لا شك أن المختبرات العلمية في المدارس ركيزة أساسية لإعداد أجيال الإبداع والابتكار، المسلحة بالعلم والمعرفة في بيئة التجارب والبحث العلمي، إذ تعد ترجمة واقعية للدراسات النظرية التي تحاكي مختلف مناحي الحياة.
ويعتبرها خبراء وتربويون ومتخصصون حاضنات تفاعلية تعول عليها النظم التعليمية في إعداد علماء المستقبل، من المبتكرين والعباقرة، لاسيما أنها تبلور صورة واقعية ملموسة للاكتشافات العلمية، والابتكار والإبداعات الطلابية.
في وقت تركز وزارة التربية والتعليم على تطبيق 30% من المواد العلمية داخل أروقة تلك المختبرات، أي ما يعادل الثلث، بداية من العام الدراسي المقبل، إذ انتهت الوزارة من خطة تشغيلية طموحة للمختبرات العلمية، تهدف إلى تفعيلها في كافة المدارس المنضوية تحت مظلتها بنسبة 100%، لتكريس دورها في بيئات التعلم، ورفد الطلبة بمعارف ومعلومات ومهارات عملية في مواد الفيزياء والكيمياء والأحياء والعلوم العامة، وتحقيق التكامل بين الجوانب النظرية والعملية في أذهانهم، في المدرسة الإماراتية.
«الخليج» تناقش مع الخبراء والتربويين أهمية المختبرات العلمية في المدارس، وسبل تطويرها لمواكبة مستجدات التعليم عالمياً، ومدى مساهمتها في إعداد علماء الغد، وزيادة حجم الاكتشافات العلمية والاختراعات في مدارس الدولة، فضلا عن دورها في جودة المنتج التعليمي بالدولة والارتقاء بمنظومتها التعليمية.
ست فوائد
البداية كانت مع الخبير الدكتور عبد الله مصطفى، الذي بلور أهمية المختبرات العلمية في المدارس في 6 فوائد تنعكس على المعلمين والمخرجات الطلابية مستقبلاً، حيث تسهم في تنمية التفكير العلمي لدى الطلاب، مثل ربط الأجهزة واستخدام الأدوات والمواد بشكل صحيح، فضلا عن تنظيف الأدوات المختبرية وتجفيفها وتخزينها وتصليح البسيط منها.
وأضاف أنها تؤهل الطلبة للقيام بعمليات مختبرية تضم على سبيل المثال الترشيح والتقطير والتسخين والتسحيح، فضلا عن تنمية تفكيرهم العلمي من حيث تحديد المشكلات والتنبؤ وفرض الفروض للتوصل إلى استنتاجات، وحلول وما يرافق هذا من تفكير من عمليات عقلية كالملاحظة والتفسير وتسجيل المعلومات.
وأكد أن إجراء التجارب المختبرية، يعد فرصة لتنمية ميول الطلاب وزيادة حماسهم نحو دراسة العلوم، لاسيما أن التجارب المختبرية تساعد في تنمية وتعميق الاتجاهات العلمية عند الطلاب، وتنمية تلك الاتجاهات، فضلا عن إتاحة فرص جيدة للطلبة للإبداع والتفكير تارة، وتحسين وتطوير التجارب تارة أخرى، مع التركيز على اقتراح أفكار جديدة تواكب متطلبات الحياة الواقعية.
المهارات البحثية
أما الخبير الدكتور عز الدين حطاب رئيس كلية الدار الجامعية، فيرى أن مدارس الإمارات تزخر بالمختبرات العلمية الحديثة، التي تسهم في تنمية المهارات البحثية لدى الطلبة، لاسيما الموهوبين، فضلا عن إعداد أجيال من العلماء والعباقرة والمخترعين في المواد العلمية، التي تحاكي جوانب كثيرة في حياتنا اليومية، مشيرا إلى أهمية إعداد الكوادر الفنية والمعلمين، إذ ينعكس ذلك على بناء أبنائنا في المدارس على قاعدة راسخة قوية من العلم والمعرفة، تمكنهم من إجراء مختلف أنواع التجارب العلمية والمختبرية.
وأكد أن سياسات التعليم في مختلف دول العالم، لاسيما المتقدم تركز على تكوين المهارات العلمية والعناية بالنواحي التطبيقية في المدرسة، إذ يعد التعليم عن طريق المختبر مصدر يقظة لاهتمام الطلبة، فضلا عن تنمية القدرة على المشاهدة والتسجيل الدقيق والاستنتاج المبني على الحقائق، مضيفاً أن هذا النوع من التعليم، ينمي المهارات والأساليب ذات القيمة الهادفة.
واعتبر المختبر العلمي من أساسيات العملية التربوية، لاسيما في المدارس الثانوية والمتوسطة، إذ يسهل على الطلاب التعلم وعلى المعلمين الأداء المتكامل في شرح دروسهم، وإجراء التجارب العملية بدقة متناهية، ويكتمل فيه استيعاب الطالب للمعلومات.
الجانب الواقعي
وفي لقاء عدد من التربويين ومعلمي المواد العلمية، أكدوا أن المختبرات العلمية تلعب دوراً كبيراً في تجسيد الجانب الواقعي لدى الطلبة، لاسيما أن مخيلتهم لا تساعدهم في بلورة حقيقة المادة العلمية وأهمية مساراتها من الجانب النظري فقط، ويلاحظ ذلك في الكثير من الدروس التي تأتي ضمن المناهج في مراحل التعليم المختلفة.
من جانبها ترى التربوية سمر أبو مرسة، أن أهمية التجارب المعملية للطلبة تكمن في تقريب المعلومات النظرية وترسيخها في أذهان الطلاب، وتكسبهم خبرات ومهارات متنوعة، وتعودهم على استخدام الأجهزة، وتعرفهم ببعض المواد المستخدمة، فضلا عن مساعدتهم على الإبداع، وتنمي قدرتهم على تصميم وتركيب الأجهزة والتعامل معها.
وأضافت أن التجارب المعملية تتيح الفرصة للطالب للتغلب على بعض الصعوبات العلمية التي تواجه العاملين في المختبرات العلمية، وتبرز التجارب المعملية أهمية اتخاذ الحيطة والحذر اثناء العمل في المختبرات، وتقرب لهم مفاهيم السلامة والأمان بشكل عملي وتطبيقي، فضلا عن أنها تعود الطلاب على الدقة في العمل، لاسيما أن بعض التجارب تحتاج إلى دقة في أوزان المواد المستخدمة، ودقة في ظروف التشغيل.
وأكدت معلمة العلوم ثنا خرم، أن الطالب يتعود اثناء أدائه التجارب المعملية على العمل الجماعي، والعمل الانفرادي حسب نوعية التجارب، وتكسبه التجارب المعملية «الترتيب والتنظيم» والدقة في اداء التجارب، التي تمثل ركناً مهماً في الجانب العملي للمواد العلمية، لاسيما أن التجارب المعملية تساعد الطلبة على التفكير والاكتشاف والبحث بتعويدهم على طريقة البحث العلمي، الذي يقرب إلى حد كبير مع تصميم كثير من التجارب المعملية، وتعودهم على أهمية رؤية بعض الحقائق العلمية والاحتكام إلى الواقع العلمي مع إبراز أهمية القواعد النظرية.
خطة تشغيلية
وفي وقفة معها أكدت وزارة التربية والتعليم أهمية المختبرات العلمية في المدارس، والدور الذي تلعبه لبناء علماء المستقبل، لذا تم إعداد خطة تشغيلية حديثة للمختبرات العلمية، يتم تفعيلها في كافة المدارس المنضوية تحت مظلتها بنسبة 100%، لتكريس دور المختبرات المدرسية في بيئات التعلم ضمن المدرسة الإماراتية، لرفد الطلبة بمعارف ومعلومات ومهارات عملية في مواد الفيزياء والكيمياء والأحياء والعلوم العامة بحيث تتكامل الجوانب النظرية والعملية في أذهانهم.
وقالت الوزارة إن الخطة التشغيلية للمختبرات، أن يتم تطبيق ما نسبته 30% من المواد المذكورة داخل أروقة المختبرات، وفقا لأفضل ممارسات التعليم الحديثة، التي من شأنها مواكبة آخر التطورات في قطاع التعليم بما يسهم في تحسين جودة المنتج التعليمي بالدولة والارتقاء بمنظومتها التعليمية، موضحة أن الخطة التشغيلية تدخل حيز التنفيذ بداية العام الدراسي المقبل، وتشمل مختلف المراحل التعليمية بحيث تغطي منهاج العلوم للطلبة في الحلقتين الأولى والثانية، فيما تشمل مواد الفيزياء والكيمياء والأحياء لطلبة المرحلة الثانوية.
تمكين الطلبة
في تصريحاته، قال الدكتور حمد اليحيائي الوكيل المساعد لقطاع المناهج والتقييم في وزارة التربية والتعليم إن الخطة التشغيلية تستهدف تمكين الطلبة من امتلاك أدوات البحث في المواد الدراسية المذكورة، بما يسهم في تعزيز قدراتهم الأكاديمية والعلمية ضمن قوالب تربوية تتوخى فتح وتوسيع مدارك الطلبة وأخذها إلى آفاق أرحب من التجريب والتمحيص داخل قاعات المختبرات المدرسية.
وأفاد بأنه وفقاً للخطة التشغيلية، يتم إفراد ما نسبته 30% من حجم المواد الدراسية «العلوم، والفيزياء والكيمياء والأحياء والعلوم العامة» للتطبيق في المختبرات وهو ما يعني إتاحة وقت كاف للطلبة، كي تتكامل لديهم الجوانب النظرية مع العملية في المناهج العلمية، والابتعاد عن الطرق التقليدية في تدريسها مبينا أنها مواد دراسية تقوم أساسا على التجريب والبحث ولا تقتصر فقط على حفظ النظريات وتخزينها.
وأكد أنه تم تشكيل مجلس لاختصاصيي المختبرات، يضم قسم المختبرات ومختصي المختبرات في المدارس، فضلا عن اختصاصي من قطاع المناهج والتقييم وإدارة مصادر التعلم والحلول التعليمية، وذلك بهدف متابعة الخطة التشغيلية عن كثب ووضع كافة الأطر الضامنة لنجاحها عند تطبيقها في الميدان التربوي مطلع العام الدراسي المقبل.
مهارات القرن 21
من جانبها قالت شريفة موسى مدير إدارة مصادر التعلم والحلول التعليمية في وزارة التربية إن الخطة التشغيلية الخاصة بالمختبرات تستهدف تنمية مهارات التفكير العليا للمتعلمين بما يدعم مخرجات مناهج المدرسة الإماراتية ويعزز مهارات القرن 21 لدى طلبتنا من خلال خوضهم غمار تجارب عملية داخل أروقة المختبرات، مبينة أن إعداد الخطة التشغيلية يتطلب تعاونا وثيقا بين مختلف إدارات وزارة التربية والتعليم بغية إيجاد نموذج متفرد وفعال يضمن تحقيق الفائدة المرجوة من الخطة.
وأشارت إلى أن الوزارة حاليا في مرحلة تنفيذ الخطة التشغيلية للمختبرات بعد أن اجتازت مرحلة الإعداد والتخطيط.
توضيح المفاهيم
أما الدكتور رشيد الحمادي مدير إدارة مناهج الصفوف المتوسطة فيرى أن المختبرات العلمية بأنواعها سواء في مناهج العلوم المتكاملة في الحلقتين الأولى والثانية، أو في المراحل العليا المتخصصة، تسهم في توضيح المفاهيم العلمية للطلبة وتترجمها بشكل عملي وواضح وتكرسها في أذهانهم، ما يدفعهم إلى إدراكها بما يتوافق مع المعايير ونواتج التعلم التي أفردتها الوزارة، مبيناً أن المختبرات تحفز الطلبة وتشجعهم على التعلم بطريقة التساؤل والبحث العلمي وتجسيد النظريات العلمية في قاعات المختبرات من خلال التجارب التي تتضمنها المناهج العلمية. وأشار إلى أن امتلاك الطلبة أدوات البحث من شأنه أن ينعكس على فضولهم العلمي وعلى طريقة تفكيرهم ويفتح أمامهم الأفق واسعا لخوض غمار التخصصات العلمية في المراحل الدراسية اللاحقة التي بدورها تؤسسهم للانخراط في ميادين ومشاريع الدولة الطموحة.
تطوير قدرات اختصاصيي المختبرات
أكدت شريفة موسى مديرة إدارة مصادر التعلم والحلول التعليمية في وزارة التربية، أن عملية تفعيل المختبرات يرافقها جهد كبير في مجال تطوير قدرات اختصاصيي المختبرات من خلال تقديم دورات متخصصة لهم كل حسب مجاله، بما يعزز فعاليتهم في الميدان التربوي للوصول إلى النتائج المرجوة التي حددتها الوزارة بما يفضي في المحصلة إلى تطوير قدرات الطلبة الأكاديمية في المواد الدراسية المستهدفة.