قال تعالى: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساءً سبيلا"، (النساء: 22) .
"حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيماً"، (النساء: 23) .
والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله عليماً حكيماً"، (النساء: 24) .
"يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم"، (النساء: 26) .
"والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً"، (النساء: 27) .
"يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً"، (النساء: 28) .
"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً"، (النساء: 29) .
"ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيرا" (النساء: 30) .

جرم مركّب

السؤال: لِمَ ذكر لفظ (مقتاً) في قوله تعالى: "إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا" وأُسقط في قوله تعالى: "ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا"؟ (الإسراء: 32) .
الجواب: لأن متزوج امرأة أبيه مقترف رذيلة يُمْقَت فاعلها ويُسْتَحقر، لأنه فعل ما تستخسه الطباع السليمة فَوُصفت فعلته بالمقت الذي هو النقص والاستحقار، وساوت بالزنا فيما وراء ذلك، فلهذا زيد لفظ (مقتاً) في آية النساء، لأن الجُرْم الشنيع مُركب . والله أعلم
السؤال: ما نوع (مِن) في قوله تعالى: (من النساء)؟ وما فائدة ذِكْر (النساء) حيث من المعلوم بداهة أن الزوجات لا يكن إلا نساء؟
الجواب: (مِن) في الآية بيانية . أي سواء كن إماء أم لا، بنكاح أو بملك يمين . وذُكِرَ لفظ النساء مع عدم الحاجة إليه، لقصد التعميم، والمعنى حُرمت عليكم النساء اللاتي نكحهن آباؤكم . والله أعلم
السؤال: لِمَ عُبر ب (ما) دون (من) في قوله تعالى: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم . ."؟
الجواب: لِمَا في النساء غالباً من السفَه في التصرفات والفكر المُدْني إلى ما لا يعقل، والله أعلم .
السؤال: ما موقع جملة: "إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا" بالنسبة إلى ما قبلها؟
الجواب: تعليل للنهي في قوله تعالى: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء . ."، وأنه - المنهي عنه - غاية في القبح والفحش والمقت حتى عُبرَ عن ذلك بالمصدر (مقتاً) . والله أعلم .

تأكيد التحريم

السؤال: لماذا عُبرَ عن تحريم نكاح الأمهات والأصناف المذكورة بعدها بتحريم ذاتهن، حيث لم يُقَل: "حُرمَ عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم . . ."؟
الجواب: أُسند التحريم إلى الذات لتأكيد تحريم تزوجهن والله أعلم
والمراد من تحريم أسماء الذوات تحريم ما يُقصد منها غالباً، فالمقصد من تحريم ذوات النساء المذكورات في الآية تحريم ما يُقصد منهن غالباً وهو النكاح، كما أن المراد من تحريم المَيْتة تحريم أكلها كما في قوله تعالى: "حُرمَت عليكم الميتة"، (المائدة: 3) . والله أعلم
السؤال: ما فائدة ذِكْر (في حجوركم) في قوله تعالى: "وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن" حيث كان من الممكن أن يقال: "وربائبكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن" ؟
الجواب: النهي عن نكاح الربيبة المدخول بأمها عام سواء أكانت في حجر زوج أمها أم كانت بعيدة عنه في أقصى البلاد، ولكن نكاحه لها وهي تحت رعايته وتربيته - في حِجْرِه - من أقبح الصور وينفر منه الطبع السليم، لأن الربيبة تلك - وهي ابنة الرجل من غيره - صارت بفضل الأُلْفة والخُلْطة في حكم ابنة الزوج التي من صُلْبِهِ، لذا كان قوله تعالى: (في حجوركم) قيداً للمبالغة في تعليل الحُرْمَة . وتأمل التعبير بالاستعارة (حجوركم) عن التربية والرعاية، يُقال: فلان في حِجْر فلان إذا كان في تربيته . والسبب في هذه الاستعارة أن كل من رَبى طفله أجلسه في حجره، فصار الحجر عبارة عن التربية، كما يُقال فلان في حضانة فلان، وأصله من الحُضْن الذي هو الإبط . والله أعلم
السؤال: لِمَ عُبرَ عن الإماء ب (ما) التي لغير العاقل في الآية الكريمة؟
الجواب: لنزولهن بما فيهن من الرق المُقَيد لحريتهن ولكثير من حقوقهن بالنسبة إلى الحرائر عن رتبة العقلاء فأوثرت (ما) على (من) . والمعنى: حُرمت عليكم ذوات الأزواج - المحصنات - إلا اللائي سبيين فإن نكاحهن مشروع . والله أعلم

ترتيب منطقي

الآية الكريمة: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم) (النساء: 26) .
السؤال: ما سر تقديم البيان (ليبين) ثم الهداية (ويهديكم) ثم الختم بالتوبة (ويتوب عليكم) في الآية الكريمة؟
الجواب: لأن هذا هو الترتيب المنطقي، فالبيان مقدم على الهداية، لأنها لا تكون إلا بعده، وإلا فإلى أي شيء يهديه؟ والختم بالتوبة، لأنها تكون بعد التقصير في الاتباع واقتراف المعاصي والذنوب . والله أعلم
الآية الكريمة: "والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً"، (النساء: 27) .
السؤال: لِمَ قُدمَ لفظ الجلالة على الفعل (يريد) في الآية؟
الجواب: قُدمَ لفظ الجلالة على الفعل (يريد) في قوله تعالى: "والله يريد أن يتوب عليكم"، لإفادة الاهتمام والتوكيد والمبالغة في إرادة التوبة منه - سبحانه - باستخدام القصر بالتقديم، حيث قُصِرَت إرادة التوبة على الله تعالى قصر صفة على موصوف، ولا يخفى عنك ما في القصر من توكيد .
وَخُص هذا الموضع بالتوكيد والمبالغة، لأن التوبة من الله تعالى أهم شيء بالنسبة إلى المُذْنِبِ، لأنه إن لم يتب الله عليه هلك، كما أن سياق الآية الكريمة يدل على ذلك، حيث كررت إرادة التوبة، فقال سبحانه: "ويتوب عليكم" ثم قال: "والله يريد أن يتوب عليكم" ثم قال تعالى: "يريد الله أن يخفف عنكم" .

تخفيف عن العبد

والتوبة من الله تعالى تخفيف عن العبد بلا ريب بل إن السياق السابق على الآية أيضاً فيه حديث عن التوبة وذلك في قوله تعالى: "واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان تواباً رحيماً * إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً * وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً"، (النساء: 16 - 18) .
ومما يدل على ذلك أيضاً قوله - سبحانه -: "والله يريد أن يتوب عليكم" بمقابل ما ذكره من إرادة الفجار في قوله: "ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً" .
تبين إذن أن السياق السابق على الآية المذكورة ومقام الآية نفسها إنما هو في التوبة فاقتضى ذلك الاهتمام والمبالغة في إرادة التوبة . والله أعلم
السؤال: لماذا لم يقدم لفظ الجلالة في قوله تعالى: "يريد الله ليبين لكم . ."، (النساء:26)؟ فيقال: "الله يريد ليبين لكم"؟
الجواب: لأن هذا الموطن لا يقتضي التقديم، لأنه لم يذكر أن أحداً غيره - سبحانه - يريد ذلك، فيقدم لفظ الجلالة فيفيد التخصيص، ولا هو موطن تعريض بأحد يريد غير هذا الأمر، وإنما هو إخبار عن الله تعالى لذلك، بخلاف الآية التي تليها فإنه ذكر جهة أخرى تريد غير ما يريده سبحانه للمؤمنين، وذلك في قوله تعالى: "ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً"، (النساء: 27)، فكان تقديم لفظ الجلالة المفيد للحصر في قوله تعالى: "والله يريد . ." أي هو سبحانه يريد التوبة عليكم لا غيره، لذا كان من الملائم عدم التقديم في الآية الأولى بخلاف الآية الثانية . والله أعلم بمراده .

د . عادل أحمد الرويني
[email protected]