بعيداً عما يرتكب من جرائم شنيعة تحت تأثير المخدرات، فإن كثيراً من الذين يتعاطون هذه السموم يدفعون ثمناً باهظاً من صحتهم وكرامتهم، فضلاً عن أموالهم التي يهدرونها في الحرام، ومع ذلك لا يتعظ المتعاطون من الخسائر الفادحة التي تلحق بهم وبأسرهم وببلادهم نتيجة تعاطي هذه السموم، حيث تؤكد التقارير الأمنية ارتفاع معدلات جرائم متعاطي المخدرات، وتؤكد التقارير الطبية فقدان الآلاف من الشباب حياتهم سنوياً بسبب هذه السموم، أما ما يهدر على المخدرات من أموال فحدث عنه بلا حرج، فالعرب يهدرون كل عام عشرات المليارات من الدولارات على المخدرات، وتجارها يتزايدون يوماً بعد يوم، وضحاياها يتضاعفون .
لقد تحولت مشكلة المخدرات في عالمنا العربي إلى كارثة أمنية وصحية وأخلاقية واقتصادية، والأمر يحتاج تدخلاً سريعاً وحاسماً لإنقاذ صحة وعقول وأخلاق شبابنا، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأموال الطائلة التي تهدر يومياً على هذه السموم بأشكالها كافة .
خطر الإدمان
أستاذ الطب النفسي الدكتور أحمد عكاشة يؤكد أن تعاطي وإدمان المخدرات أصبح مشكلة كبرى في البلاد العربية بالفعل، وضحايا المخدرات يتضاعفون في ظل إغراق البلاد العربية بكميات هائلة من هذه السموم التي أصبحت تنتج داخل بعض البلاد العربية وتنتقل إلى الدول المجاورة لها .
وبحكم خبراته وعلاجه بعض ضحايا المخدرات في مصر يؤكد الدكتور عكاشة أن إدمان المخدرات ظاهرة تزداد كل يوم استفحالاً في الدول العربية كافة .
وتشير الإحصاءات والتقارير الأمنية والصحية والاجتماعية إلى ذلك، رغم الجهود الأمنية الكبيرة التي تبذل للقضاء على مصادر المخدرات والسموم والجهود الصحية التي تبذل لعلاج المدمنين، ولذلك يرى ضرورة تفعيل وسائل المواجهة الأمنية والإعلامية والدينية والصحية والاهتمام بوسائل الوقاية، فهذه السموم القاتلة أصبحت الآن تتداول بين التجار والمروجين لها والمدمنين بيسر وسهولة، بل في ظل ضعف أجهزة الشرطة في بعض البلدان العربية أصبح تجارها يبيعونها علناً في الشوارع وأمام الجامعات، وفي ظل توافرها وانخفاض أسعارها أصبحت متاحة وفي متناول شبابنا، ولذلك لا بد أن تكثف أجهزة الأمن في البلدان العربية من جهودها لمنع وصول هذه السموم إلى أيدي الشباب .
ويطالب أستاذ الطب النفسي دعاة وعلماء الإسلام ورجال الدين المسيحي القيام بواجباتهم الدعوية، بحيث تصل تحذيراتهم إلى الشباب المستهدف، كما يطالب وسائل الإعلام المختلفة القيام برسالتها وواجباتها في هذا المجال على الوجه المطلوب، فكثير من وسائل إعلامنا على اختلاف توجهاتها لم يعد يضع مشكلة مواجهة تعاطي المخدرات وإدمانها على خريطة اهتماماته . أيضاً لا بد أن تقوم المدارس والجامعات بدورها، ومن المحزن والمؤسف أن نسمع أو نقرأ عن ترويج هذه السموم داخل بعض المدارس وفي ساحات بعض الجامعات .
وعن الحالة النفسية لمتعاطي المخدرات واستعداده لارتكاب الجرائم يقول الدكتور عكاشة: متعاطي المخدرات ليس إنساناً سوياً، بل هو في حقيقة الأمر إنسان مريض يحتاج إلى علاج، وهذا الإنسان من الطبيعي أن يكون متقلب المزاج غير مستقر النفس، يعاني مشكلات نفسية كثيرة، ولديه الاستعداد لارتكاب الجرائم، وهو في حالة غياب عقله بسبب هذه السموم يمكن أن يفعل أي شيء لأنه مغيب العقل .
مشكلات أسرية
الخبير الاجتماعي والنائب السابق لرئيس جامعة الأزهر الدكتور نبيل السمالوطي يؤكد أن تعاطي وإدمان المخدرات يسبب مشكلات اجتماعية كثيرة، فالعلاقة بين الأزواج الذين يقعون في براثن المخدرات مع زوجاتهم دائماً متوترة وتحدث جرائم كثيرة في محيط الأسرة نتيجة تعاطي المخدرات وإدمانها، والعلاقة بين الأبناء المدمنين وأسرهم لا تقف عند حد، فبعض الشباب يرتكب جرائم بشعة مع والديه من أجل الحصول على أموال للإنفاق على المخدرات، وهي جرائم مؤسفة ومحزنة وتكشف عن تداعيات خطرة اجتماعياً وأخلاقياً، فضلاً عن تداعياتها الأمنية والاقتصادية الخطرة .
ويرى الدكتور السمالوطي أن المخدرات تشكل خطراً بالغاً على الأمن القومي العربي وتهدد الوطن بأكمله، وهذا الكابوس يفرض على الدول العربية أن تتعاون في ما بينها لمواجهة تجار هذه السموم، ويقول: مشكلة المخدرات مشكلة كبرى تواجه كافة الدول العربية وتعاطي وإدمان المخدرات خطر يواجه الإنسان العربي، لا فرق في ذلك بين مواطني دولة وأخرى، ولذلك لا بد من التعاون والتكامل والجهود المشتركة لمواجهة وردع تجار ومروجي هذه السموم .
وهنا يؤكد أستاذ العلوم الاجتماعية ضرورة الضرب بيد من حديد على رؤوس الفاسدين الذين يتاجرون في المخدرات ويروجونها بين شبابنا، فردع هؤلاء من خلال العقوبات المشددة التي تصل بهم إلى حبل المشنقة أمر واجب، فهم مفسدون في الأرض، وينبغي أن ينالوا العقاب الإلهي الرادع، كما ينبغي تقديم العلاج العاجل والآدمي للمدمنين، والتعامل معهم على أنهم مرضى يحتاجون إلى علاج وليس مجرمين ينبغي أن يوقع عليهم العقاب، لأن النظرة القاصرة للمدمن، تصرف كثيراً من الشباب الذي وقع في وحل الإدمان عن العلاج .
توازن نفسي
يؤكد خبير الطب النفسي الدكتور يسري عبد المحسن أستاذ الطب النفسي في جامعة القاهرة أن مشكلة الإدمان لا يصلح معها الحل الأمني وحده ولا الحل الطبي من خلال علاج المدمنين، بل لا بد من حوائط صد وقائية لمواجهة مثل هذه المصائب .
ويقول: لا شك في أن التربية الجيدة للأبناء تحميهم من كل ما يضر بعقولهم وصحتهم وأموالهم، كما أن التدين الصحيح وأداء العبادات الإسلامية لهما تأثيرات إيجابية في الحالة النفسية والاجتماعية للإنسان، وحمايته من الوقوع في براثن المخدرات، فهذه العبادات كما نفهم من أهدافها ومقاصدها الشرعية التي يتحدث عنها بصورة أعمق علماء الدين تستهدف حماية الإنسان وإصلاح الإنسان من الداخل وضبط علاقاته بالآخرين، ولو نظرنا إلى كل فريضة على حدة لوجدنا أن لها مكاسب ومنافع عدة من الناحية الروحية والصحية .
ويضيف أستاذ الطب النفسي: لا يمكن أن يتعاطى المخدرات شاب يصلي بانتظام، لأن الصلاة تهذب سلوكيات الإنسان وتربطه بخالقه وتصرفه عن سلوكيات خاطئة كثيرة، وهذا سر قول الحق سبحانه: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والفحشاء والمنكر جرائم سلوكية أخلاقية .
ويرى الدكتور عبد المحسن أن شهر رمضان فرصة للمدمنين لكي يتخلصوا من تعاطي المخدرات، ويقول: الصيام يهذب سلوكيات الإنسان، ويوفر له فرصة لمحاسبة نفسه، وكما أخبرنا القرآن هدفه (التقوى) والتقوى كلمة شاملة جامعة لحالة سلوكية ومزاجية نادرة، والإنسان الذي يتحلى بصفة التقوى تلتقي فيه كل الفضائل ويعيش في سعادة حقيقية فهو قانع بما رزقه الله به، وهو مدرك لرسالته في الحياة ويعرف أنها مجرد رحلة وسوف تنتهي في يوم من الأيام، ولذلك لا يظلم ولا يفسق ولا يسيء إلى الآخرين، ومثل هذا الإنسان يعيش حالة نادرة من التوازن النفسي .
لذلك يجب أن نعتمد على البعد الديني في مواجهة الإدمان، فالالتزام الديني يحمي الإنسان من كثير من العادات والسلوكيات الضارة، وأخلاقيات الإسلام أفضل حائط صد ضد كل ما هو حرام وضار ومهلك للنفس والبدن والمال .
مواجهة واجبة
العالم الأزهري الدكتور أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء يؤكد أن الموقف الشرعي من المخدرات واضح ومحسوم وليس محل خلاف كما يعتقد البعض، فالإسلام يحل الطيبات ويحرم الخبائث ويدعو المؤمنين أن يكونوا أقوياء لا أن يهدروا صحتهم ويهلكوا أموالهم ويغيبوا عقولهم بتعاطي أو إدمان مخدرات أو مسكرات، فالله سبحانه وتعالى يقول: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ويقول: ولا تقتلوا أنفسكم والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك . وفي تعاطي المخدرات وإدمانها هلاك للبدن وقتل للنفس، ومصائب لا حصر لها، فبسبب المخدرات يعتدي الولد على أمه وأبيه، وبسبب المخدرات يقتل الرجل زوجته، أو يرتكب معها ما يغضب الله، وبسبب المخدرات يرتكب الأبناء الذين ابتلاهم الله بهذا البلاء أبشع الجرائم ضد آبائهم وأمهاتهم .
ويضيف: الإسلام يرفع شعار لا ضرر ولا ضرار، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مسكر مفتر، وهناك أدلة كثيرة على تحريم المخدرات منها قوله تعالى: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، وقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار، كما يندرج تحريم المخدرات ضمن تحريم الخمر والمسكرات، حيث إن المخدرات تخامر العقل وتغطيه وتخرجه عن طبيعته، وكما قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخمر ما خامر العقل .
ويطالب الدكتور هاشم بضرورة المواجهة الشعبية للمخدرات، وعدم التعامل بسلبية مع تجار هذه السموم فالإبلاغ عنهم ومساعدة السلطات الأمنية في ضبطهم لتقديمهم للعدالة من الواجبات الدينية التي لا يجوز التفريط فيها حماية للمجتمع كله من تداعياتها الخطرة وآثارها المدمرة، كما ينبغي القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع المتعاطين والمدمنين ومساعدتهم على العلاج والتوبة الصادقة والبعد عن هذه الخبائث والمهلكات .
ويشدد الدكتور هاشم على دور الأسرة في المقاومة، عن طريق الحوار الإيجابي والبناء بين الآباء والأبناء، حيث ثبت أن أكثر الشباب وقوعاً في براثن هذه السموم هم الذين يعانون مشكلات أسرية، لذلك من المهم أن يكون هناك حوار أسري مستمر بين الآباء والأبناء لتعريفهم المخاطر الناجمة عن تعاطي المخدرات وتوضيح حرمتها وأثرها في النفس والمجتمع وتذكير الأبناء بكل ما جاء من آيات عن الخلق السليم والحفاظ على النفس، والاهتمام بالنشاط المشترك بين الأسرة والمؤسسات الاجتماعية المحيطة مثل النوادي والجمعيات الخيرية وتنمية هذه النشاطات لمصلحة الأبناء، وبعد الدور الأسري يأتي الدور التعليمي في المدرسة والجامعة من خلال مواجهة الأسباب التي تدفع الطلاب إلى تناول أو تعاطي المخدرات بدراسة البيئة التي يتم تعاطي المخدرات فيها، والربط بين المؤسسة التربوية والمنزل في تحقيق متابعة الطلاب ووقايتهم من أخطار الانحراف ومسايرة أصدقاء السوء، من خلال برامج التوجيه والإرشاد الموجهة إلى الطلاب والأهالي وأعضاء هيئة التدريس، والتي توضح أخطار الإدمان وأساليب الوقاية منها .