تحقيق: بكر المحاسنة
قيل قديماً إن الجمال والمتعة يجتمعان في "الماء والخضرة والوجه الحسن"، ولكن هذا القول لا ينطبق على السحر الذي وجد في منطقة المحافز بمدينة البطائح التابعة لإمارة الشارقة إذ لم يكن هناك ماء أو خضرة، بل صحراء تتلألأ حبات رملها مرحبة باحتفال البشر بها، فاجتمعت المتعة والطبيعة البكر والوجوه الطيبة الجميلة لتستقبل الزائرين، حيث كل عناصر الطبيعة هناك تؤكد أن الجمال لا يتوقف عند حد، وأن يوماً بهياً في رحاب الصحراء يعادل أياماً وشهوراً في أماكن أخرى جهدت الأيدي في صناعة جمالها .
تقع منطقة المحافز في الجهة الجنوبية لمدينة البطائح على طريق كلباء المليحة وسط الكثبان الرملية ذات الارتفاعات المختلفة والمحيطة بعدد من المزراع وأشجار الغاف البرية، ما يشكل مناظر تبهر الناظرين، وتسر العين والقلب وتريح النفس .
هذه المنطقة التي تتميز بوجود جبل صخري مغطى بالرمال الذهبية يسمى جبل المحافز معادلة صعبة، تقع وسط الكثبان الرملية، في مكان لا يمكن للزوار التنبؤ باحتضانه منطقة بهذا السحر والجمال، لكثرة الأشجار المزروعة بالمنطقة وكثرة أشجار الغاف والسمر التي تقع بالقرب منها، حيث تنبض بالحياة والأصالة وتحمل بين جنباتها عظمة ومجد الأولين وصبرهم على الظروف القاسية سواء أكانت طبيعية أم بشرية .
وتمتاز المنطقة التي عاش فيها الأهالي من قبيلة الكتبي بعراقة أرضها وأصالة أهلها الطيبين، واعتمدوا في معيشتهم قديماً وبشكل أساسي على تربية الإبل والماشية وزراعة بعض أشجار النخيل وتجارة نباتات الأعلاف والحطب والسخام (الفحم) وبعض منتجات الماشية من صوف وسمن وغيرها، وذلك من خلال الرحلات التجارية إلى أسواق الشارقة ودبي بواسطة تحميل الجمال بتلك المنتجات والارتحال بها إلى الأسواق .
"الخليج" زارت المحافز، هناك تدخل عالماً آخر، حيث سحر الطبيعة الصحراوية يأسر حواسك، الهدوء والسكينة اللذان يعمّان المكان، مع خضرة أشجار النخيل والسمر والسدر والغاف لترسم لوحة متفردة من التناغم المبهر الآسر، وعند مدخل القرية ومع طلتها الأخاذة تبدأ بالانسلاخ عن همومك وصخب المدينة .
في البداية توجهنا إلى بيت سعيد بن حمد بن خليفة بن حليس الكتبي عضو المجلس البلدي لمدينة البطائح الذي يعد من المحافظين على هوية الأرض ومتمسك بها رغم مظاهر حياة الرفاهية، حيث ما زال يحيي العديد من عادات وتقاليد القدامى من الأجداد والآباء وما زال يقوم بزراعة العديد من المحاصيل والأشجار ويعمل على تربية الماشية بأنواعها .
يقول الكتبي: "تعد المحافز منطقة سياحية وطبيعية، حيث تتميز بالهدوء المثير والطبيعة الصحراوية الخلابة التي تعكس جمالاً استثنائياً، لاسيما في ظل وجود كثبان رملية ذهبية ناعمة محيطة بالمنطقة من كل الاتجاهات، كما تكسو المساحات القريبة المجاورة للمنطقة، أشجار كثيفة من النخيل والعديد من النباتات والمحاصيل، إلى جانب بعض الأشجار المحلية المعروفة مثل الغاف والسمر" .
وأوضح أن سكان منطقة المحافز أهل بدواة من قبيلة الكتبي كانوا في الماضي يعيشون في خيام الشعر وبيوت العريش المبنية من سعف النخيل واعتمدوا في معيشتهم على ممارسة الحرف البدوية، ومنها الرعي وجمع الحطب وزراعة المحاصيل الزراعية وصناعه السخام وأشياء أخرى، واستمر حال الأهالي على العيش في ظروف صعبة وقاسية لعدم وجود مصادر دخل ولعدم وجود منازل تحميهم من حر الشمس وبرد الصحراء ليلاً، ولعدم وجود أي خدمات تسهل عليهم الحياة حتى بعد إعلان الاتحاد بسنة واحدة تغير الحال إلى الأفضل، وانتقل الأهالي إلى العيش الكريم في مساكن شعبية جديدة شيّدها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وبعدها بفترة قام ببناء المنازل والفلل لجميع أهالي منطقة المحافز، وأمر بتنفيذ الخدمات كافة التي جعلت من منطقة المحافز منطقة تعم بالحياة والسعادة والتطور، حيث بفضل توجهات صاحب السمو حاكم الشارقة تعبدت الطرق الداخلية والخارجية للمنطقة ووصلت خدمات الكهرباء والاتصالات والإنترنت، وأصبح الأهالي على اطلاع فيما يجري حولهم غير عما كانو عليه في الماضي .
وأكد أن منطقة المحافز رغم أنها صحراوية، تكثر فيها المزارع الخضراء الخلابة والتي يزرع فيها الأهالي العديد من أشجار النخيل والحمضيات والعديد من المحاصيل الزراعية مثل البصل والطماطم والكوسا والخس والملفوف والزهرة والباذنجان وغيرها من الخضراوات، إضافة إلى نباتات الأعلاف التي تستخدم طعاماً للأبقار والبوش والأغنام، ويرجع ذلك لامتهان الأهالي (آبار) الزراعة منذ زمن بعيد، ولكثرة طوي المياه التي في باطن الأرض .
عن طبيعة الحياة قديماً بمنطقة المحافز يقول الوالد حليس خليفة حليس الكتبي: "كانت معيشتنا في ذلك الحين بسيطة واعتمدنا فيها على تربية المواشي والبوش ورعيها وعلى الزراعة بأنواعها، والبعض من الأهالي اعتمد على القيام برحلات تجارية لبيع الحطب والفحم ومنتجات الأبقار والماعز والبوش من صوف وسمن وغيرها في أسواق دبي والشارقة عبر رحلات تجارية جماعية مع أهالي المنطقة والمناطق المجاورة، وكانت الرحلة تتم بواسطة تحميل الجمال، وتستغرق يومين أو أكثر، وعند بيع تلك المنتجات يتم شراء احتياجات الأهالي من قهوة وسكر وبر (قمح) وعيش (أرز) وأقمشة وكل ما يلزم الأهالي من المدينة" .
وأضاف: "كانت المنازل بمنطقة المحافز تقع بالجوار من جبل المحافز الذي سميت المنطقة بذلك الاسم نسبة إليه، وهو جبل صخري صخوره وردية تغطيها الرمال الذهبية الناعمة، وفي ذلك الوقت كان عدد المنازل لا يتعدى ،10 منها الصيفية، (بيوت العريش) والتي تسمى بيوت القيض أي المنازل التي تبنى في المزراع في مواسم الحر، ومبينة من عريش وجريد النخيل بطريقة متقنة، والبعض كان يعيش في الخيام التي كانت تقام على حفرة بمساحة الخيمة .
ويؤكد أن للمحافز طابعاً ومزاجاً خاصاً لجميع الأهالي الذين ولدوا وعاشوا فيها، فنحن الآن وفي ظل الاتحاد المبارك الذي أقامه المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وإخوانه حكام الإمارات، تحولت حياتنا إلى النقيض، حيث أصبحنا في بحبوحة من العيش ونمتلك كل شي من بيوت حديثة وفخمة وسيارات فارهة ووظائف مريحة ومجزية، وأصبح المواطن يعيش في خير ونعيم كبير ولم يعد يشعر بالتعب الذي كنا نعيشه لكسب الرزق والقدرة على العيش في تلك الظروف الصعبة .
أما الوالد راشد عبيد بن رشيد الكتبي (أبو محمد) فيقول: اعتمد الأهالي قديماً في معيشتهم على رعي الإبل وتربيتها وتأجيرها لنقل المؤن والحطب ونباتات الأعلاف التي تسمى "البطائح"، كما اعتمدوا على تربية الأبقار والأغنام وكانوا يبيعون مواليدها وألبانها وكان البعض يعتمد على جمع الحطب لحرقه لإنتاج الفحم وبيعه، حيث كان الحطب في الماضي يكثر الطلب عليه من التجار في أسواق المدن، كما امتاز أهالي البادية في منطقة المحافز والمناطق قديماً بالمعرفة الجيدة بالطرقات والدروب والمنافذ، حيث فرضت عليهم ظروف الحياة ذلك للبحث عن الماء والطعام لهم ولمواشيهم" .
وأشار إلى أنه عرف عن الأهالي الاعتزاز بالعادات والتقاليد فكانوا ولايزالون يتزاورون يومياً وكل فرد يطمئن على الآخر، ويقول: "من العادات والتقاليد القديمة في الزواج كان الشاب يتزوج بنت العم أو بنت الخال لأنه أولى بها من غيره، وكانت المهور بسيطة وقليلة، ناقة وتسمى "صباح" وناقة ثانية مال للعروس خاص بها، ويقام العرس من دون تكاليف على العريس أو أهله، حيث يتم العرس بدعوة شيوخ وأهالي القبائل، وتقام الأفراح وتنحر الإبل والرقصات الشعبية، وكان العرس يستمر لمدة يومين أو ثلاثة، وفي اليوم الأول يقوم والد العروس يتقديم طعام الغداء للأهالي والضيوف، والثاني عند بيت العريس يقدم الغداء والعشاء ويقام الفرح بهذه المناسبة ضمن العادات والتقاليد العربية الأصيلة" .
أما عن شهر رمضان قديماً، فيقول: "كانت رؤية هلال رمضان بالنسبة لنا من أكثر الأمور صعوبة والتي كنا نعانيها وكانت تسبب لنا الصيام قبل الآخرين بيوم أو يومين أو تأخير الصيام لعدم وجود وسيلة تعرفنا بموعد الصيام، وبعض السنوات ذهبت إلى الشارقة ولم أكن أعلم أن هناك صياماً والوقت كان أول يوم من الشهر وكنا في المحافز . وكان عند وصول معلومات تدل على رؤية هلال رمضان تطلق الأعيرة النارية من البنادق في الهواء فتسمعها القبائل في المناطق المجاورة، الذين يقومون بإطلاق الأعيرة النارية ليسمعها الآخرون ويعملون بهذه الطريقة حتى تصل أخبار الرؤية إلى الجميع، والكل يكون مستعداً لشهر رمضان من خلال التوقف عن الترحال وإقامة بيوت الشعر في مكان يتوافر فيه الماء والكلأ ويجتمع الأهالي في مكان واحد" .
أما خليفة بن عبيد بن رشيد الكتبي أبو عبيد، فيقول: "قبيلة الكتبي لها عادات خاصة بها مستمدة من التقاليد العربية الأصيلة، حيث إن أهالي المحافز والمناطق المجاورة من أبناء قبيلة الكتبي لهم صفات مميزة منذ مئات السنين وما زالوا محافظين عليها ويعملون على غرسها في نفوس الجيل الجديد، حيث إن أبناء قبيلة الكتبي لهم مواقف تتسم بالشهامة والرجولة والنخوة العربية الأصيلة والكرم وإكرام الضيف واحترام العهد والصبر وتحمل الشدائد والتآلف والتراحم والترابط في كل الظروف والتعاون في مجالات الحياة كافة، ونحمد الله أن هذه العادات التي زرعها فينا الأجداد والآباء ما زلنا محافظين عليها رغم التطور والتحضر الذي وصل إلينا، ونعمل بكل جهد على زرع تلك الصفات وغرسها في نفوس أبنائنا ليعيشوا حياة سعيدة قائمة على تلك المبادئ . ويؤكد أن أهالي المحافز يحافظون على تقاليدهم وعاداتهم أشد المحافظة، كما يتمسكون بمعتقداتهم الاجتماعية والدينية .
ويشير إلى أن منطقة المحافز منطقة عامرة بالطيبة والسماحة والكرم، وجميع أهلها متعاونون ومتحابون ولديهم الانتماء والوفاء القوي للقيادة الحكيمة، كما أن المنطقة تحظى باهتمام خاص من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الذي لم يقصر يوماً في تقديم أي خدمات أو أي مساعدات للأهالي في منطقة المحافز ومناطق الشارقة كافة، ويعمل دائماً على راحة المواطن وسعادته . وبفضل الله أصبحت منطقة المحافز موصولة بالمناطق والمدن الاخرى وتوفرت فيها كل الخدمات والاحتياجات كافة .
محمد حمد حليس الكتبي يقول: "تتميز منطقة المحافز بطبيعة صحراوية ساحرة لوجودها بين الكثبان الرملية الذهبية وتوافر المزراع الخضراء والاشجار البرية التي تحيط بها، كما تتميز بوجود جبل المحافز الذي يأتي اليه الزوار بشكل مستمر لممارسة الرياضات الصحراوية وتوافر العديد من طوي المياه العذبة في باطن الأرض، كما تشكل المنطقة في الربيع مواسم هطول الأمطار لوحة فنية بديعة لانتشار الخضرة على التلال الرملية، ما يشكل منظراً في غاية الروعة، وأوضح أنه وسط الكثبان الرملية الهائلة يقيم بعض شباب القرية بيوت العريش سيراً على خطى أجدادهم، حيث إن مشهد منطقة المحافز يجعل المرء يشعر بأن الرمال بحر لا نهاية له" . وأضاف أن المنطقة معروفة بوجود واد كبير يمر عبر أراضيها، في الماضي كانت تجري فيه المياه في مواسم الأمطار مرتين وأكثر، كما كانت المنطقة تتميز بكثرة هطول الأمطار عليها وكثرة انتشار الأعشاب والنباتات البرية، وتتميز المنطقة أيضاً بمناخها اللطيف وانعدام الرطوبة" .
أما خليفة بن سعيد بن حليس، فيقول: "منطقة المحافز ساحرة لأنها صحراوية وذات طبيعة خلابة وسط الرمال الذهبية، وأصبحت موقعاً سياحياً خاصة في أيام العطلات ونهاية الأسبوع، يتوافد إليها هواة المغامرات من الشباب العرب والأجانب الذين أدركوا قيمة الطبيعة وجذبتهم التلال الرملية ليجربوا مهاراتهم في قيادة سيارات الدفع الرباعي، وكانت المغامرة لا تخلو من الخوف خاصة لمن يخوضها للمرة الأولى" .
ويؤكد أنه في مواسم الشتاء والربيع تتحول أماكن منطقة المحافز إلى منتجع صحراوي ساحر يأتي إليها السياح والزوار من مناطق الدولة كافة للجلوس في الأجواء الصحراوية الجميلة وممارسة العديد من الهوايات وإعداد الطبخ على النار، حيث تمتلك كل مقومات الجمال الصحراوي بوجود التلال المرتفعة والبيئة المناسبة للمغامرات وبوجود الجو الهادى واللطيف والبعيد عن الإزعاج وجميع أنواع التلوث .
الطفل سعيد محمد حمد الكتبي يقول: "أحس برفاهية العيش في المنطقة مع الأهل والأصدقاء رغم بساطتها، كما ان والدي يحرص بشكل دائم على زرع عادات وتقاليد الأجداد في نفسي وبرغم دراستي في مدرسة بريطانية بالشارقة، فإنني أحرص على ارتداء الزي الإمارتي، وأفتخر أنني ابن البادية ومن القبائل العربية المعروفة بتاريخها .

رياضات وهوايات

حليس ين سعيد الكتبي يقول: "تتميز منطقة المحافز بمناخها الجاف المعتدل، والشمس الدافئة، والهدوء الذي يخيم على كل مكان، وعند زيارة التلال الرملية للمنطقة يمكن للزائر الاستمتاع بروعة الواحات الزراعية والشمس الذهبية التي تمتزج أشعتها مع الرمال الذهبية وبالمناظر الخلابة التي تحيط بالمنطقة، إضافة إلى ممارسة الهوايات كرياضات التحدي والتزلج على الكثبان الرملية، وممارسة الصيد بالصقور وركوب الجمال وقيادة سيارات الدفع الرباعي وسط رمال الصحراء، كما يمكن للزائر الاستمتاع بمنظر الغروب البديع وسكون ليل الصحراء وحفلات الشواء في أجواء طبيعية ورمانسية" .