بهذا العنصر يقول الماكيير محمد عشوب رئيس شعبة الماكياج بنقابة المهن السينمائية إن المشكلة تكمن في النجوم والنجمات الذين يستعينون في أعمالهم بمتخصصي ماكياج ليسوا أعضاء في شعبة نقابة المهن السينمائية وتجاهلهم لأعضاء النقابة، رغم كونهم الأكثر تخصصاً، موضحاً أنه بدأ في مطاردة هؤلاء الأشخاص مؤخراً بمساعدة النقابات الفنية عن طريق إرسال خطابات إلى الجهات الإنتاجية والأمنية بعدم الموافقة على دخول أي شخص منهم إلى موقع التصوير، إلا إذا كان يحمل عضوية نقابة المهن السينمائية أو التمثيلية، كما تقدم بطلب إلى وزير القوى العاملة لتحرير محاضر فورية للذين يعملون في المهنة دون ترخيص، مشيراً إلى أنه وضع إجراءات صارمة للماكييرات والكوافيرات اللواتي تقدمن بطلب الحصول على العضوية .

وأضاف عشوب: إن نقابة المهن السينمائية تعتزم إنشاء مدرسة خاصة تابعة للنقابة لتعليم فنون الماكياج لطلبة السينمائيين، ويدرس حالياً أعضاء مجلس إدارة النقابة ونقيب السينمائيين وضع الضوابط والمعايير لتشغيل المدرسة .

الماكيير الشاب تامر عبد الوهاب يؤكد أن مستوى الماكياج في مصر عالٍ جداً ولا يقل عن المستوى العالمي، ولا توجد أزمة في المهنة ولكن الأزمة برأيه تتمثل في النظام القائم بصناعة السينما في مصر، حيث ينظر كثير من صناع السينما إلى الماكياج باعتباره عنصراً غير مؤثر، لذا نجد أن المنتجين يضعون ميزانية هزيلة جداً للماكيير، لا تعطيه الفرصة لاستخدام الخامات التي تساعده على إتقان عمله فتأتي النتيجة ضعيفة، في حين أنهم يسخرون للماكيير الأجنبي جميع الإمكانات اللازمة التي تساعده على إنجاز عمله على أفضل وجه، كما يعطونه أجراً كبيراً جداً بعكس الماكيير المصري الذي يحصل على أجر ضعيف .

أما الماكيير سامح حنفي فيوضح أن هناك أزمة كبيرة يعانيها الماكيير المصري، فلا وجود لمعاهد متخصصة لتدريس الماكياج، خصوصاً بعد إغلاق قسم الماكياج في معهد الفنون المسرحية منتصف الثمانينات، وهو الجهة الوحيدة التي كانت تدرس الماكياج في مصر، وعلى الماكيير المصري أن يلجأ للدراسة بالخارج حتى يستطيع إتقان مهنته، ولاسيما فيما يخص ماكياج التشوهات والحوادث وغيره من العناصر العالمية للمهنة . وأضاف سامح: إن شعبة الماكياج في نقابة المهن السينمائية لا توفر أي دورات أو أي تواصل بين المعاهد المتخصصة أو متخصصي الماكياج العالميين والمصريين، ولا تكتفي بذلك بل تمنع الأجانب منهم من العمل بسبب القوانين التي تفرضها، معتبراً أن وجود هؤلاء الاختصاصيين هو الفرصة الوحيدة للماكيير المصري للتعلم والاحتكاك بالآخرين، إضافة إلى أن شعبة الماكياج هي الوحيدة في نقابة السينمائيين التي تقبل بمؤهلات متوسطة وبغير مؤهلين للعمل .

وأكد سامح أن الأزمة لا تتوقف عند هذا الحد بل تمتد إلى كون أغلب الأعمال الفنية المصرية تعتمد على نوع واحد هو الماكياج التجميلي فقط للنجوم، وبالتالي يخرج الفنان بنفس الشكل المختلف في بعض الأحيان عما يراد تقديمه في الشخصية التي يؤديها، إضافة إلى أزمة أخرى يواجهها الماكيير المصري، وهي عدم توافر الأدوات والخامات المستخدمة في مثل تلك النوعيات من الماكياج بسبب منع الدولة استيراد تلك النوعية من الأدوات ووضع عراقيل كبيرة لاستيرادها، خصوصاً أن الداخلية تتعامل مع الماكيير وحقيبة الماكياج على أنها تهديد للأمن القومي .

بدوره يرى المخرج خالد يوسف أن مستوى الماكيير المصري رائع جداً ولا بد من تشجيعه وعدم الاستعانة بمتخصص من الخارج، مؤكداً أن ماكياج وفاء عامر في كف القمر، الذي نفذه شريف هلال كان رائعاً على عكس رأي جميع من شاهدوا الفيلم .

أما المخرج عادل أديب فاختلف في الرأي مع المخرج خالد يوسف، حيث أكد عادل أن قطاع التجميل في مصر يعاني أزمة حقيقية، وهذا ما شاهده بنفسه في فيلم ليلة البيبي دول، حيث كان الماكياج عنصراً ضد العمل بسبب استعانته بفريق عمل مصري، لذلك حرص على الاستعانة بماكييرة أمريكية في مسلسله الجديد باب الخلق حتى يخرج العمل جيداً . وأوضح عادل أن عنصر الماكياج من أهم عناصر العملية الفنية في كثير من الأعمال، وأن نجاحه هو أحد أهم أسباب نجاح العمل، ويرى عادل أن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم توافر متخصصي تجميل مدربين على الماكياج السينمائي بعيداً من الماكياج التجميلي الذي يمكن لأي ماكيير عادي أن يقوم به .

واتفق المخرج إسماعيل مراد مع عادل أديب في ضعف مستوى أغلب المتخصصين المصريين واعتمادهم فقط على الماكياج التجميلي بسبب اختفاء عنصر الخبرة، حيث لا يهتمون بتطوير مهنتهم من خلال السفر والدراسة بالخارج .

المشكلة أعمق من ذلك برأي الناقد وليد سيف الذي يؤكد أن هناك عدة عناصر تؤثر في مستوى مهنة الماكياج في مصر أهمها عدم احترام التخصص والدراسة، حيث يتم التعامل مع الماكياج باعتباره عنصراً غير أساسي والمخرجين الذين يهتمون بهذا العنصر هم المخرجون الذين يتعاملون مع السينما باعتبارها لغة الصورة مثل المخرج شادي عبد السلام، في حين أن كثيراً من مخرجي السينما المصرية يغلبون الموضوع على الصورة ولا يهتمون بجمالياتها وإن كان هناك عدد من الأفلام في السنوات الأخيرة أصبحت تهتم بهذا العنصر مثل فيلمي أحمد حلمي وأحمد مكي الأخيرين .

السبب الثاني برأي سيف يعود إلى أن ميزانية الأفلام تلتهمها في العادة أجور النجوم الكبيرة نسبياً، في حين أن باقي العناصر ومنها الماكياج لا يحصل إلا على نسبة ضئيلة جداً من ميزانية الفيلم تحول دون استخدام الخامات المناسبة والآمنة وهي خامات مكلفة جداً، لذا يظهر الماكياج غالباً بالشكل الهزيل الذي نراه في السينما المصرية . إضافة إلى أن الماكياج مرتبط بعناصر كثيرة، كما يقول سيف، مثل الإضاءة والتصوير لأن هناك مشاهد يمكن أن تظهر بشكل مختلف بعد الطباعة والتحميض، لذا لا بد من وجود عاملين على الكاميرا من فنيين ومديري تصوير لديهم الخبرة لمعرفة الشكل النهائي الذي ستخرج به الصورة .

سبب آخر مهم ومؤثر، برأي سيف، وهو عنصر التوريث في كل المهن المصرية ومن بينها الماكيير، حيث يحرص الآباء على توريث ما يسمى بأسرار المهنة لأبنائهم فقط ولا يهتمون بتعليم الأجيال الجديدة، ما يضيّق الحلقة التي تستفيد من خبرة هؤلاء .

المنتج والموزع محمد رمزي اختلف مع وجهة نظر سيف قائلاً: ميزانية الماكياج في الأفلام المصرية كبيرة وليس كما يتخيل البعض، خصوصاً أن جهة الإنتاج تأتي بماكيير للعمل، إلا إذا أتى فنان بماكيير خاص به تحسب ميزانيته على العمل حتى لو لم يكن دوره يتطلب إلا ماكياجاً تجميلياً فقط، ما يرفع كثيراً من ميزانية العمل . وأوضح رمزي مراراً وتكراراً حاولنا الاستعانة بماكيير واحد يستطيع أن يخرج الشخصيات كما هو مرسوم، إلا أننا لم نستطع السيطرة على النجوم وعلى طلباتهم .

أما عن رأيه في مستوى متخصصي الماكياج فأوضح أن العديد منهم يتميز بمستوى جيد، إلا أن نوعية الأعمال الفنية المصرية في الأغلب لا تستوجب ظهور كل طاقاتهم الإبداعية إلا في عدد قليل من الأعمال، والتي في الأغلب يلجأ مخرجوها إلى الاستعانة بأجانب تخوفاً من النتيجة النهائية للعمل، خصوصاً أن فشل الماكياج في نوعيات أفلام التشويق أو الخيال يؤدي إلى فشل العمل كله، فالجمهور أصبح منفتحاً على السينما العالمية، وبالتالي يجب أن يكون الماكياج جيداً حتى يقبله .

الناقد نادر عدلي أوضح أن مستوى الماكياج في مصر سيئ وخصوصاً عندما نقارن بين وفاء عامر في فيلم كف القمر التي لم يقنع ماكياجها أي أحد على عكس ما حدث في فيلم إكس لارج، الذي استعان فيه المخرج شريف عرفة بفريق أجنبي، ما يوضح الفرق الكبير الذي نعاني منه، حيث تحول الماكياج إلى أهم عناصر العمل بل تفوق على عنصر الإخراج والتمثيل، لأنه استطاع إقناع الجمهور أن حلمي - الذي يعرف الجميع أنه فنان شديد النحافة - إنسان بدين، وليدخل المتفرج إلى عالم تلك الشخصية دون أي حواجز وليصبح فيلم إكس لارج علامة فارقة في صناعة السينما بمصر، لأنه أرانا تطوراً مهماً على عنصر الماكياج لم نشهده في السينما المصرية .

واستطرد عدلي قائلاً: عنصر الماكياج في السينما المصرية، للأسف، من العناصر المهملة منذ إغلاق قسم الماكياج بالمعهد العالي للفنون المسرحية منذ ما يقرب من 20 عاماً، وبالتالي لم يحدث أي تطور للماكيير المصري، فنحن نرى النجم بنفس الشكل في أي عمل يقدمه، رغم اختلاف الشخصية، متناسين أنه ليس من المنطق أن يكون شكله واحداً، رغم أنه يؤدي شخصيات مختلفة ومتعددة .