أمام الكاميرا وخلفها.. جهد متواصل يبذله العشرات في الاستوديو، ويختصره الجمهور في شخص المذيع الذي يقف في الواجهة ويقدم المنتج النهائي للعمل، ويحصل على التقدير والثناء أو الذم والنقد.. لا يعلم الكثيرون أن الخروج على النص في عالم التلفزيون مهما بدا عفوياً ووليد اللحظة، لا يكون في الأصل كذلك إلا في أضيق الحدود.. أو على الأقل هذا ما يحدث في عالم التلفزيون المنضبط الذي يسير على قواعد وأصول المهنية.. في هذا التحقيق نحاول الغوص في كواليس العمل التلفزيوني ونبحث عن تفاصيل العلاقة التي تربط المذيع بطاقم الإعداد، وكيف يكون التناغم بينهم في صالح العمل والمشاهد أيضاً؟ وكيف يضبط المذيع والمعد إيقاع البرامج؟
شريف الشريف رئيس تحرير بقناة «سكاي نيوز عربية» ومعد ومنتج أفلام وثائقية.. يقول حول هذا الموضوع: «العمل الإعلامي في الأساس جهد مشترك، وبالتالي لا يستطيع أي من الأطراف الاستئثار بالبطولة، لأن النجاح عادة ما يصبح حليفاً لفريق العمل المتعاون والمنسجم والمتفاهم.
فمعد البرنامج يلعب دوراً كبيراً في التحضير للبرنامج والنشرات الإخبارية ويكون داعماً للمذيع.. ولكن المذيع المتمكن ذا الخبرة يجب أن يقوم بواجبه في التحضير والبحث عن موضوع الحلقة قبل إجرائها، ويتم الاتفاق معه على محاور رئيسية للأسئلة، لذلك فدور المعد الناجح هو أن يقود فريق الإعداد بالكامل، والبرامج الناجحة تقوم على الجهد الجماعي وليس على الإملاءات من المعد في أذن المذيع فقط، الذي هو واجهة المحطة وكثيراً ما ينسب البرنامج لاسمه كأن يقول المشاهد: «برنامج المذيع فلان» فيتذكر المشاهد اسم المذيع أكثر مما يتذكر اسم البرنامج..
يضيف الشريف: إذا كان المذيع يحصد نتيجة نجاح البرنامج أكثر من بقية فريق العمل بحكم ظهوره على الشاشة، فهو أيضاً يتحمل تبعات الأخطاء.. كما يتأثر بقية فريق العمل ويلحقهم ضرر نفسي.. فأنا أستطيع أن أشبه عملية إنتاج البرامج بالإنتاج السينمائي.. فالفيلم الجيد لو لم يكتب جيداً وينفذ جيداً ويذاكر الممثلون أدوارهم ويتقنوا توصيل الرسالة بأدائهم الجيد، سيفشل الفيلم ويفشل فريق العمل كله.. ولكن بالطبع من المفهوم أنه إذا حدث اختلاف في الرأي حول نقطة ما داخل تفاصيل العمل، فالقيادة محسومة لصالح مخرج الفيلم السينمائي.. كما هي محسومة في العمل الإعلامي لرئيس التحرير أو معد ومنتج البرنامج لأنه يتحمل المسؤولية الأكبر على الهواء، وكثيراً ما يتخذ قرارات مهمة أو تغييرات أثناء البث حسب الظروف أو المتغيرات الإخبارية.. وهو المسؤول عن البرنامج من الناحيتين الإجرائية والتحريرية..
يتابع الشريف: من هنا يجب أن يتسم رئيس التحرير الناجح بمهارات القيادة والإدارة لفريق العمل ويتمتع بوسائل إقناع ومهارات اتصال عالية.. وكثيراً ما يكون المعد هو المحاور الخفي للضيف، حيث إنه يستطيع أن يتدخل أحياناً ويعطي تعليماته من خلال سماعة الأذن التي يضعها المذيع على الهواء.. وذلك يحدث في حالات عدة أهمها حالة المذيع المبتدئ قليل الخبرة، فتقع مسؤولية التحضير وإعداد الأسئلة على المعد بشكل أكبر.. والحالة الثانية لو حدث أن المذيع وصل متأخراً أو قبل الهواء بوقت قليل وفوجئ بموضوع لا يعلمه، ففي هذه الحالة يعتمد تماماً على دور المعد.. والحالة الثالثة إذا كان الحوار على الهواء وبدأ يخرج على السياق، وفي هذه الحالة على رئيس التحرير أن يتدخل ليوجه المذيع لتحقيق الحياد والموضوعية وإثراء النقاش.
أما ميسون بركة المذيعة بقناة «الآن» فتقول: أعتبر نفسي من فريق الإعداد مثل التقديم.. فأنا قبل عملي بقناة «الآن» تدربت لفترة بقناة «العربية» وقمت بإعداد تقارير إخبارية وتغطيات، عملت فيها بالبحث واختيار نقاط النقاش، وما زلت أشارك في عملية الإعداد.. وبرأيي على المذيع المجتهد أن يشارك في الدراسة والبحث حول الموضوع وأن يضع الأسئلة بنفسه، ولكن هذا بالطبع لا ينفي أهمية وجود فريق الإعداد الجيد.. فلا يمكن لمذيع أن ينجح بدون وجود فريق عمل كامل، والحقيقة أنه في كثير من الأحيان أشعر بأن المعد يتعرض لبعض الظلم لأن نصيبه من الشهرة يكون أقل بكثير من المذيع والذي دوره شديد الأهمية في تقديم المادة الإعلامية، فالمذيع يجيد إثراء الحوار وتوضيح الفكرة وفق كفاءته، كما يمكنه أن يتسبب في قتل العمل كله وضياع كل الجهود المبذولة خلف الكاميرا.
وتضرب ميسون بركة مثالاً عن استفادتها كمذيعة من خبرتها وممارستها لعمل الإعداد قائلة: «كنا نقدم ملفاً عن «داعش» وادعاء البغدادي أنه ينتسب إلى سلالة نسب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فاقترحت على المعد أن نعرض كليباً لحوار سابق مع وزير الأوقاف الأردني ينفي هذه العلاقة ويوضح أن هذه الجماعات بعيدة تماماً عن الإسلام.. فهذا التعاون والتناغم بين فريق العمل يضيف للمنتج النهائي الذي نقدمه.. مع ضرورة مراعاة احترام توزيع الأدوار والاختصاصات. وأنا أقدم برنامج «استوديو الآن» تأتيني التهنئة والشكر في حالة الإجادة من قبل إدارة القناة موجهة لي ولفريق العمل أيضاً.. كلنا شركاء في النجاح، حتى لو اعتبر البعض أن المذيع هو البطل الرئيسي للعمل.
علي بريشة منتج ومعد برامج في قناة «العربية» يقول: عملت في الصحافة المكتوبة والمرئية على حد سواء.. ففي الصحافة المكتوبة يكون الصحفي الفرد هو العنصر الرئيسي للعمل، بينما لا يوجد في الصحافة التلفزيونية شخص أو دور يمكن أن نطلق عليه «العنصر الرئيسي»، لأن جماعية العمل التلفزيوني تفرض نفسها، وإذا لم يعمل الجميع كفريق متجانس تظهر الثغرات واضحة على الشاشة.
يتابع بريشة: مساحة الدور الذي يلعبه المذيع داخل فريق العمل تتفاوت حسب طبيعة البرنامج.. ففي البرامج الحوارية مثلاً تظهر شخصية المذيع وثقافته أكثر، وتكون لديه مساحة محسوبة للعب دور أكبر في البحث والإعداد و«المذاكرة» حول الموضوع بالتنسيق مع فريق الإعداد.. أما في نشرات الأخبار فالأمر يختلف لأن هناك اعتبارات خاصة بالوقت المخصص لكل فقرة أو تقرير، وكل حوار للتعليق على الأحداث.. وعندما تكون مساحة الحوار دقائق معدودة، يكون من الضروري الالتزام بالأسئلة المحددة وعدم الخروج عنها إلا في أضيق الحدود.. كما أنه يمكن أن تتغير موضوعات كاملة أثناء البث المباشر تبعاً لتطور الأحداث والقرارات التحريرية بالطبع تكون لمنتج النشرة.. ولكن شخصية المذيع تستطيع أن تظهر في حضوره وتمكنه من اللغة والتفاصيل الصغيرة المرتبطة بعلاقته بالكاميرا، ولباقته مع المتغيرات المختلفة التي تفرضها ظروف الهواء.. أما في البرامج الوثائقية، فالدور الأهم هو للسيناريو المكتوب وللمهام الفنية المرتبطة بالمونتاج والإخراج والعمل الإنتاجي بكل تفاصيله.. هنا يكون دور المذيع إما قراءة التعليق أو التصوير والحوار طبقاً للسيناريو المكتوب.
ضمن فريق العمل والإعداد للبرامج، يأتي الدور المهم للمخرج، فهو من يعد الشكل الفني الذي سيخرج به العمل إلى المشاهد. في هذا الإطار تقول مروة فايد عبد العزيز (مخرجة بقناة «الآن» الإخبارية): علاقتي بالبرنامج وبالمعد تبدأ قبل بداية البرنامج، حيث نتفق على الشكل الفني الذي سيظهر به العمل على الشاشة، وفنيات الصورة ووضع الكاميرات وتصميم جلسة المذيع والضيوف بالاستوديو والتفاهم في كل هذه التفاصيل الفنية الإنتاجية، حتى يخرج البرنامج للنور ويراه المشاهد.
ولكن علاقتي بالمذيع تبدأ وقت البث المباشر فقط ويتم خلالها توجيهه إلى أماكن الكاميرات ومتى يجب عليه أن يبدأ الكلام أو يصمت أو يتوجه إلى كاميرا أخرى حسب الشكل الفني للبرنامج.. ويتم ذلك بالطبع بالتعاون مع المعد، خاصة فيما يتعلق بالمادة التحريرية.
تواصل مروة: في النهاية، يعتمد العمل الإعلامي الناجح على روح الجماعة وقدرة الجميع على التعاون والتفاهم والتناغم فيما بينهم.
أما الدكتور أحمد فاروق أستاذ الإعلام بجامعة الشارقة فيقول: العلاقة بين المعد والمذيع هي علاقة تكاملية، فالمذيع يعتمد على المعد في تجهيز المادة وإعداد الأسئلة وإعداد التقارير، والمعد يحتاج لمذيع مثقف واع ومحترف لتقديم المضمون الإعلامي بالصورة المناسبة الجاذبة للجمهور.
والمشكلة تحدث إذا كان الإعداد ضعيفاً، أو أن الموضوعات التي يقدمها البرنامج لا تلائم المجتمع أو ثقافته، أو أن المذيع غير ملم بقواعد مهنته أو يتعدى دوره كمذيع إلى خطيب فوق منبر أو معلم في مدرسة، يفقد أي مضمون إعلامي جاذبيته ويبعد الجمهور عنه مهما كانت هذه الموضوعات مهمة. ولذلك لابد من إلمام المذيع بقواعد إعداد العمل التلفزيوني، وإلمام المعد بمعايير التقديم البرامجي.