إعداد: عبير حسين
لفت انتباه العالم حديثاً صورة لإحدى مدارس مقاطعة "هيفى" الصينية حيث ثبتت حواجز معدنية مرتفعة على طاولات الدراسة حتى تبقى رؤوس الأطفال مرتفعة حفاظاً على وضعية قراءة سليمة تحمي من الإصابة بقصر النظر، وتقوس العمود الفقاري، وقبلها بأيام تحدث آخرون عن صورة لطلبة يابانيين ينظفون صفهم الدراسي، بينما يجمع فريق آخر أوراق الأشجار المتساقطة بالحديقة، وانهمك ثالث في إطعام بعض الحيوانات الأليفة التي تحتفظ بها المدرسة، وكانت مفاجأة للكثيرين الذين اطلعوا على التعليق المرفق بهذه الصور والذي يشير إلى أن المدارس في اليابان لا تعرف وظيفة "حارس"، أو "عامل خدمات" فمهمة الاعتناء بالمدرسة تقع على عاتق الطلبة والمعلمين .
أعادت هذه اللقطات وغيرها إلى الواجهة الحديث عن دور المدرسة المهم في "التربية" قبل "التعليم"، وأثارت نقاشاً مجتمعياً عن أهمية تدريس مواد السلوك والأخلاق بالمدارس وعدم الاكتفاء بما يعرف عالمياً "اللائحة السلوكية" المعمول بها في أغلب مدارس العالم، وهي اختراع أمريكي بدأ من النظام التعليمي هناك الذي يعتمد على جودة الخدمات، والمناهج المتقدمة، والإمكانات الحديثة، ويبقى السلوك حرية شخصية طالما كان في إطار القواعد العامة .
وعلى مدار عقود طوال شغلت قضية القيم والسلوك اهتمام التربويين خاصة مع التعقيدات المتشابكة لمجتمعنا الحديث، والتأثير المتزايد لشبكة الإنترنت خاصة مواقع التواصل الاجتماعي في الطلبة وما أفرزته من سلوكيات جديدة، وقيم غريبة . وحديثاً انتقل الحديث عن أهمية تدريس مساقات تعليمية خاصة لطلبة المدارس عن "القيم والأخلاق" إلى المستوى الدولي، وأبرز المبادرات قدمتها منظمة "اليونسكو" التي طرحت برنامجاً تربوياً يعنى بالقيم، شارك فيه الملايين من المعلمين حول العالم .
ويهدف البرنامج إلى تقديم أفكار خلاقة لطرق تدريس القيم والسلوكيات ضمن المناهج المدرسية، بالتركيز على مرحلة رياض الأطفال .
ويحظى برنامج "اليونسكو" بمصداقية واسعة، ويطبق في أكثر من 1800 موقع في 64 دولة حول العالم، ويتضمن مجموعة متنوعة من طرق تعليم القيم التي تجمع بين مفاهيم المشاطرة، والتفكير، والتخيل، والهدف منه تزويد الأطفال بفلسفة الحياة من الصغر حتى يسهل نموهم وتطورهم، ويمكنهم لاحقاً من الانخراط في المجتمع باحترام وثقة .
المستهدف في هذه المرحلة هم "معلمو رياض الأطفال" المنوط بهم إعداد "إنسان المستقبل" عبر تربيتهم على قيم مهمة مثل التعاون، بر الوالدين، المحبة، الحفاظ على البيئة، السعادة، الصداقة، حب الوطن، والتسامح، والنظافة، وغيرها .
وإذا كان العالم يناقش أهمية تدريس مواد تعنى بتعزيز القيم المجتمعية والسلوكية لدى الطلبة، فإن المدارس اليابانية تنفرد بتقديم نموذج متميز لتربية الطلبة عبر نظامها الخاص الصارم الذي يعد سر تقدم بلادها، ونجاحها في تحويل الدمار الذي لحق بها بعد هزيمتها بالحرب العالمية الثانية، وكارثة القنبلة الذرية، إلى دولة صناعية من الطراز الأول رغم فقرها الشديد بالموارد الطبيعية، بمعنى آخر نجحت اليابان عبر ثروتها البشرية التي تعتمد على قيم الانضباط وحب العمل في تعويض النقص في ثرواتها الطبيعية .
لفظة التعليم في اللغة اليابانية "كيو إكو" مقطعها الأول كيو، يعني التشجيع على التقليد، بمعنى تقليد ما يفعله الآخرون وهو أساس عملية التعلم، أما "إكو" فتعني تربية الطفل، وهما جوهر العملية التعليمية الذي يؤمن بمبدأ "التعلم مدى الحياة" .
يركز النظام الياباني للتعليم على تنمية الشعور بالجماعة والمسؤولية تجاه المجتمع بادئاً بالبيئة المدرسية المحيطة بهم، مثل المحافظة على المباني الدراسية والأدوات التعليمية والأثاث، وتشتهر المدارس اليابانية بالمحافظة على النظافة، وأول ما يصادفه زائر المدرسة اليابانية وجود أحذية رياضية خفيفة عند المدخل مرتبة في خزانة، أو على أرفف خشبية يحمل كل حذاء اسم صاحبه، ويخلع الطلبة أحذيتهم العادية ويرتدون هذه الأحذية الخفيفة النظيفة داخل المدرسة .
ومن الشائع في المدارس اليابانية أيضًا قيام الطلبة بتنظيف القاعات الدراسية، ومسح الممرات بقطع قماش مبللة . بل والأكثر من ذلك غسل دورات المياه وجمع أوراق الشجر المتساقط في فناء المدرسة وكذلك القمامة إذا وجدت، وكثيراً ما ينضم إليهم المدرسون في أوقات معينة لإجراء نظافة عامة سواء للمدرسة أو الأماكن العامة أيضاً مثل الحدائق والشواطئ في العطلات الصيفية .
ويدعم النظام المدرسي المسؤولية الجماعية، والتعاون، والاعتماد على النفس عند تناول وجبة الغداء، فمن المعروف أنه لا توجد مقاصف في المدارس اليابانية، ولكن يوجد مطبخ به أستاذة تغذية وعدد من الطهاة بحيث يتناول الطلبة وجبات مطهية طازجة تعد يومياً بالمدرسة، ويقوم الطلبة بتقسيم أنفسهم إلى مجموعات إحداها تقوم بتهيئة القاعة الدراسية لتناول الطعام، وثانية تقوم بإحضار الطعام من المطبخ، وثالثة تقوم بتوزيع هذا الطعام على الزملاء، بعد ارتداء قبعات وأقنعة وملابس خاصة لذلك، ويتولى كل طالب مهمة تنظيف الأدوات التي تناول بها طعامه، وهذا بلا شك يؤكد الإحساس بالمسؤولية وروح الجماعة والاعتماد على النفس والانتماء إلى المدرسة والمجتمع، كما يوفر من ناحية أخرى ميزانية كان يفترض أن ترصد لهذه الخدمات .
تمتد نفس طريقة العمل الجماعية إلى طريقة التحصيل الدراسية التي تعتمد على "المجموعات" المختلفة داخل التخصصات، والتي يعاد تشكيلها كل فترة، وداخل كل صف دراسي حكمة يابانية شهيرة يحفظها الجميع عن ظهر قلب تقول "yontoo goraku" وتعني أربع ساعات نجاح، خمس ساعات رسوب، والمقصود هنا إنّ أربع ساعات نوم تعني النجاح، بينما خمس ساعات نوم تعنى الرسوب، أي لتحقيق النجاح لا ينبغي النوم لأكثر من أربع ساعات يومياً، ويلتزم الجميع بالحكمة الأثيرة خاصة خلال فترة الاستعداد "لجحيم الاختبارات" وهي اختبارات القبول في الجامعات الوطنية التي تعد الأصعب على مستوى العالم، ويتنافس خلالها عشرات الآلاف للحصول على فرصة الانضمام للجامعة التي تؤهل المقبولين للحصول على مستقبل أفضل، ووظيفة مرموقة .
أما أهم ما تمتاز به المدارس اليابانية ويكاد لا يوجد نظير له عالمياً فهي "جلسات المحاسبة الذاتية" التي يعقدها الطلبة نهاية اليوم الدراسي ليتبادلوا الأسئلة حول مستويات أدائهم اليومي، وفيما إذا أدوا أعمالهم على الوجه الأكمل، وما هي أوجه القصور في عملهم، وكيف يمكن حل المشكلات التي واجهتهم .
هذه الطريقة في التعليم تستهدف روح الجماعة، وتحمل المسؤولية، والالتزام، وتشكل قوة نفسية رادعة لكبح جماح السلوكيات الاجتماعية غير اللائقة تجاه الغير .
وعلى المستوى التنظيمي هناك قائمة طويلة من اللجان المختلفة بمسؤولياتها المتعددة لدى كل مدرسة يابانية منها لجنة الإرشاد الطلابي، وأخرى للشؤون الصحية، وثالثة لحل المنازعات المدرسية، ورابعة لاختيار المواد الدراسية، ولجان لكل من الميزانية، والسلامة والثقافة، والغذاء المدرسي، والعناية بالنباتات، والنظافة الأرضية، والاستراتيجيات الطارئة، وغيرها، وتقدم كل مدرسة دليلاً يشمل بالتفصيل كل أجزاء التنظيم المدرسي، ونلاحظ من خلاله إن كثيراً من الواجبات التي يؤديها الإداريون أو أعمال الصيانة في دول أخرى هي من المسؤوليات الأساسية للمعلم بالمدرسة اليابانية .

برامج لتدريس القيم

تأسست Human values foundation "مؤسسة القيم الإنسانية" 1995 ، وتهدف إلى توفير برامج عالمية يمكن تطبيقها بمختلف المدارس حول العالم، تقدم برنامجها الأول Education in human values " تعليم القيم الإنسانية" وهو موجه للأطفال في المرحلة العمرية 4 إلى 12 عاماً، ويضم مناهج لتعليم فنون المحادثة، قص الحكايات، الاقتباس، الغناء الجماعي، وأنشطة لتعزيز التعلم وأوقاتاً للتأمل الهادئ .
ويحمل برنامجها الثاني عنوان SOCIAL AND EMOTIONAL EDUCATION " التربية الاجتماعية والعاطفية"، ويستهدف الطلبة من 12 إلى 14 عاماً، وتهدف برامج المنظمة التي يعدها خبراء تربويون بالتعاون مع اختصاصيين بعلم النفس والطفولة إلى تعزيز القيم الاجتماعية في ممارسات الأطفال اليومية، وتنمية مهارات التواصل الاجتماعي، واحترام الرأي الآخر، وأهمية العمل الجاد، والانضباط، بهدف تشكيل شخصيات نافعة راضية عن ذواتها وبالتالي مفيدة لمجتمعاتها .

نماذج العالم

تقدم المدارس الأسترالية مساقات محددة لدراسة القيم والأخلاق تهدف إلى تعزيز قيم المواطنة والمشاركة، وكذا هي الحال في السويد التي تقدم مساقاً إجبارياً إلى الطلبة حتى المراحل المتوسطة يعنى بتعليم قيم الديمقراطية وتعزيز المشاركة المجتمعية واحترام الرأي الآخر .
ولا تقدم الأنظمة التعليمية الأمريكية والبريطانية مساقات مباشرة، لكنها تقدم برامج تعرف ب Character education يقدمها خبراء مستقلون على هيئة محاضرات دورية بالمدارس وتهدف إلى تنمية التفكير المعرفي، وتعلم المهارات الحياتية، والتعليم الصحي، وكيفية الوقاية من العنف، والتفكير النقدي، وكيفية حل النزاعات .

لا تضع قدمك على ظل المعلم

تقدم مدارس كوريا الجنوبية نموذجاً ثانياً يؤكد الدور المهم الذي تقدمه في بناء الشخصية الوطنية، تتشابه تجربة كوريا الجنوبية مع اليابان في ظروف الحرب، والنهضة السريعة التي نجحت في تحقيقها وأذهلت العالم بعد أقل من خمسة عقود على إعلان قيام الدولة بعد انتهاء الحرب الكورية، نجحت سيؤول في بناء اقتصاد صناعي حقق معدلات نمو وصلت إلى 12% مطلع التسعينات، وكانت إحدى النمور الآسيوية التي أبهرت تجربتها العالم . وتتشابه التجربتان الكورية واليابانية في اعتمادهما على الثروة البشرية لتحقيق طفرة النمو، والأهم الاعتماد على المدرسة كمؤسسة لبناء وإعداد هذه الثروة .
وبحسب دراسة للباحثة "جون أون هي" الباحثة في مؤسسة كيريس (مؤسسة الأبحاث التربوية الكورية) عن أسرار النجاح الكوري عالمياً، فإن الثقافة الاجتماعية التي يعتمد عليها النظام التربوي هناك هي أول عوامل النجاح، ويعتمد هذا النظام على قيم مهمة مثل النظافة العامة، المحافظة على المرافق، مراعاة الهدوء، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، والانضباط الذي يجب أن يتحلى به سلوك الأفراد .
وبحسب الدراسة يعد الطلبة الكوريون الأفضل عالمياً في الرياضيات على مستوى العالم،يشاركهم في العلوم الطلبة اليابانيون .
أشارت "هي" في دراستها إلى إن معدل ساعات النوم للطفل الكوري البالغ من العمر 10 سنوات تقل عن معدل أقرانه بالولايات المتحدة بمقدار ساعة يومياً، في حين تزيد عدد ساعات الدراسة 3 ساعات يومياً .
اللافت في تجارب دول شرق آسيا التي يمتاز أبناؤها بالانضباط والجدية، عدم وجود مساقات تعليمية خاصة بتدريس القيم السلوكية والمجتمعية، في نفس الوقت الذي "يتربى" فيه الطلبة عبر نظام الحياة اليومي الذي يعلمهم مهارات الحياة بشكل مباشر من دون تلقين .
وتمتاز التجربة الكورية بالدور المهم لمهنة التعليم التي تعد "مهنة محترمة"، وتستمد قيمتها من تعاليم الكونفوشيوسيه وهي مصدر القيم الثقافية هناك، ويتعلم الطلبة منذ اليوم بالمدرسة أقوالاً مأثورة تمجد المعلم مثل "الملك والمعلم والوالدان متساوون"، و"إياك أن تضع قدمك حتى على ظل المعلم" .
وتتمتع المدارس الكورية بتجربة فريدة عالمياً إذ يتولى إدارتها مجلس إدارة يتكون من 12 شخصاً، نصفهم معلمون منتخبون من قبل معلمي المدرسة، والباقي أولياء أمور تنتخبهم رابطة أولياء أمور طلاب كل مدرسة، ويضع النظام التربوي الكوري "ثقله" في إعداد المعلمين واختيارهم ،فهناك اختبارات صعبة للقبول بالجامعات التربوية، تليها اختبارات دقيقة لاختيار المعلمين .

الاجتهاد أهم من الموهبة

يتحدث نجاح التجربة الصينية عن نفسه، وحديثاً غزت الصين مجال الفضاء الخارجي برحلتين مأهولتين،إضافة إلى مسبار ثالث خاص بدراسة الغلاف الصخري للقمر، وباتت قريبة من حلم إنشاء محطة فضائية دولية صينية بحلول عام .2020
وعادة يتوقف نجاح الأمم على مدى تميز نظامها التعليمي، والعام قبل الماضي أعلنت منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي والتنمية OECD أن الصينيين الأذكى والأفضل تعليماً في العالم، وأن طلبة مدارس شنغهاي حققوا المراتب الأولى في اختبارات "بيسا" التي تجري مرة كل 3 سنوات لقياس قدرات الطلبة في مجالات القراءة والرياضيات والعلوم، وتعد المعيار الدولي الرئيسي لقياس جودة الأنظمة التعليمية في البلدان المختلفة .
وتعمل المدارس الصينية على تربية أبنائها على قيمه مهمة تقول "سأبذل قصارى جهدي"، أو "سأعمل بكل جدية" . وهنا ينشأ الطالب على أن مبدأ الجد والاجتهاد أهم من الذكاء والموهبة، على عكس المعروف في كثير من النظم التعليمية، ويستمر الآباء والمعلمون في تحفيز أبنائهم على بذل الجهد، معتبرين إن الجميع سواسية خلقوا بقدر من الذكاء، وكل شخص يستطيع استيعاب ودراسة أي مقرر دراسي حتى لو لم يتناسب مع ميوله طالما توفرت العزيمة على بذل الجهد والمثابرة، فالنجاح والتفوق لا يحددان باختلاف الموهبة والذكاء، ولكن بالاختلاف في بذل الجهد .