كما لا يقر الإسلام أن تتحول المرأة في بيت زوجها بإرادتها أو بإرادته إلى مجرد "شغالة" كل مهمتها الطبخ والغسيل وترتيب بيت الزوجية، وخدمة الزوج والأولاد من دون أن يكون لها رأي في إدارة شؤون الأسرة، أو قرار في رسم أسلوب حياة الأولاد وصناعة مستقبل آمن لهم علمياً ووظيفياً واجتماعياً، وقبل ذلك تربوياً وأخلاقياً .
فالإسلام ينظر إلى المرأة في بيت زوجها على أنها "ملكة متوجة" لها من الحقوق المادية والمعنوية ما يوفر لها أسمى صور الحياة الكريمة، وما يجعل الأسرة تستفيد منها كامل الاستفادة، وذلك في ظل رعاية زوج ليس من حقه شرعاً إهدار حقوقها وإلحاق أي ظلم بها، بل من واجبه مساعدتها على الاستمتاع بحقوقها كاملة من دون نقصان .
فما هي إذاً حقوق المرأة في بيت الزوجية؟
في البداية يؤكد الفقيه الأزهري، د . أحمد طه ريان، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، عضو هيئة كبار العلماء، أن حقوق الزوجة على زوجها تؤكد عدالة الإسلام وإنصافه للمرأة، كما تؤكد عظمة ورقي هذا الدين ورعايته للنساء، وكفالته لكل حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية والنفسية . . وهذا ليس بغريب على دين تؤكد كل تشريعاته وتوجيهاته حسن معاشرة الرجل لزوجته، والصبر عليها وتحمل أذاها، فالله سبحانه وتعالى يقول: "وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً" .
حب واحترام متبادل
وأولى صور الحياة الكريمة التي كفلها الإسلام للمرأة في بيت زوجها تبدو واضحة كما يقول د . ريان في توجيهاته للزوجين، خاصة الزوج، بإقامة علاقتها على أساس من الحب والتفاهم والحوار والاحترام المتبادل، فتوجيهات الإسلام تحث الزوج على اتباع ما يعمق مشاعر الحب ويضاعف من المودة والألفة بينه وبين زوجته وتجنب كل ما يؤدي إلى البغضاء والكراهية، ويبرز هنا قول الحق سبحانه: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"، فعلاقة الرجل بزوجته هي في حقيقة الأمر علاقة سكن ومودة ورحمة، وحتى لو وجد الرجل عيوباً في زوجته أو تصرفات لا يرضاها، فهو مأمور شرعاً بعدم كراهيتها أو بغضها أو إهانتها، فالله سبحانه وتعالى يقول: "وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً"، وهذا معناه أن الزوج إذا وجد في زوجته خلقاً يبغضه فسيجد فيها آخر يرضاه، وأنها قد تعاب في أمر لكنها تحمد في أمور أخرى، كما تحث الآية الرجال على أن ينظروا إلى ما في زوجاتهم من حسنات ومميزات ولا يقفوا فقط عند النقائص والسلبيات، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر" .
ومن مظاهر "حسن العشرة" الذي أمر به الإسلام: أن يحفظ الرجل كرامة زوجته، فلا يضربها ولا يمارس أي شكل من أشكال العنف ضدها، ولا يتوقف الأمر على الإيذاء البدني، بل نهى الإسلام عن كل ما يسبب إهانة للزوجة ويسيء إليها، ولو كان عن طريق نظرة أو كلمة .
ويقول د . ريان: الإسلام لا يقر إهانة الزوجة بأي شكل من أشكال الإهانة، ولذلك فهو يرفض ويدين ما يمارسه بعض الأزواج من شتم وإهانة لفظية لزوجاتهم، بل يعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم التلطف مع الزوجة والتأدب معها وحسن معاشرتها من علامات اكتمال الإيمان، فيقول في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم" .
الإنفاق على الزوجة
ومن أهم حقوق الزوجة على زوجها كما يوضح د . ريان النفقة، حيث ألزم الإسلام الرجل بالإنفاق على زوجته وعدم التقتير عليها، فالزوج ملزم بأن يوفر لها ما تحتاج إليه من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ودواء، وغير ذلك من ضرورات الحياة، حتى لو كانت غنية أو ذات مال .
فالنفقة كما قال جمهور الفقهاء حق من حقوق الزوجة على زوجها منذ قيام الحياة الزوجية، وهذا ما قضت به الشريعة الإسلامية، سواء أكانت الزوجة غنية أم فقيرة، ومن النصوص القرآنية الشاهدة على ذلك قول الحق تبارك وتعالى: "لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسراً" .
النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله رجل: ما حق المرأة على الزوج؟ قال: "تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت" .
إذاً، فنفقة الزوجة واجبة حتى مع ثرائها لإجماع الفقهاء على عدم سقوطها ما دامت الزوجة مطيعة لزوجها، وجعلها سبباً لقوامته على المرأة فقال سبحانه: "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله"، وبالتالي فقد أوجب الله تعالى نفقة الزوجة بالمعروف، والمعروف الذي ينص عليه الشرع أن يكسوهن مما يلبس ويطعمهن مما يأكل .
والإسلام ألزم الزوج بأنواع أخرى من النفقة غير نفقة المأكل والملبس والمشرب، منها النفقة على الطفل المولود، بأن يدفع أجراً لأم الطفل زوجته إن قامت هي بإرضاعه، كما ألزمه بخادمة للزوجة إذا كانت من ذوات القدر والشرف اللاتي جرت العادة بأنهن لا يتولين الخدمة بأنفسهن في بيوتهن، ففي هذه الحالة يكون من حقها أن يحضر لها زوجها خادمة أو أكثر، متى كان قادراً على ذلك .
وإذا كان الزوج موسراً ويستطيع أن يجعل لزوجته خادمة وجب عليه أن يوفر لها خادمة، حتى لو كانت فقيرة .
ومن هنا يتضح أنه لا حق للزوج في مال زوجته أو راتبها، وليس من حق الزوج مطالبة زوجته بمنحه راتبها أو جزءاً منه، كما لا يجوز للزوج أن يتوقف عن الإنفاق على زوجته العاملة بحجة أن لها مالاً، فهذا طمع في مال هو حق للزوجة، وليس للزوج حق فيه إلا ما تم الاتفاق بينهما عليه .
الإشباع العاطفي
وحقوق الزوجة على زوجها لا تقف عند الحقوق المادية من نفقة على الطعام والشراب والملبس والمسكن المناسب وغير ذلك، بل هي تتجاوز ذلك إلى كل ما يحقق لها الاستقرار النفسي والسعادة الحياتية التي تبحث عنها، ولذلك ألزم الإسلام الزوج بإشباع زوجته عاطفياً والوفاء بمتطلباتها، وإذا قصر الزوج في هذا الواجب كان ظالماً لزوجته ومهدراً لحق من أهم حقوقها، ويلحق به الإثم ويستحق من الله اللعنة .
أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر د . صبري عبد الرؤوف يحدثنا عن حقوق الزوجة العاطفية، فيقول: المعاشرة الزوجية حق للمرأة كما هي حق للرجل، ولا يجوز للرجل أن يهدر حق زوجته في ذلك حتى لو كانا على خلاف في بعض الأمور الحياتية، فالعناد والقسوة في هذا الأمر يؤديان إلى جفوة وجحود وكراهية لا ينبغي أن يكون لها مكان داخل الحياة الزوجية .
ويوضح أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر أن هجر الزوجة وحرمانها من حقها من دون مبرر شرعي مقبول قسوة يرفضها ويدينها الإسلام، وتترتب عليها إجراءات وعقوبات، فالله سبحانه شرع الهجر في المضاجع كوسيلة علاجية لمواجهة حالة تمرد وعصيان شديدة من الزوجة، ولو جرب الزوج هذه الوسيلة مع زوجته وفشلت فلا بد أن يكف عنها فوراً ولا يكررها، لأن الهجر في الفراش هدفه الإصلاح والتقويم، وإذا لم يتحقق ذلك فلا مجال لاستخدام هذا السلاح الفاشل .
ومن هنا لا يجوز للزوج أن يقسم على حرمان زوجته من حقها ، فهذا القسم شكل من أشكال القسوة وصورة من صور كيد الرجال للنساء، وهي مرفوضة في شريعتنا الإسلامية لأنها تهدر حقاً جوهرياً من حقوق المرأة . . والإسلام واجه هذه القسوة بحكمة بالغة، حرصاً على الحياة الزوجية فهو لم يعط المرأة المتضررة من هذا القسم الذي يسمى في الفقه الإسلامي "الإيلاء" حق طلب التفريق إلا بعد مرور أربعة أشهر . . بمعنى أنه يجب الصبر على الزوج هذه المدة مع تقديم النصح له بالكف عن قسوته وإعطاء الزوجة حقوقها، فإن استجاب لنداء العقل والضمير خلال هذه المدة فبها ونعمت، وإذا تمادى في عناده واستمر على قسوته وتجاوز مدة الأربعة أشهر حكم القاضي بالتفريق بينه وبين زوجته عقاباً له على هذا العناد وتلك القسوة .
حق الإنجاب
ومن حقوق الزوجة على زوجها، تلبية غريزة الأمومة بإنجاب الأطفال، فالأولاد هبة من الله تعالى، وهم زينة الحياة الدنيا، ونعمة من المولى سبحانه وتعالى لمن يشاء، ولا يجوز للزوج أن يحرم زوجته من هذا الحق، فالعلاقة الزوجية ليست علاقة جسدية، تلبي نزوات الطرفين الحسية، بل هي علاقة أسرية تنعم فيها المرأة بكل ما يجلب لها السعادة والرضا .
تقول الفقيهة الأزهرية د . عفاف النجار أستاذة الشريعة الإسلامية بالأزهر: الإنجاب حق مشترك بين الزوجين لا يجوز لأحدهما أن يحرم منه الآخر إلا باتفاق وتشاور ورضا كامل . والإنجاب أحد المقاصد الشرعية من الزواج حتى تمتد الأجيال وتستمر الحياة، فالبنون زينة الحياة الدنيا .
وتضيف أستاذة الشريعة الإسلامية بالأزهر: لقد حرص الإسلام حرصاً شديداً على استقرار الحياة الزوجية: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمةً" . . ولن تسعد المرأة بحياة وهي محرومة من تلبية غريزة الأمومة، ولذلك فليس من حق الزوج أن يفرض على زوجته أن تعيش بلا ولد ما دامت ظروف الإنجاب مهيأة بين الزوجين .
ولذلك لا يجوز للزوج إجبار زوجته على منع الحمل ووقف صلاحية الإنجاب نهائياً، لأن ذلك يتنافى مع دعوة الإسلام ومقاصده في المحافظة على النسل حيث يقول الله تعالى: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا"، كما أنه يتعارض مع حق الزوجة في أن يكون لها ولد أو أكثر يلبي لها غريزة الأمومة .