تحفل الدولة بكثير من العادات التي تتوارثها الأجيال منذ القدم، وتعتبرها ركيزة أساسية في تشكيل شخصيات أفرادها وموروثهم الحضاري والاجتماعي والثقافي، ما جعلها واحدة من الدول الرائدة اجتماعياً وثقافياً. ولا يزال أهل الإمارات الأكثر تمسكاً بعاداتهم التي نضجت مع الأيام، لتكون شاهداً حقيقياً على متانة العلاقات الاجتماعية وحضورها وريادتها في تكوين مجتمع خالٍ من العنف قريباً إلى الود وإشاعة الحب والتراحم، فضلاً عن تعزيز الولاء والانتماء.
فالمجالس الاجتماعية العائلية من بين تلك العادات التي ما زال المجتمع الإماراتي متمسكاً بها، وهي من الأسس التي ترتكز عليها ثقافة العلاقات المجتمعية وأواصر القربى، وتحفل بأنشطة التعارف ومناقشة جميع القضايا التي تهم العائلة أو القبيلة. وتلك المجالس تعد موروثاً قديماً يتوارثه الأبناء عن الآباء والأجداد جيلاً بعد جيل، لما له من أثر في تقوية الروابط والعلاقات بين أفراد العائلة الواحدة والمجتمع ككل.
علي بن سعيد الدهماني، مسؤول منطقة المنيعي، يقول: «المجالس العائلية فرصة للقاء الأصحاب والأهل والجيران في مكان واحد، لتبادل الأحاديث والموضوعات الاجتماعية والتراثية والوطنية وغيرها، وهي عادة سنّها الأجداد ولا تزال تحظى باهتمام كبير وقوي من جميع أبناء القبائل في الدولة. فهي بمثابة إعادة اللّحمة العائلية بين أفراد الأسرة التي شغلتها الدنيا بأعمالها».
ويضيف: «أتواصل مع أبناء القبيلة بشكل خاص وأبناء منطقة المنعيي في مجلسي، ونتحاور ونتبادل الآراء والأفكار التي تصب في مصلحة المنطقة وأبنائها ومصلحة الوطن بشكل عام، مما يسهم في زيادة التماسك بين أبناء الجيل الجديد ويزيد الألفة والمحبة والتعاون بين الجميع، كما تساهم المجالس في احتضان الشباب وإبعادهم عن الانحراف واستغلال طاقتهم في خدمة المنطقة والوطن، فضلاً عن تعزيز الولاء والانتماء للقيادة في نفوسهم».
ويرى سالم بن عبد الله الزيودي، مسؤول قبيلة الزيودي بالفجيرة، أن المجالس العائلية تعتبر إثراء للحياة الاجتماعية في الدولة على جميع المستويات؛ إذ توارث الأبناء من الآباء والأجداد مدى أهمية التواصل والتعاون والتلاحم والمحبة بين الجميع، وهي جزء أصيل من الدين وثقافة الإمارات وعاداتها وتقاليدها، مؤكداً أنهم يجتمعون في المجالس لتقوية هذا التلاحم.
ويحرص الزيودي على أن يحظى مجلسه بأهمية وفائدة يستفيد منها الجميع باختلاف أعمارهم، فهو مكان لتعلم عادات الآباء والأجداد النابعة من التقاليد العربية الأصيلة، وهو اجتماع للم الشمل وتقوية الروابط واللحمة الوطنية، كما أنه مكان لاستقبال الضيوف والتقاء الجيران والأصدقاء والأقارب لمناقشة الأحداث وتبادل الأحاديث والآراء.
محمد الزحمي، من منطقة حبحب، يقول: «أتواصل مع إخوتي في مجلس العائلة ونتحاور في العديد من الأمور والأفكار التي تصب في المصلحة الأسرية، ما يسهم في زيادة التماسك العائلي. فتلك المجالس تعد مورثاً إماراتياً للتعاون والتراحم والحوار، كما تعتبر في حد ذاتها خبرة عملية وعلمية لأبنائنا، وإن كان الجيل الجديد له اهتمامات تختلف بشكل جذري عن اهتمامات الكبار».
ويؤكد أحمد خميس العبدولي، من منطقة الطيبة بالفجيرة، أن المجالس العائلية سواء تلك التي تضم أبناء العائلة الواحدة أو القبيلة، ركيزة أساسية في المجتمع يتعلّم أبناء الجيل الجديد منها العادات والتقاليد الأصيلة المتوارثة عن الآباء والأجداد، مثل الشهامة والشجاعة وحب الوطن والانتماء للقيادة، كما يتشارك أفراده أحلامهم ومحطات حياتهم ويتعرف الصغار إلى قصص الكبار وخبراتهم.
ويضيف العبدولي: «المجلس العائلي يساهم بشكل كبير في الترابط بين أفراده وبالتالي المحافظة على لحمة النسيج الاجتماعي. ومع التطور الكبير في وسائل التواصل التقنية، أصبحت تلك الوسائل عدواً كبيراً لمثل هذه المجالس التي بدأت تقل شيئاً فشيئاً للأسف. لذا يجب على رب الأسرة أو كبير القبيلة المحافظة على إقامة المجالس سواء لأفراد الأسرة الواحدة أو القبيلة، لكي يتعلم الأبناء عادات وتقاليد المجتمع الإماراتي الأصيلة، وينشروا التوعية بينهم حفاظاً عليهم من الأفكار السلبية والمخاطر التي أصبحت تهددهم، ولنقل الخبرات والأفكار الإيجابية لهم».
أما هزاع عبد الله الزيودي، من دبا الفجيرة، فيقول: «المجالس مدرسة نتعلم منها الكثير بشكل غير مباشر، عبر محاكاة سلوكيات الكبار، ومنها نستقي المبادئ الأخلاقية من القصص والحكم والأمثال الشعبية التي يتناولها كبار السن»، مشيراً إلى أن مجلس والده رحمه الله، كان وما زال داراً للعلم لمن لم يحالفهم الحظ في استكمال دراستهم.
ويضيف: «يقصد شباب القبيلة المجلس ليتسنى لهم الجلوس مع الكبار ويتعلموا منهم العادات والتقاليد العربية الأصيلة، وبفضله تعلمنا الكثير من القيم والأخلاق وطريقة الضيافة وإكرام الضيف، كما ساهم في تعزيز قيم التلاحم والترابط والتواصل الدائم بين أفراد العائلة، وعمل على تأكيد مفاهيم الانتماء والهوية الوطنية وحب القيادة الرشيدة».
ويؤكد سالم الظهوري، من دبا الحصن، أنه بالمجالس العائلية تزيد الألفة وتتأصل المحبة ويتعلم الصغير فيها احترام الكبير والعادات والتقاليد العربية التي لا يتقنها كثير من أبناء الجيل الجديد. ويوضح قائلاً: «نحن في المنطقة الشرقية لا نزال وسنظل على ما نحن عليه، متمسكين بعاداتنا القديمة وأهمها زيارة الأهل والأقارب والأرحام في مجالسهم، والعمل على تعزيز عادات التجمع في المجالس العائلية في نفوس الجيل الجديد، فهو من أهم الروابط التي تقويها الاجتماعات العائلية والقبلية. كما يعتبر حجر الأساس لإنشاء جيل يحترم العادات والتقاليد ويلتزم بالروابط الأسرية، كما كان حال الآباء والأجداد قديماً».
وتقول مريم المزروعي، من منطقة وادي الحلو: «المجالس تخلق نوعاً من الترابط العائلي للأسرة والمجتمع، ففي وقت التجمع نتبادل الآراء ونناقش المواضيع المختلفة. وفي الآونة الأخيرة بدأت هذه المجالس بالتلاشي عند بعض الأسر لعدة أسباب، من بينها ادعاء الخصوصية وتجنباً للمشاكل بحجة عدم التدخل في شؤون الآخرين، وغيرها». وتتمنى المزروعي أن تستمر المجالس وأن تكون فعالة أكثر، لما لها من دور في تقوية الترابط الأسرى والمجتمعي، وتعزيز أواصر القربى والاهتمام بالمبادئ والأخلاق والعادات والتقاليد الأصيلة المتوارثة عن الآباء والأجداد.
وتشير فاطمة الغلاف، من مدينة كلباء، إلى أن اجتماع أفراد الأسرة من خلال المجالس العائلية التي تقيمها سواء في نهايات الأسابيع أو المناسبات تعتبر من الأمور الضرورية، فهي تعمل على تعزيز الاستقرار والترابط بين الأفراد، كما أنها تأكيد على مفهوم الانتماء والهوية الواحدة. وتضيف: «المجالس العائلية تجسيد لصفة التآخي والمحبة والترابط والتواصل والاحترام المتبادل والرأي والمشورة، فهي تعرف العائلة بأحوال أفرادها الاجتماعية والمالية، والعقبات التي تواجههم، ومشاكلهم، والعمل على حلها وإصلاح ذات البين والتواصل مع الأقارب والأرحام والأنساب وشرائح المجتمع».
محبة وتعلم
د. سيف المعيلي مدرب ومستشار التنمية البشرية، يقول: «للمجالس العائلية دور كبير في خلق الترابط الأسري، الأمر الذي فككه التطور والحداثة ووسائل التواصل الاجتماعي، فضلاً عن إيجاد الرابط المشترك بين كل الأطراف، وهذا عن طريق البرامج الأسرية الاجتماعية التي تنظمها المجالس، من خروج إلى البر أو البحر والتنزه فالطبيعة تغرس في النفس الحب والصفاء أكثر من الجدران الصماء».
ويؤكد أن هذه المجالس تغرس القيم والمبادئ وتعلم العادات والتقاليد وتنقل الخبرات بين أفراد الأسرة الواحدة، ليتعلم الصغير وينهل من الكبير الحكمة وحسن التصرف، في إطار المحبة العائلية، كما يستفيد الكبير من العلوم الحديثة التي اكتسبها صغار العائلة من الجيل الحديث، وعلى الرغم من انتشار أفراد العائلات في ربوع إمارات الدولة، فإن هناك من لا يزال حريصاً على التجمع أسبوعياً في المجلس العائلي لتبادل الخبرات والأحاديث الشيقة.
ويشجع المعيلي استمرار تلك النوعية من المجالس وزيادة فترات الالتقاء فيها، قائلاً: «نعم لاستمرارها، ففيها تعلمنا التجارب واكتسبنا ثقافتنا، وتوصلنا إلى حلول لمشاكلنا الأسرية، وفيها تدارسنا أمور الحياة والتعاون في محبة».
الشباب حملة الشعلة
تطالب فاطمة حميد الشرع، رئيس جمعية الفجيرة الاجتماعية والثقافية سابقاً، الشباب بحماية المجالس العائلية، فهم من يحمل شعلتها لتنير الطريق للأجيال المقبلة نحو الأصالة والعادات العربية الإماراتية الأصيلة.
تقول: «المجالس العائلية موروث قديم يتوارثه الأبناء عن الآباء والأجداد، فهي تعزز في نفوس الأجيال حب الترابط والتلاحم، ولها دور كبير في خلق الألفة والمحبة وهي ذات أهمية كبيرة في حياتنا وحياة أبنائنا، وتزرع فيهم خصال المحبة والرحمة والتآلف، لذا يجب على شباب الدولة المحافظة على استمراريتها».
وتضيف: «المجالس العائلية تمثل مكانة بالغة الأهمية في التواصل الاجتماعي منذ القدم، وهي من العادات المتأصلة في المجتمع الإماراتي، لما لها من آثار فاضلة على العائلة والمجتمع ككل».