القاهرة: «الخليج»

هل الثقافة العربية هي ثقافة الوقوف على الأطلال؟ سؤال يفرض نفسه دائماً بسبب انتشار نبرة البكاء والحزن العميق والشجن المغلف بنظرة طويلة إلى الماضي، والحنين المبتور لذكريات مرت وأحداث انتهى عصرها.
يمتلئ الشعر العربي ببكاء مرير، وكذلك كثير من المجموعات القصصية، والرواية، ما هي الأسباب وراء ذلك، وكيف يمكن أن تتخلص الثقافة العربية من نغمة البكائيات الصعبة هذه، خاصة أننا نعيش في عالم يموج بالتحولات الكبرى السياسية والاجتماعية والاقتصادية؟
يقول الشاعر محمد سليمان: هذه نغمة ستظل لزمن طويل قادم، لأننا ما زلنا نعيش في صراعات الماضي.
الإرهاب والتطرف يدفعان الشعراء والكتاب للنواح والبكاء، لأن ما يحدث هو جزء من الواقع، والكاتب ابن واقعه، الشاعر يعيش في مركز الواقع وعناصر هذا الواقع وتحولاته هي عناصر ومفردات إبداعه، للأسف نعيش في ما قبل الحداثة بخلاف الآخرين، كل القضايا التي أثيرت في بدايات القرن العشرين مثل تحرير المرأة هي ما زالت قضايانا حتى الآن، لم نخط خطوة للأمام، كل ما حدث كان محاولات لكنها أجهضت.
فمن الطبيعي أن نجد عند شعراء وروائيين كثيرين هذا النواح والبكاء الطويل، والشجن المرير، ولن نخرج من ذلك إلا إذا اتجهنا إلى الحضارة الحديثة والتقدم، وأصبحت عندنا نظرة مستقبلية للأشياء، ولما يدور من حولنا.
ويضيف سليمان «الشاعر دائماً حالم، والأمل ابن الحلم، المبدع يحلم ويقف دائماً في صف المعارضة، سنجد الأمل والفرح أحياناً عند بعض الشعراء، وفي بعض القصائد، لكن نجد عند الأكثرية البكاء موجوداً، آخر قصيدة كتبها نزار قباني «متى يعلنون موت العرب»، عشنا نصفق كثيراً للوحدة العربية، لكن ظل هذا حلماً لم يكتمل.
ونحن طلاب في الجامعة في السبعينات، كان يحدونا الحلم، وخرجنا في تظاهرات كثيرة دفاعا عن القضية الفلسطينية، من الطبيعي أننا عشنا تحولات ورأينا كماً كبيراً من الهزائم والتمزقات، هناك الآن التمزق السوري، وأيضاً العراق، وليبيا، زادت مآسينا كثيراً وأعتقد أننا نعيش حروباً سوف يتمخض عنها عالم عربي جديد، لا أستطيع أن أحدد صورته الآن.
ويضيف سليمان قائلاً: الماضي جزء من تكوين الإنسان العربي، عالمنا العربي في مناطق كثيرة منه يعاني الفقر والتهميش، وهناك احتياج للآخر بشكل مستمر، الآخرون يتحكمون في مصائرنا، نحن نعيش في مصر على 7% من المساحة في حين بقية المساحة المصرية خالية، وكذلك هناك فقر مائي يهدد بكارثة، فلا توجد مقومات زراعية، أو صناعية، كذلك العالم العربي أهمل التعليم بشكله الحديث ما يخلق طوائف متطرفة، وهناك تفكيك للمجتمع أيضاً، أقول في آخر قصيدة لي:
حتى الحالة الفلسطينية والكتابة عنها أصبحت جزءاً في حين تزايدت الكتابة عن المواجع الشخصية، والقضايا الإقليمية، وحالة الخوف والهلع والرعب. المستقبل مخيف بالنسبة للكتاب والأدباء والمواطن العادي أيضاً، ويرى سليمان أن هناك ما يمكن أن يسمى توظيف الماضي بشكل إيجابي في الإبداع، فأمل دنقل على سبيل المثال، كان يسخر من الحروب، وهنا نجد توظيف فكرة «الماضي» الإيجابي، وهذا ما نجده في معظم قصائد أمل دنقل، وكذلك في كثير من نصوص محمود درويش، وحلمي سالم، ومحمد عفيفي مطر، وصلاح عبد الصبور، هنا لا نجد ذلك الحزن المجاني بل نجد تحاوراً مع الماضي وليس بكاء عليه، نجد توظيف الماضي ليخدم قضايا أكثر واقعية في السياسة والمجتمع، وهذا ما نراه أيضاً في بعض الأعمال الروائية عند نجيب محفوظ، وجمال الغيطاني، وبهاء طاهر، ومحمد المنسي قنديل، وآخرين.
ويؤكد الناقد د. مدحت الجيار، رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة الزقازيق، أنه بالرغم من الكم الهائل من الأبحاث السيكولوجية عن الإبداع في السنوات الأخيرة مازال هناك اتفاق فكري محدود بين الجميع عن ماهية الإبداع، وربما كانت أكثر التعريفات شيوعاً هي أن الإبداع هو تلك المقدرة على خلق شيء جديد، غير أن البعض لا ينظر إلى الإبداع باعتباره مقدرة، وإنما باعتباره عملية سيكولوجية يتم من خلالها خلق منتجات جديدة، ومفيدة، ومن هنا سنجد أن نفسية المبدع العربي مسكونة بالحنين والشجن، مأخوذة دائماً إلى الذكريات والماضي بصوره المتعددة، والمأزومة في أحيان كثيرة، فالماضي عادة مرتبط بالفقد والبكاء على الأطلال، والتذكر القاسي المصحوب بالألم.
ويرى د. الجيار أن على المبدع العربي- شاعراً كان أو سارداً- أن ينظر لأبعد من ذلك، وعلى المنتج الإبداعي أن يفي بمعيار جديد وهو أن يخلق بدوره ظروفاً جديدة من التجربة الإنسانية، ولكي يحقق ذلك يجب أن يتجاوز التجربة الإنسانية المتفق عليها بين الجميع، باستحداث قواعد وأسس جديدة تغير من تصور الإنسان للأشياء، وإذا كان الإبداع ببساطة شيئاً ضرورياً وأساسياً لممارسة أنشطتنا في الحياة، فإنه أيضاً يعكس قدرتنا على التكيف مع التغيير، فهو أصل استمرار وجود الإنسان. وفي عصر التغير الاجتماعي والتكنولوجي الفائق تصبح مثل هذه القدرة على التكيف شديدة الأهمية لإحداث نوع من التوازن ما بين الإبداع والبيئة التي تتغير باستمرار.
لابد من تحرير الطاقات الإبداعية العربية من حيز الأزمنة الماضوية والبكاء على الأطلال، والخروج من الدائرة المحكمة التي يدور الكثيرون فيها، علماء النفس يؤكدون أن طبيعة الإبداع هي «التجاوز» والإفلات من طرق التفكير القديمة، ولو تم ذلك فهي خطوة مهمة لكي يعيش المبدع حياة أكثر إبداعاً.
ويقول الكاتب المسرحي عبدالغني داود: ما يحدث هو بكاء حقيقي، وهو جزء أصيل من تراثنا الشعري، القصيدة القديمة كانت لابد أن تبدأ بالبكاء على الأطلال، حتى في قصائد الغزل، في مصر الماضي العريق جعل كل الكتاب يحدث عندهم التباس واللجوء إلى الحضارة القديمة، ويتلبس كثير من الكتاب الأوهام، وفي التراث الشعبي السيرة الهلالية فيها تحفيز على الوحدة العربية لمواجهة المخاطر التي تحيط بهم، في فترة كانت الوحدة العربية فكرة قوية- في العصر الحديث- لكن بعد ضياع القضية الفلسطينية ضاعت أشياء كثيرة.
منذ عزيز أباظة في مسرحية «الأندلس» في بداية الأربعينات، حتى محفوظ عبدالرحمن في مسلسل اسمه «سقوط غرناطة»، وهي نصوص مشحونة بالألم، وأعيد صياغة البكاء على الأطلال في زماننا الحديث حول أمجاد العروبة والإسلام والوحدة العربية. وكذلك في مصر البكاء على الحضارة القديمة.
البكاء على الأطلال جزء أساسي في تاريخ القصيدة العربية، وما زال هذا المد الإبداعي مستمراً، ويرجع ذلك لأننا ما زلنا نعيش في زمن الهزيمة لفكرة العروبة، وكذلك جرح فلسطين النازف دائماً الذي يجرح الجميع، ويضيف داود قائلاً: الإبداع الشعبي أكثر نظرة للمستقبل من كثير من الكتاب الذين ينتمون إلى الحداثة، وهذا ما نجده في مربعات «ابن عروس» وكذلك في «السيرة الهلالية». وفي الأعمال المسرحية التي توظف الفولكلور هناك حالة من الحنين لكنها ليست تباكياً على الماضي، كذلك فيها حالة من المعايشة مع الحياة، وكذلك دعوة لاستخدام الحكمة في معالجة الأمور.
ويتفق مع هذه الرؤية الشاعر والباحث الشعبي مسعود شومان قائلاً: «إن الأدب العربي استفاد من الموروث الشعبي كثيراً في هذا الجانب، فالموروث الشعبي مصدر قوة وتواصل وجداني للأدب الرسمي، وظهر هذا الاعتماد بصورة جلية في الحركات الأدبية الحديثة كالرومانسية والرمزية والواقعية، نجد ذلك عند بدر شاكر السياب في قصيدته الشهيرة «غريب على الخليج» التي يظهر فيها هذا التوظيف حيث يقول: «بالأمس حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراق/ وكنت دورة أسطوانة/ هي دورة الأفلاك من عمري، تكرر لي زمانه/ هي وجه أمي في الظلام/ وصوتها، ينزلقان مع الرؤى حتى أنام/ وهي النخيل أخاف منه إذا ادلهم الغروب/ فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوب/ من الدروب/ وهي المغلية العجوز وما توشوش عن حزام/ وكيف شق القبر عنه أمام عفراء الجميلة/ فاحتازها الا جديلة».
وهذه اللوحة الفنية للسياب، تحكي مشاهد وصوراً ريفية، وتمثل نوعاً من التعبير تنقل الأشياء في حدود بيئتها الريفية، فنرى صورة الأم التي تحكي الحكايات لولدها، وحكاية الأشباح التي تنتشر في الظلام، وتختطف الأطفال الذين لا يرجعون لبيوتهم قبل حلول الظلام.
ونجد ذلك أيضاً في قصائد صلاح عبد الصبور، خاصة في ديوانه الأول «الناس في بلادي»، وكذلك في دواوين سميح القاسم، وممدوح عدوان، ومحمد الفيتوري، وصلاح جاهين، وفؤاد حداد، ويضيف شومان قائلاً: الموروث الشعبي له أثر واضح في ظهور حالة الشجن والبكاء في الأدب العربي الحديث باعتباره أحد الروافد المهمة لتشكيل وعي المبدع العربي. وقد وجدنا على سبيل المثال الإبداع النوبي خاصة في مجال الرواية يتخذ من حالة البكاء على «النوبة» القديمة مجالاً للكتابة، وكذلك عملية التهجير التي تمت في ستينات القرن الماضي بعد بناء السد العالي. ونتيجة لذلك نجد الأدب النوبي يركز على تلك التهجيرات المفزعة، فصار أدباً مأسوياً غريقاً من خلال كتابة مغرقة في الحنين للماضي والبكاء عليه، ويحتوي هذا الأدب على كمية هائلة من الألم الصعب.
ويقول القاص والشاعر سمير الفيل، الكاتب العربي ابن المأساة، فقد مر الكثير من الآباء بمآسٍ شتى على المستوى الشخصي، وعلى المستوى العام أيضاً، ما جعل البعض يحس بالغربة والعزلة، وهذا ما يوجد حالة من التباكي على الماضي واللجوء إلى أزمنة غابرة لمواجهة الواقع بتحدياته الصعبة والقاتلة.
ويضيف الفيل قائلاً: لكي يخرج الأدباء العرب، الشعراء أو الروائيون، من هذه الحالة، عليهم أن يكونوا أكثر تجريباً في الكتابة، والبحث عن صيغ جديدة في التعبير عن مشاعرهم، لأن اللجوء إلى «البكاء، أو النواح» يأخذ الكتابة إلى حيز المباشرة والتقريرية، ما يخرجها من حيز الإبداع، ويجعلها كتابة لا طعم لها، ولا رائحة.
على المبدع أن يضفر رؤيته بنظرة أكثر واقعية، وأن يحاول أن يحمل كتابته نظرة تفاؤلية، فالمبدع في الأساس هو أحد صناع الأمل في الحياة. لم يعد ذلك الزمان هو زمن البكاء على الأطلال، في ظل عالم كوني ينحاز إلى البعد الإنساني أكثر، وفي ظل وسائل الاتصال الحديثة التي لم تعد تعترف بالانحياز للماضي، إنما تنحاز إلى علم المستقبليات في جميع الفنون والآداب. وعلى المبدع العربي أن يوسع من نظرته للعالم حتى يصبح له مكان في خريطة الثقافة العالمية الحديثة، وأن يقدم الصورة الجيدة لواقعه بديلاً عن التقاط المآسي والأحزان فقط، فالتنوع سمة الإبداع الجيد الآن.