يعد الاحتفال برأس السنة الميلادية حدثاً عالمياً واجتماعياً وثقافياً، تحييه الشعوب من حول العالم بتقاليد وعادات مختلفة، وتبدأ الاحتفالات مع نهاية آخر يوم في ديسمبر/ كانون الأول حتى ساعات الصباح الباكر في أول أيام يناير/ كانون الثاني، حيث تتجمع العائلات وتستمر حفلات المرح والرقص حتى ساعات الصباح، وتتعدد أصناف الأطعمة، كما تكثر مشاهدة الألعاب النارية خاصة في المدن السياحية الشهيرة، إنه يوم تزرع فيه البسمة على وجوه الجميع صغاراً وكباراً، وأول الدول التي تحتفل بهذا اليوم في العالم، هي جمهورية جزيرة كيريباتي ودولة جزيرة ساموا المستقلة في المحيط الهادئ، وآخر من يحتفل بها هي جزر هاواي الأمريكية الواقعة أيضاً في المحيط الهادئ، وتتعدد مواعيد الاحتفال بهذا اليوم، فالصينيون لهم يوم خاص يحتفلون فيه بسنتهم الجديدة، كذلك هنالك شعوب أخرى تحتفل برأس السنة في مواعيد مغايرة عن رأس السنة الميلادية، على الرغم من أن هذا اليوم أصبح احتفالاً يجمع كل شعوب العالم .
يعود تاريخ ابتكار فكرة الاحتفال برأس السنة الميلادية إلى حضارة ما بين النهرين من الأكاديين والبابليين والآشوريين والكلدانيين 2000 عام قبل الميلاد، وكان هذا اليوم يسمى ب "أكيتو"، وبالسومرية كان يسمى "اكيتي سنونم"، وبالأكادية "ريش شانين" وكان الاحتفال يبدأ في أول يوم شهر نيسان ويستمر لمدة 12 يوماً، وتعد السلالة البابلية الأولى أول من احتفلت بهذا اليوم، وخصص الرومان قديماً أول يوم في السنة الجديدة نسبة إلى تمثال "جانوس" وتصوروه على هيئة إنسان ذي وجهين باتجاهين متعاكسين، وفي يوم الاحتفال برأس السنة كانوا يلقون نظرة إلى الماضي من خلال وجه جانوس مودعين ونظرة إلى العام الجديد مستبشرين، وكان له معبد تفتح أبوابه أيام الحرب وتغلق أيام السلم، وله 12 باباً أي بعدد شهور السنة، وفي أول يوم كان الرومان يحتفلون بمواكب وهذا العيد أصبح الآن هو رأس السنة الميلادية، حتى أن شهر كانون الثاني باللغة الإنجليزية سمي January نسبة إلى Janus . هنا نستعرض أهم عادات وتقاليد الشعوب للاحتفال بهذا اليوم حول العالم .
نبدأ من اليونان حيث تتعدد العادات والتقاليد للاحتفال بهذا اليوم، فالأطفال يغنون أناشيد العيد في النهار ليحصلوا على "العيدية" من أقاربهم، ثم يتجمع اليونانيون مع عائلاتهم لتناول العشاء في جو عائلي، وتخبز الأمهات الكعكة المشهورة "كعكة الملك" أو "فاسيلوبيا" التي تتميز بنكهة اللوز، ويقومون بحشو بعض منها بقطع معدنية نقدية ملفوفة بالألمنيوم، وقبل الدخول إلى العام الجديد يطفئ اليونانيون الأنوار في المدن، وعند بدء أول ثواني العام يشعلون الإضاءة لبدء سنة جديدة نيرة، ولا يخلو الأمر من مشاهدة الألعاب النارية ثم يبدأون في توزيع كعكة الملك، ومن يحصل على القطعة التي وضعت فيها قطعة نقدية معدنية، يحصل على الهدايا من العائلة، ليس هذا فحسب بل إنه يتصف بأنه سيكون محظوظاً في العام الجديد .
ولليونانيين تقليد آخر حيث يقومون بكسر قطعة من الرمان أمام باب المنزل قبل الدخول إليه في العام الجديد، تجسيداً للازدهار وجلب الحظ السعيد مستقبلاً .
أما في إسبانيا فإنهم يمارسون طقوساً غريبة فيتناولون حبات من العنب الطازج قبل 12 ثانية من الدخول للعام، الجديد مع تمني أمنية أملاً في تحقيقها بالسنة الجديدة، وتعود ممارسة هذه العادة إلى عام 1895 بعد أن أيقن أصحاب الكروم وجود فائض كبير في محصولهم فوزعوها على الناس في رأس السنة لجلب زبائن أكثر .
طقوس المملكة المتحدة تقليدية وتاريخية متجذرة بقدم المعالم في العاصمة لندن، ويتجسد هذا في دق جرس الانتقال إلى السنة الجديدة عبر ساعة "بيغ بين" التاريخية، وبرج الساعة في قصر "ويست مينستر" مقر البرلمان .
وتتميز الاحتفالات في بريطانيا بطقوسها العائلية المميزة فعند قرب الدخول إلى العام الجديد يمسك البريطانيون بعضهم بأيدي بعض، ويشكلون حلقات دائرية ويغنون "نشيد الوداع" أو "أولد لانغ ساين" الاسكتلندي العالمي الذي كتبه روبرت برنز، حيث كان يُغنى في مناسبات الفراق، وترجم هذا النشيد إلى معظم لغات العالم، ويمتاز بلحنه الموحد بكل لغات العالم . وليس هذا فحسب بل إن البريطانيين والسياح يتجمعون أمام عجلة لندن لمشاهدة متعة 8 دقائق من الألعاب النارية المبهرة، وفي صبيحة أول أيام السنة يشاهدون في العاصمة لندن موكب رأس السنة الجديد المقام منذ 1987 بمشاركة الآلاف من الموسيقين والعازفين .
ألمانيا الاحتفالات العامة
تعد ألمانيا من أكثر دول العالم شهرة في استقطاب السياح لمشاهدة عروض الألعاب النارية المثيرة، حيث يتجمع الألمان والسياح في ساحات المدن في كل أنحاء البلاد، وتعد احتفالات العاصمة برلين من أكبر الاحتفالات في أوربا والعالم، ويحضرها سنوياً أكثر من مليون شخص أمام بوابة براندنبوغ رمز مدينة برلين بساحة باريسر التاريخية .
ويطلق على ليلة رأس السنة اسم "سيلفستر" كما في إيطاليا، ويترافق ذلك مع عادات غريبة، منها كشف نبوءة العام الجديد عن طريق الرصاص الذائب، من خلال إذابة تماثيل صغيرة من الرصاص بوساطة لهيب الشمع، ثم صَبّ المادة السائلة في وعاء صغير مملوء بالماء، وعندها، تتشكّل قطع صغيرة، توحي معانيها بما سيحمله العام الجديد لصاحب هذا الوعاء، فما يشبه القلب يدلّ على الحب مثلاً . ويعمد الكثير من الألمان أيضاً إلى ترك جزء من كل طعام يتناولونه عشية الاحتفال برأس السنة حتى منتصف الليل، اعتقاداً منهم بأن ذلك يجلب الخير الوفير في العام الجديد الذي يليه، ويفضل الكثير منهم أيضاً تناول سمك الشبوط اعتقاداً بأنه يجلب الثروة .
عادة ما يحتفل الهولنديون والدنماركيون بهذا اليوم بالذهاب إلى الحفلات العائلية وتناول حلويات العيد التقليدية التي تسمى "كرانسيكيج لدى الدنماركيين، كما يمارسون تقليداً قديما ويعتقدون بأن كسر الأطباق أمام منازل الجيران في أول يوم من السنة يجلب الأصدقاء الجيدين، وكلما كانت كومة الأطباق المكسورة أكثر دلت على أن أصحاب الدار محبوبون أكثر، وسيحصلون على أصدقاء جيدين في المستقبل" .
تسمى ليلة رأس السنة الميلادية في بلجيكا "ليلة السنة القديمة" أو "أودغار"، وغالباً ما تجتمع العائلات البلجيكية على مائدة طعام واحدة أو يستمتعون بمشاهدة عروض الألعاب النارية، والجميل في هذا اليوم أن كل المواصلات العامة مجانية حتى سيارات الأجرة، ليس هذا فحسب بل إن الغريب والطريف في الأمر أن البلجيكيين يتمنون في أمنياتهم بالعام الجديد أن يكون العام خيراً على حيواناتهم، كما أن الأطفال في أول يوم من السنة الجديدة يرددون رسائلهم وأمنياتهم عن العام الجديد على عائلاتهم بالإضافة إلى كتابة بطاقات المعايدة لآبائهم وأصدقائهم .
على امتداد أكبر دول العالم مساحة تتعدد الاحتفالات على فترات زمنية مختلفة بسبب الاختلاف الزمني في مناطقها، كانت الاحتفالات الأساسية في روسيا تقام في عيد الميلاد أو "الكريسماس"، ولكن حظر النظام الشيوعي هذا الاحتفال . تختلف بعض الشعوب الروسية عن بعضها الآخر بعادات استقبال السنة الجديدة، ولكن هناك العديد من التقاليد المشتركة، اعتاد الروس على تمضية ليلة رأس السنة مع العائلة أو الأصحاب، تبدأ الاحتفالات قبل ساعة أو ساعتين من منتصف الليل لتودع السنة المنصرمة عبر تذكر أبرز أحداثها، ويعم الصمت قبل 12 ثانية إفساحاً في المجال لأمنيات السنة المقبلة، ينصحك الروس بإيفاء كامل ديونك قبل منتصف الليل وإلا بقيت كل السنة مديوناً، كما أنهم يستبشرون خيراً إذا ما كان أول زائري السنة الجديدة رجلاً .
في روسيا، تُعد ليلة رأس السنة أكثر من ليلة، فهي عيد من عالم الطفولة، يحتفلون بها من خلال الألعاب النارية والزهور والرقصات وغيرها، كما أنهم يضعون الهدايا تحت شجرة عيد الميلاد، ولجلب الحظ يتبادلون حيوانات رمزية من التقويم الصيني أو يرتدون ملابس بهذا التصميم .
يشرع اليابانيون في استقبال العام الجديد بتنظيف منازلهم ويزيينها ب"كادوماتسو" أي قطعة البوابة، وهي قطعة ديكور تقليدية، و"الشميناورا" ويستخدم فيه قش الأرز على شكل حبل ملتف يضعونه أمام المنزل، وتدق المعابد اليابانية 108 أجراس قبل منتصف الليل، وفي مدن يابانية مختلفة يحتفلون برأس السنة من خلال إقامة الحفلات ومشاهدة الألعاب النارية، خاصة في العاصمة طوكيو التي تكتظ بالزوار .
أما الصينيون فيحتفلون برأس سنتهم الخاصة المعروفة ب "عيد الربيع" أو السنة القمرية الجديدة، ويبدأ الاحتفال بها بداية أول شهر قمري في السنة الصينية، وغالباً ما تصادف في يناير/ كانون الثاني أو فبراير/ شباط، لكن على الرغم من هذا يحتفل الصينيون برأس السنة الميلادية خاصة في العاصمة بكين وبعض المدن الأخرى مثل شنغهاي وقوانجو وشيامن من خلال حفلات موسيقى الروك الصاخبة أو الألعاب النارية في حديقة ميناء سولونا مع فقرات راقصة من العروضات الفلكلورية التقليدية . ومنذ سنين يقام في ليلة رأس السنة مهرجان للأضواء في وسط مدينة شنغهاي .
يحرص الكنديون على الاحتفال برأس السنة في كل مقاطعاتهم، ولكن كما في روسيا وبسبب مساحتها الشاسعة تختلف التقاليد من مقاطعة لأخرى، ولكن في المجمل تعد الليلة اجتماعية خاصة بامتياز، وكما في بلجيكا فإن المواصلات مجانية هذا اليوم خاصة في أوقات الذروة، يحتفل الكنديون بطرق مختلفة فمنهم من يحضر الحفلات الموسيقية التي تستمر حتى ساعات الصباح الأولى، ومنهم من يمارس النشاطات الرياضية ومشاهدة الألعاب النارية، وفي المناطق الريفية في مقاطعة كيبك على سبيل المثال يستمتع الكنديون بممارسة هواية صيد الأسماك عبر الثقوب في البحيرات المتجمدة كما في روسيا وأوكرانيا وبولندا .
كما يسعى الكنديون في مناطق مختلفة للمشاركة في الغطس بالمياه الجليدية الباردة المحيطة بمنطقة فانكوفر .
لا يختلف الأمريكيون عن بقية دول وشعوب العالم في احتفالاتهم، فتتضمن مشاركاتهم في الحفلات الرسمية خاصة في ساحات المدن الكبيرة مثل ال "تايمز سكوير" للاستمتاع بالعروض والحفلات الموسيقية .
كما أن ملايين الأمريكيين والسياح كل عام يرون أن ساحة "تايمز سكوير" في نيويورك، المكان المناسب والمفضل لإلقاء تحية الوداع على سنة راحلة واستقبال عام جديد بالهتاف والمرح .
وفي كل عشية عيد رأس السنة الميلادية، يتقاطر عدد يصل إلى أكثر من مليون شخص إلى ساحة تايمز لمشاهدة هبوط كرة مصنوعة من البلور والأضواء المشعة من عمود شاهق، وعلى مدى دقيقة تهبط هذه الكرة لتستقر في قاع العمود، بينما يعد الجمهور الثواني ويطلق الهتافات بالضبط عند منتصف الليل، أي بداية السنة الجديدة . ويراقب الملايين في كل أنحاء العالم هذا المشهد عبر شاشات التلفزة والمواقع الإلكترونية .
وتعد ليلة رأس السنة أكثر الأيام ازدحاماً بالزوار في منتجع "والت ديزني الترفيهي العالمي" في فلوريدا، وديزني لاند في أنهايم بولاية كاليفورنيا، حيث تعمل المنتجعات بكل مرافقها حتى ساعات الصباح مع تقديم عروض فنية وموسيقية والألعاب النارية الساحرة .
عند البدء بالعد التنازلي قبل بداية العام الجديد ب 12 ثانية يتناول المكسيكيون كما في إسبانيا مع كل ثانية حبة عنب مع تمني أمنية ما، بعد كل حبة، وتزين العائلات بيوتها بديكورات وألوان مختلفة ترمز إلى أمنياتهم للعام الجديد، فمن يلون بيته بالأحمر يعني تنمية وتطوراً في الحياة والحب، ومن يلونه بالأصفر يتمنى تطوير وضعه الوظيفي، والأخضر يعني تطوير المستوى المالي، والأبيض للصحة، ومنهم من يضع 12 حدثاً سيئاً على ورقة لا يتمنون حصولها في العام الجديد ويرمونها في النار رمزاً للتخلص من الشر، ومن أشهر المأكولات المكسيكية ليلة رأس السنة الديك الرومي المطبوخ، وفي العاصمة مكسيكو تزدهر المهرجانات الاحتفالية خاصة في الساحة العامة .
دول جنوب إفريقيا تستقبل السنة الجديدة على طريقتها الخاصة، فتعم الحفلات الطرق والساحات ويعلو صوت الموسيقى والرقص، ولكن الكرنفال الحقيقي يبدأ في اليوم الثاني، حيث يرتدي الأفارقة الملابس المملوءة ألواناً فاقعة على وقع أجراس الكنائس وأصوات الرصاص الحي، أما إذا كنت تمضي ليلة رأس السنة في جوهانسبورغ بجنوب إفريقيا وتحديداً في منطقة Hill Brow، فعليك أخذ أعلى درجات الحذر إذا قررت التجوّل ليلاً، ذلك أن الأهالي يعمدون إلى رمي قطع الأثاث القديمة من نوافذ منازلهم على الطرق، تحت أنظار الشرطة التي تحاول إنذار المارة منها .
العادات القديمة
يطلق الإيطاليون على ليلة رأس السنة ليلة "القديس سلفستر" وتقام فيها العديد من الطقوس التقليدية، مثل ارتداء الملابس الحمراء، والتخلص من الأغراض القديمة أو غير المستخدمة وقذفها من النافذة، ويؤكل العشاء التقليدي مع الأهل والأصدقاء وفي الساعة 8،30 مساءً، يقرأ الرئيس رسالة تهنئة إلى الإيطاليين، إلى حين منتصف الليل، حيث تقام الألعاب النارية في جميع أنحاء البلاد ويتناول الإيطاليون حساء العدس عندما يقرع جرس منتصف الليل، ملعقة واحدة لكل جرس .
ومن المأكولات التي تتميز بها روما في احتفالات يتصدرها السمك وفواكه البحر، وحسب التقاليد الوراثية لا بد من صحن العدس الذي يجلب الحظ السعيد ثم رمي الملابس القديمة من النافذة لوداع الماضي حين تدق الساعة معلنة بدء العام الجديد .
وتعددت الخيارات أمام المحتفلين، فما بين رؤية مسرحية لشكسبير أو جورج برنارد شو (باللغة الإيطالية) أو حضور عرض موسيقي ليوهان شتراوس وليهار على أنغام رقصة "الفالس" أو باليه راقصة لتشايكوفسكي أو تناول وجبة حافلة من خمسة أطباق مع كل المشروبات والحلويات، أو سماع مشاهير المغنين في الصالات الضخمة أو التفرج على اللوحات العالمية في المتحف، أو قضاء ليلة تاريخية مجانية في روما القديمة على أنغام المغنين الجدد ثم الاستمتاع بعرض الألعاب النارية .