النص المسرحي المكتوب هو كما يسمونه في الإنجليزية Blue Print النسخة الزرقاء، وهذا المصطلح يعني أن النص لا تكتمل قيمته إلا عندما يعرض على خشبة المسرح . لأن الكاتب المسرحي قد كتبه أساساً كي يعرض . وعناصر إكتماله وترجمته على خشبة المسرح هي: الممثلون وتجسيدهم للشخصيات وإعطاؤها روحها ونفسها، الديكور الذي يجسد المكان والزمان ويعطيهما رمزيتهما الحقيقية، الاضاءة والصوت والموسيقا والمؤثرات التي تضيف على العرض ما تضيفه من الإحساس بالزمان والمكان وقوة اللحظة التمثيلية والمشهدية، وحركة الممثلين وتفاعلهم مع بعضهم ومع النص واللحظة والمكان وما يسمى بال mise en scene، فالكاتب المسرحي عندما يكتب نصه يعي تمام الوعي أهمية هذه العناصر لترجمة نصه على الخشبة وإعطائه الروح والحياة، كي يصبح عرضاً كاملاً يوصل المسرحية إلى هدفها وتجربتها الكاملة للمشاهدين، فالنص المسرحي يُكتب كي يعرض وليس كي يُقرأ، وهو بالتالي لا يصل إلى قيمته الكاملة إلا عندما يعرض على خشبة المسرح . ولكن هذا لا يعني أن النص المسرحي ليست لديه قيمة معنوية، بل على العكس، إن النص المسرحي يستعمل كعنصر أساس من عناصره اللغة، ولهذا يسمى بالأدب المسرحي، وبالإضافة إلى اللغة، فإن الكاتب المسرحي يستعمل أيضاً كعنصر أساس في عمله خلق شخصيات المسرحية، وهذا بحد ذاته عمل إبداعي، لأن القصة المسرحية مكونة من أحداث معينة تجري مع شخصيات معينة يتفاعلون مع بعضهم، وهذا بالتالي يخلق أحداثاً أخرى خاصة ومحددة، وكذلك فإن النص المسرحي يحاور موضوعاً معيناً أو فكرة معينة ليطرحها على الجمهور، ولذلك فإن النص المسرحي يمكن اعتباره أدباً غنياً ولكن ترجمته على خشبة المسرح مع رؤية المخرج وتجسيد الممثلين للشخصيات وإبداع المهندسين التقنيين، تعطيه قيمته الفعلية الكاملة كتجربة يشارك فيها المشاهد .
المخرج هو من يترجم النص المسرحي على خشبة المسرح . المخرج الجيد هو من يستطيع أن يفهم النص حق الفهم ويعطيه معناه الكامل وقيمته الحقيقية بالعمل مع الممثلين والمهندسين، والتقنيين، ولكي يستطيع المخرج القيام بهذا العمل عليه:
أولاً: أن يفهم معاني النص الظاهرة والباطنة ويدركها إدراكاً جيداً بعقله وروحه .
ثانياً: أن يفهم الشخصيات فهماً حقاً ويدرك لماذا تفعل وتقول كل شخصية ما تفعله وتقوله .
ثالثاً: أن يقدّر قيمة اللغة والكلمة المستخدمة حق تقدير ويظهر أهميتها .
رابعاً: أن يفهم الفكرة والمغزى الأساسيين للنص وجميع الأفكار الفرعية .
خامساً: أن يعمل على تحليل النص تحليلاً دقيقاً وصادقاً .
سادساً: أن يحدد تراتبية العناصر المسرحية التي ينوي أن يستخدمها في رؤيته ومفهومه للنص، وهي مكونة حسب مفهوم وتعريف أرسطو من: اللغة، الشخصيات، المغزى، الأحداث، الموسيقا، المشهدية .
سابعاً: أن يكوّن رؤيته للعمل وكيفية خلقه على الخشبة .
ثامناً: أن يفهم رؤيته للمهندسين العاملين على خلق الديكور والإضاءة والموسيقا والصوت والملابس والمكياج والإكسسوارات .
تاسعاً: أن يعمل مع الممثلين على إبراز الشخصيات وتفاعلهم مع الحدث المسرحي في إطار خلق المشهدية اللازمة .
هذا هو ما تقوله المدارس المسرحية عامة، وما يفعله مخرج أية مسرحية، فإن المخرج ليس من حقه أن يأخذ النص ويحدث فيه تغييرات لتناسب رؤيته هو، بل عليه أن يجتهد كل الاجتهاد لفهم معاني النص وإبراز رؤية الكاتب لنصه، أما من يعمل من المخرجين على تغيير النص المسرحي المكتوب، فعليه أن يأخذ إذناً على ذلك من الكاتب، وإذا كان الكاتب متوفياً وقد مضى على وفاته خمسون عاماً، فعندها يكون لدى المخرج الحق أن يحدث تعديلات على النص بشرط أن يعلن أن النص مأخوذ بتصرف، وهذا يعني أن المخرج قد تصرف بالنص حسب رؤيته وليس حسب رؤية الكاتب . إن هذا هو ما تنصه قوانين الحقوق الملكية الفكرية والأدبية في المسرح .
كل ما تقدم هو مختصر لمفهوم الإخراج كما تدرّسه الجامعات المختصة عامة، في ما يتعلق بالعمل مع نص مكتوب، ولكن في المدارس والتجارب المسرحية هناك الكثير من التفرعات والاختصاصات، فهناك المسرح الكلاسيكي، والمسرح الشكسبيري، والمسرح الغنائي، والمسرح الواقعي، ومسرح الفودفيل، ومسرح الشانسونية، ومسرح الجسد، ومسرح الصرامة، ومسرح الكابوكي، ومسرح ما بعد الحداثة، ومسرح الأطفال، إلى ما هناك من مدارس وتجارب . كل من هذه المدارس لديها أساليبها الخاصة لرؤية المسرح والنص والعرض، فمنها من لا يعمل على نص مكتوب، بل يعمل على خلق هذا النص من خلال تمارين مسرحية للفرقة، ومن ثم يتبلور هذا العمل بكل مكوناته من جسد الممثل إلى تعاطيه مع الممثل الآخر أو حتى الإكسسوار أو نوتة موسيقية مثلاً، وجميع هذه المدارس المسرحية والتجارب الحديثة لها مبدعوها وجمهورها وليس بإمكان أحد أن يقول إن هذه المدرسة أو تلك هي أصح أو أسوأ من الأخرى، كل ما يمكن للمختصين عمله هو شرح معتقدات وأساليب وتجارب كل مدرسة، أما المشاهد فبإمكانه أن يعطي رأيه بما يفضله .
كل ما تقدم هو شرح بسيط بمفهومي الشخصي عن علاقة المخرج بالنص، أما بالنسبة لتجربتي الشخصية وربطها بمبادئي المسرحية وكل ما تقدم فهو الآتي:
لقد عملت على إخراج ست مسرحيات من مختلف الأنواع والمدارس عندما كنت أعمل على دراساتي العليا في الإخراج المسرحي في جامعة اركانساس في الولايات المتحدة، وفي هذه التجارب كنت ملتزمة جداً بالنص عندما كان العمل واقعياً ومن كتابة مسرحيين معاصرين، وعندما كان العمل كلاسيكياً كنت أعمل على مقاربة النص من زاويتي الخاصة ورؤيتي ومفهومي الخاصين، بحيث كنت أدخل أفكاري الخاصة على المعالجة المسرحية بحيث ألقي ضوءاً جديداً على العمل لم يلق من قبل، وعندما عملت مع كاتب جديد كانت تجربتي بأن أضع أمامه الشخصيات والأحداث كما هي في النص كي يستطيع رؤيتها بوضوح أمامه ثم يقوم بالتعديلات التي يراها مناسبة، وعندما تخرجت في الجامعة عملت على إخراج أربع مسرحيات، وكانت كلها مشغولة بما بت أسميه بأسلوبي الخاص، الذي يختصر بتحليلي للنص تحليلاً كاملاً وعميقاً ومن ثم تحديد تراتبية العناصر ورؤيتي الخاصة واستعمال مزيج من الأساليب المسرحية حسب نوع وفكرة العمل .
بعد رجوعي إلى لبنان، كانت لي أول تجربة في الكتابة المسرحية، وهي مسرحية حكي نسوان التي عضرت مدة عامين في بيروت، وكانت كلها أصدقاء جيدة . في هذه المسرحية كانت تجربة الكتابة ليست كأي تجربة كلاسيكية، لأن الفكرة كانت مقتبسة من الكاتبة الأمريكية إيف أنسلر، ولأن النص لم يكن نصاً كلاسيكياً بل كان عبارة عن مجموعة من المونولوجات المسرحية وهي مأخوذة عن قصص حقيقية لنساء قابلتهن، وبهذا فإن تجربتي في كتابة حكي نسوان لم تكن صعبة مسرحياً لأنه لم يكن هناك عقدة أساسية وشخصيات تتفاعل مع الأحداث في مكان وزمان مختارين، بل كانت المسرحية عبارة عن اثني عشر مونولوجاً، كل مونولوج يعالج مشكلة معينة وموضوعاً معيناً، مرّت أو تمرّ به امرأة من لبنان، وكان الزمان هو الحاضر والمكان هو خشبة المسرح من دون حائطه الرابع، وكانت الشخصيات هي ذاتها الممثلات اللواتي يعين أنهن يمثلن أدوار نساء ويسمعن نداءاتهن . فكانت تجربة الكتابة محصورة بانتقائي للمواضيع التي أحببت أن ألقي الضوء عليها ومقابلاتي الكثيرة للنساء وسماعي قصصهن، ومن ثم عودتي وتوليفي لكل قصة بأسلوب مغاير للآخر حسب الموضوع المعالج والمرأة المعنية .
أما عن طريقة إخراجي لهذا العمل فكانت مناسبة للنص ونوعيته، فقد كان النص نوعاً من شهادات حقيقية لنساء لبنانيات يتكلمن عن واقعهن في الحياة والمجتمع والعلاقات والجسد والرجل، بطريقة حقيقية وشفافة، لكي يسمعن صوتهن للجميع، ولهذا كان الإخراج يركز على كسر الحائط الرابع والتكلم المباشر مع الجمهور لأن النص والموضوع بحد ذاتهما يكسران التابو الموجود من قبل المجتمع على المرأة بأن تكتم أسرارها ولا تتكلم في العلن . وكان تركيزي أيضاً على شفافية اللحظة وأهميتها وصدقها ما جعلني أقدم العمل إخراجياً بطريقة بسيطة خالية من البهرجة واستعمال الإضاءة والصوت وحركة الممثل، فقد جاءت الشخصيات جميعها ببساطة مشهدية سلسة .
* جزء من ورقة مقدمة لملتقى الشارقة الأول لكتّاب المسرح