لم يعد من المبالغة القول إن مواقع السياحة الأكثر نجاحاً تعتمد في الوقت الحاضر على المحيط المادي النظيف، والبيئات المحمية والأنماط الثقافية المميزة للمجتمعات المحلية. أما المناطق التي لا تقدم هذه المميزات فتعاني تناقصاً في الأعداد ونوعية السياح.

تكتسب الفضاءات الخضراء والمحميات الطبيعية أهمية كبرى بالنظر للدور الذي تضطلع به في المناطق الحضرية لجهة الحفاظ على الغطاء النباتي الذي يشكل رئة الطبيعة، الأمر الذي يفسر تزايد الاهتمام بها من جهة للمساهمة في الحفاظ على التنوع الحيوي والتوازن البيئي وذلك من خلال إقامة المحميات الطبيعية النباتية والحيوانية المتعددة، ومن جهة ثانية بما يسهم في تطوير صناعة السياحة البيئية، خاصة بعد أن أصبحت المنافس الأول للأماكن الأثرية والتاريخية إنما بالشكل الذي لا يؤثر في سلامة هذه المحميات.

وتشكل المحميات الطبيعية المثال الأبرز للسياحة البيئية بمعناها الحقيقي وتعد إقامتها خطوة متقدمة في استرجاع مصادر التنوع الحيوي وإكثارها من جديد والنجاح في إدارة التنوع البيولوجي وحماية المصادر الوراثية الناتجة عن إقامة المحميات عن طريق إيجاد طرق عملية ووقائية جديدة، تعتمد على المساهمة الفعالة من قبل السكان الذين يعيشون حول المحميات وضمنها، وهو الضمان للاستمرار بتحقيق الغايات المنشودة من الحفاظ والصيانة للتنوع البيولوجي وحماية نظام المحميات واستخدامها بشكل عقلاني بل وتحقيق أهدافها التي أنشئت من أجلها. وتتميز سوريا إلى جانب التنوع الكبير في التضاريس من سهول ووديان وجبال ومنحدرات وجروف صخرية وشواطئ جميلة بثراء البيئة والتنوع الاحيائي، وهو ما يوفر لها فرصاً حقيقية في مجال تحويل هذه الطبيعة إلى واحد من أهم عناصر الجذب السياحي. وعليه فإن الاهتمام بالمحميات الطبيعية يتزايد بشكل مطرد في الآونة الأخيرة، ويصل عدد المحميات الطبيعية في سوريا إلى نحو 30 محمية منتشرة في مختلف المناطق منها الرعوي والاصطناعي والطبيعي وهي مرشحة لأن تكون مصدراً من مصادر الجذب السياحي.

وتهدف هذه المحميات إلى الحفاظ على النظم البيئية الجافة والرطبة الحراجية وعلى الأنواع الوراثية أو التعرية الوراثية والحفاظ على الأنواع الرئيسية المشكلة لبقايا الغابات المتدهورة، وإعادة الغطاء الحيواني بالطيور قدر المستطاع والحياة البرية بالإضافة إلى الفوائد الاقتصادية والاجتماعية البيئية من المحميات.

تقع محمية الشوح والأرز في الجزء الشمالي من سلسلة الجبال الساحلية على السفحين الغربي والشرقي لقمة النبي متى أعلى قمة في الجبال الساحلية بارتفاع 1562م بالقرب من مصيف صلنفة وتبلغ مساحتها 1250 هكتاراً ويقدر عدد الكائنات الحية فيها بأكثر من 65 نوعاً منها الذئب والثعلب والخنزير البري والسنجاب والغزال الجبلي والأرنب البري والأيل الأسمر وفأر الغابات والقنفذ والشحرور والعصفور والغراب الابقع والزيتوني وباشق العصافير والبومة الصغيرة والفراشات والجنادب، كما يقدر عدد الأنواع النباتية بنحو 200 نوع منها النادر والمهدد مثل السنديان اللبناني والمرجان العريض الأوراق والسنديان الأرزي والسوسن والقيقب والوروار الزهري. وكانت منطقة هذه المحمية موئلا للعديد من الأنواع التي واجهت الانقراض كالنمر السوري حيث تشير الاستقصاءات والمشاهدات إلى أن آخر صيد له كان في الستينات، والدب البني السوري الذي اختفى قبل ذلك أيضاً ويتم العمل على إعادته إلى منطقته بإنشاء محمية خاصة به.

والمحمية مقسمة إلى 13 منطقة متجانسة، 9 مناطق في غابة الشوح وثلاث في غابة الأرز وقد ساهم البنك الدولي بمبلغ 750 ألف دولار لتدريب كوادر وبناء مقر للإدارة وإجراء دراسات ونشاطات.

وسط البادية

تعتبر التليلة المحمية الأولى في سوريا التي تأسست بشكل خاص لأغراض الحفاظ على التنوع البيولوجي، فعلى بعد 20كم من مدينة تدمر السورية تأسست المحمية عام 1991 على مساحة 22 ألف هكتار من أراضي البادية السورية، ولقد تمت إحاطة المحمية بخندق ترابي عمقه متران وعرضه 3 أمتار، ويعلو الخندق ساتر ترابي بارتفاع مترين ونصف المتر نتج عن حفر الخندق، وقد بدأ إدخال الأحياء البرية إلى المحمية وتم فيها حصر النباتات المتنوعة ومنها المعمرة جدا حيث تسود الشجيرات القزمة والرعوية والرمث والشيح والقيصوم والقيباء السينائي الذي يحول دون التصحر إلى جانب نباتات حولية تعتبر أعلافاً مهمة للحيوانات خلال أوقات محددة وحفاظا على هذه المحمية حظرت وزارة الزراعة منذ العام 1996 جميع النشاطات البشرية فيها من رعي وزراعة أو تشييد أبنية وخيام أو حفر الآبار أو إلقاء الأتربة والفضلات واقتصر السماح للعاملين في مجالات البحث العلمي.

وتم في المحمية إحصاء أكثر من مائة نوع من الحيوانات منها العقارب والعناكب والحشرات مثل الخنافس والفراشات والبرمائيات كالضفادع والزواحف كالسحالي والثعابين وتم تمييز أكثر من سبعين نوعاً من الطيور وأكثرها شيوعاً القبرة وأبو بليقة والصرد الزقزاق وأنواع الجوارح والثدييات الصغيرة.

واعتماداً على الوجود التاريخي لغزال الرمال والمها العربية في المنطقة، فقد أعطيت الأفضلية لإدخال هذين النوعين، وتشير مصادر وزارة الزراعة إلى أن عدد رؤوس غزلان الريم في محمية التليلة أصبح 450 غزالاً، والمها العربي 96 رأساً، إضافة لعدد من الظباء الصغيرة التي لا تزال مختبئة مع أمهاتها، إضافة إلى وصول مجموعة من طيور النوق النادرة في العالم إلى المحمية والتي من المتوقع تفريخها في المحمية وسيكون هناك أعداد جيدة منها مستقبلاً والطائر المذكور موضوع على القائمة الحمراء ولا يوجد منه في العالم إلا القليل في تركيا والمغرب.

جبل عبدالعزيز

يأتي اختيار جبل عبدالعزيز كمحمية ضمن توجه عام لاختيار عدد من المحميات على مستوى سوريا ذات بعد استراتيجي من نواح عدة بيئية وسياحية وعلمية وغيرها وتقع المحمية الطبيعية في جبل عبدالعزيز في الجهة الجنوبية الغربية من محافظة الحسكة، وهي عبارة عن سلسلة جبلية متباينة الارتفاعات والانحدارات، حيث تصل إلى أعلى قمة لها في موقع مرقب علي إذ يبلغ الارتفاع في القمة 945 متراً عن سطح البحر وتبلغ مساحة المحمية 49 ألف هكتار من إجمالي مساحة الجبل البالغة 84050 هكتاراً.

ويقدر عدد الأشجار ضمن المحمية البيئية ب25 ألف شجرة غالبيتها من البطم الأطلسي والكونجوك والزعرور واللوز الشرقي والتين البري.

ويهدف إنشاء المحمية إلى إعادة الغطاء النباتي إلى سابق عهده وإعادة الحيوانات والطيور البرية والمحافظة عليها من الانقراض وتحسين الوضع البيئي والسياحي للمنطقة والمحافظة على الأصول الوراثية لبعض النباتات وحفظ التربة وتنظيم مساقط المياه وتحسين المناخ الموضعي لجبل عبدالعزيز.

الفرنلق ورأس البسيط

تقع محمية غابات الفرنلق في محافظة اللاذقية على مساحة تقدر ب1500 هكتار. وهي ذات نظام غابوي، وتحوي أنواعاً نباتية وحيوانية متنوعة تقدر بين 200 و300 نوع من أهمها السنديان شبه العذري والصنوبر والبايونيا والسوسن ذو الحلة، تنمو على تربة ناشئة على صخور اندفاعية خضراء نادرة الوجود في سوريا، ويتميز المناخ فيها برطوبة منعشة حيث إن معدل الهطول المطري نحو 1000مم وتأتي أهميتها من كونها مسكناً ومعبراً للعديد من الحيوانات البرية كالذئاب والثعالب والأرانب البرية والطيور المهاجرة والنسور والبواشق من أوروبا إلى آسيا وتحوي صخوراً متنوعة منها صخور سربنتين والغابر وايمفو موليت. وتعد غابة الفرنلق مقصداً سياحياً للعديد من السياح من داخل سوريا وخارجها وهناك خطة لتشجيع السياحة البيئية كمصادر دخل بديلة. أما محمية رأس البسيط في محافظة اللاذقية فقد أقيمت على مساحة 3 آلاف هكتار وهي محمية بيئية حراجية منذ العام 1999. كما أقيمت محمية أم الطيور الشاطئية في محافظة اللاذقية على مساحة تقدر بألف هكتار بهدف إعادة تأهيل الأنواع النباتية والحيوانية المنقرضة، والتي توجد في مواقع أخرى مشابهة وإعادة تنمية وتأهيل الأنواع المهددة بالانقراض والنادرة بحيث تؤمن عودتها بأعدادها الطبيعية التي كانت موجودة في الأيام الخالية للتوازن البيئي. وتتصف المحمية بشاطئ صخري وفي الجنوب يصبح رملياً تتميز بوجود نباتات متوسطية مختلطة بين المتوسطي والحار وتكثر فيها أشجار البطم والسنديان والخرنوب والزيتون البري، أما في التلال المتاخمة لرمال الشاطئ فتوجد النباتات الشجيرية وتحت الشجيرية وتحوي العديد من الحيوانات كالخنزير البري والأرانب والثعالب والزواحف والطيور البرية والحشرات.