تعد مهنة المرشدين من المهن، التي تكتسب أهميتها من المعروضات والمقتنيات، والحضارات التي يسهم المرشد في تبسيطها وتوصيلها للزائر، مهما كانت جنسيته وعمره . وتهتم إدارات السياحة والمتاحف داخل الدولة، بتأهيل المرشد علمياً وثقافياً، حرصاً منها على أن يكون النافذة التي يرى منها السائح ملامحها الحقيقية، ويطل بعيونهم على حضارتها العربية الأصيلة . وبينما تتعدد الأماكن والمتاحف التي يعمل فيها المرشدون، إلا أن طبيعة عملهم ودورهم واحد، يجمعهم شرح المعلومات والرد على الاستفسارات، والاستقبال البشوش، والتعامل مع كل الجنسيات لتصحيح الصورة والمعلومات التي قد يستقيها البعض بشكل خاطئ من الكتب أو الانترنت .
يقول خالد حسن المرشد في متحف الشارقة للآثار، إن للمرشد أهمية كبيرة في المكان الذي يعمل فيه، لأنه بمثابة النافذة التي يرى منها السائح المتحف، ويتعرف إلى المقتنيات الموجودة فيه، مشيراً إلى ضرورة قدرة المرشد على توصيل ما يتعلق بالمعروضات من معلومات وتاريخ وطرق الاكتشاف، وذلك بأسلوب شائق يمتع رواد المكان، ولا يشعرهم بالملل بغية عودتهم مرة أخرى .
ويلفت خالد خريج قسم التاريخ في جامعة الشارقة، إلى ضرورة تمكن المرشد من أدواته التي يستطيع من خلالها توصيل المادة العلمية، وتوضيح الصورة التي قد يأخذها البعض عن المتاحف، من أنها شيء قديم يضم أشياء غير نافعة، وهو ما بذلت فيه إدارة المتاحف في الشارقة جهوداً كبيرة، حتى استطاعت توضيح أن المتحف جامعة مفتوحة، يعمل فيها المرشد كمعلم يوصل للناس خبرة الأولين ويعرفهم بما كانوا يستخدمونه من أدوات، وطريقة عيشهم في ظروف صعبة .
وعن أسلوب المرشد وتأثير حالته المزاجية في عمله يضيف خالد، أن الحالة المزاجية للمرشد يجب ألا تؤثر في عمله داخل المتحف، وفي طريقة تعامله مع العملاء الذين أتوا للتعرف إلى المكان من خلاله، مشددا على ضرورة الفصل بين حياة المرشد الشخصية وتعامله مع الناس .
ويفضل محمد الزرعوني المرشد في متحف الشارقة للآثار، أن يكون المرشد من أبناء البلد، عارفي تاريخها والمحتفظين بعاداتها، فهم من وجهة نظره أقدر الناس على توصيل المعلومة من غيرهم ممن يمتهنون مهنة الإرشاد للسياح من الداخل والخارج، ويؤكد أن المرشد يساعد زائر المتحف الذي يأتي للاستمتاع بوقت فراغه مع أفراد أسرته، على قضاء وقت مفيد بين مقتنيات الأجداد، ويعطيه فكرة كاملة عن القطع الموجودة بأسلوب مبسط بعيداً عن المصطلحات، كما يعطيه نبذة مبسطة طريقة اكتشافها والحصول عليها في حال كانت مسروقة أو منقباً عنها .
ويلفت الزرعوني إلى أن المرشد في حال تعيينه قد يساوره القلق من التعامل مع الجمهور وبعد التعود على مكان عمله الجديد وطبيعة تخصصه، سرعان ما يستمتع بوظيفته كمرشد، خاصة عندما يترك في رأسه معلومة عن إحدى القطع، ويساعده في التعرف إلى تاريخ بلاده أو موروثه العربي، مشيراً إلى ضرورة أن يتمتع المرشد بقوة ملاحظة وقدرة على التغلب على ما يصادفه من مواقف يومية سريعة .
فاطمة إبراهيم المرشدة في متحف الحضارة الإسلامية في الشارقة تقول إنه لا فرق بين مرشد ومرشدة في مجال الإرشاد، فكل منهما لديه الواجبات نفسها تجاه إكساب الضيف معلومة جديدة تخص المكان الذي يخدم فيه، لافته إلى أهمية المرشد وكونه أحد ركائز العمل في المجال السياحي، لا سيما بالنسبة للزائر غير المطلع على التاريخ ومقتنياته الأثرية .
وتلفت فاطمة إلى أن الدور الكبير الذي يلعبه المرشد منذ اللحظة الأولى لاستقبال الزائر، وقدرته على استضافته بالمعلومة البسيطة المحببة، في حال كونه غير متخصص ودارس للفنون أو الآثار، وبالتفسير المستفيض في حال كونه أحد المتخصصين .
وتوضح نورة المغني المرشدة في متحف الحضارة الإسلامية في الشارقة ان هناك فارقاً كبيراً في التعامل بين الإنسان البسيط الذي يريد أن يستمتع بوقت مع عائلته، وبين المتخصص الدارس الذي يبحث عن كل تفصيلة تفيده، وهو ما يختلف تماماً عم التعامل مع رواد المتاحف من الأطفال، الذين يحتاجون من المرشد معاملة خاصة، لا سيما في مجال ترسيخ صورة صحيحة عن المتاحف، التي اشتهرت في مجتمعاتنا بأنها مكان قديم يحوى مقتنيات ليست لها علاقة بالحاضر، وهو ما يبذل المرشد فيه مجهوداً كبيراً، حتى يحقق الربط بين ما قام به الأجداد من جهود مضنية، وتحملهم للمشاق حتى نصل لما نحن فيه الآن .
وتضيف نورة المغني أن مهنة الإرشاد من المهن المهمة في المجال السياحي والتسويقي، فهي وسيلة لتوصيل المعلومات بشكل صحيح وموثق، وتصحيح الصورة والمعلومات التي قد يستقيها الضيف من غير المتخصصين، وهو ما صادف الكثيرين من العاملين في الإرشاد، حيث يأتي السائح الأجنبي في بعض الأحيان بمعلومة غير صحيحة عن الحضارة العربية، سواء من مرشده غير المطلع، أو أنه قرأها في بعض الكتب، الأمر الذي يتطلب من المرشد أن يكون واعياً وحريصاً على توضيح الصورة كاملة ودقيقة عن حضارة بلاده .
وتضيف المغني أن أسلوب المرشد عليه عامل كبير في جذب الزائر، من خلال الفهم السريع لشخصيته، من كونه لديه استعداد للتقبل المعلومة أو كونه ملولاً يريد معلومة سهلة وسريعة، أم دارساً يود الشرح المفصل، ومن خلال ذلك يلتقي المرشد والزائر في نقطة وسطية، تمكنه من أداء واجبه وشرح ما يريد من معلومات، وفي الوقت نفسه يترك أثراً طيباً لدى الزائر .
وعن الصعوبات اليومية لمهنة الإرشاد تقول المغني، إن بعض الدارسين يأتون بمعلومات زائدة في التخصص عن بعض المقتنيات، محاولين تعجيز المرشد المطلع على كل ما يجول في بال الزائر ولكنه يريد التبسيط، مما قد يضيع الفرصة على أثر تحفظ غير المتخصصين الراغبين في معرفة أبسط الأشياء .
كما أن هناك بعض الزائرين ممن يجذبهم أسلوب المرشد أو المرشدة، يوجهون لهم بعض الأسئلة الشخصية التي تتسبب لهم في نوع من الإحراج، ولكنها تعود وتؤكد أن المرشد ذا الخبرة يمكنه تجاوز تلك المصاعب التي أصبحت عادية لمهنة الإرشاد .
أما نورة الكعبي المرشدة في متحف الشارقة للفنون، فتقول إن المرشد يتحمل مسؤولية الزائر من الألف إلى الياء، فهو الذي بمثابة سفير داخلي يطلع الزائر على مقتنيات بلاده، وهو ما يستوجب أن يكون قادراً على الاجابة عن كل أسئلة واستفسارات الضيف ليس عن متحفه أو مكانه فقط، بل يجب أن يكون ملماً وعلى دراية ليعطيه فكرة كاملة، عن المعالم السياحية الموجودة في محيطه .
وتلفت الكعبي إلى ضرورة أن يكون المرشد مؤهلاً، في المجال الذي يخدم فيه، ودارساً لتاريخ القطع والمقتنيات الموجودة لديه، والتي تتولد بينه وبينها ألفة وعلاقة حميمية، لأنه أحياناً يقضي في عمله وقتاً يزيد على ما يقضيه مع الأهل والأصدقاء .
وتؤكد نورة أن المرشد الجيد هو الذي يسعى لتطوير أدواته، عبر القراءة المستمرة والبحث في مجال عمله وتخصصه، عن كل ما هو جديد في عالم الإرشاد وأساليبه غير مكتف بحفظ المكتوب في المتحف بجانب كل قطعة، وهو ما يمكنه من الحصول على أفكار جديدة بمقدورها ان تميزه وتسهم في تطوير نفسه وتفيد المكان ككل .
وتشير فاطمة محمد المرزوقي المرشدة في مدرسة الأحمدية وبيت التراث التابعين لدائرة السياحة والتسوق في دبي، إلى أن المرشد يحتفظ في رأسه بكل البيانات والمعلومات التي تخص تاريخ المتحف أو المكان الذي يعمل فيه، تحسباً للرد على أي أسئلة واستفسارات الزوار، سواء أكانوا من المتخصصين أم من العامة، المواطنين والعرب أم من الأجانب . وتضيف المرزوقي أن مدرسة الأحمدية وبيت التراث في دبي، يستقبلان ما يزيد على ثلاث رحلات مدرسية بشكل يومي، تضم تلاميذ ومشرفين، وهو ما يستوجب أن يكون المرشد في نشاط تام كل مرة مهما كانت أعداد الزائرين، لافتة إلى أن دور المرشد لا يقتصر فقط على الإرشاد، وشرح ما هو موجود داخل المتحف أو مكان عمله، بل هناك الكثير من الفعاليات والمسابقات التي يبتكرها لجذب رواد المكان، خاصة في حال أن يكونوا من الأطفال الذين يحتاجون إلى معاملة خاصة، لترغيبهم في المكان من ناحية، وإعطائهم فكرة مختلفة عن الأماكن التراثية الذي قد ينظر لها البعض على انها لا تحمل إلا أشياء قديمة .
وتوافقها الرأي المرشدة شيخة سلمان من المدرسة الأحمدية وبيت التراث بدبي، من أن الأطفال وتلاميذ المدارس، لا يحتاجون إلى كثير من التعمق، بينما يتعرف الزائر والمتخصص إلى بدايات التعليم في الإمارات، والشخصيات التي بدأت منظومة العلم، والتفاصيل والتواريخ والتطور الحاصل في التعليم حتى الآن . وتشير إلى ان هناك وسائل جذب للصغار يبتكرها المرشد لجذب الطلاب للمعلومة ومن ثم عمل مسابقات تتضمن أسئلة، تدور حول ما شاهده الأطفال لقياس نسبة تحصيلهم وما الاستفادة داخل المدرسة الأحمدية وبيت التراث .
وعن الصعوبات التي تواجه المرشد تقول شيخة، إن الصعوبة ليست في المعلومة التي يستطيع المرشد إكسابها للزائر، ولكن في ما يواجهه من مطبات ليس له يد فيها، مثل زيارة بعض الأجانب غير المتحدثين بالانجليزية، مثل الألمان، وفي حين تعتبر الانجليزية هي اللغة العالمية، إلا أن هناك أناساً يعتزون بلغتهم، مما يجعل المرشد يكتفي باللوحات والشاشات الناطقة بكل اللغات والتي تؤدي الغرض المطلوب .
أفواج سياحية من الدول المختلفة
تقول منى عيسى المرشدة في متحف أم القيوين للآثار، إن مفهوم الإرشاد تطور عما كان عليه في الماضي، وذلك بحكم تطور وسائل البحث والحصول على المعلومات التي يحصل عليها المرشد، سواء من المراجع المختلفة أو عبر الدورات التدريبية التي تؤهله، لأن يكون ملماً ومدركاً لطبيعة المكان والمقتنيات الموجودة فيه .
وعن تجربتها التي أمتدت إلى سبع سنوات في عالم الإرشاد تقول: عملت في مجال الإرشاد ولاحظت انبهار العديد من الأفواج السياحية، التي لم تكن تعرف ان هناك آثاراً قديمة في أم القيوين، ولكن الأمر سرعان ما تبدل وأصبحت الأفواج تأتي إلينا من كل أنحاء العالم . وتلفت منى إلى انه ليس هناك فارق بين المرشدة والمرشد في مجال الإرشاد، إذ تستطيع المرأة المرشدة التعامل مع الزائر، وترد على استفساراته، إضافة إلى اصطحابه في جولة إلى الأماكن السياحية، والجزر الموجودة في أم القيوين .
اما عن التدريب الذي يتلقاه المرشد فتقول: يحصل المرشد على برنامج تدريبي، يبدأ بالتأهيل بالمعلومات اللازمة عن المكان، ثم التدريب على اصطحاب الأفواج والرحلات المدرسية بشكل منفرد، مشيرة إلى أن تبادل الخبرات بين قدماء المرشدين والجدد منهم يمكنهم من الانخراط السريع في العمل الإرشادي .
تحويل المعلومة إلى خبرة حياتية
لم تعد الآثار والمتاحف فقط هي التي يعمل فيها المرشدون، بل يتطور أداء المرشد في بعض الأحيان، ليتناسب مع المكان الذي يتواجد فيه، ففوق إجادته للإنجليزية، كان لابد للرائد العلمي في مركز الاستكشاف بالشارقة، أن يكون مؤهلاً علمياً لشرح التجارب والمقتنيات الموجودة داخل المركز بأسلوب علمي يخدم الزائر في حياته اليومية .
تقول سلمى حسن رائد علمي أول بمركز الاستكشاف في الشارقة، عن طبيعة عمل الرائد العلمي في المركز، انه يقدم معلومة علمية سهلة وجذابة للطفل حتى سن 12 عاماً، كما أن الرائد العلمي بالإضافة إلى شرحه للمقتنيات، يحول المعلومة التي يعطيها للطالب إلى خبرة حياتية، يستفيد منها الزائر من خلال التعلم باللعب، ومحاكاة المعلومة باللعب لتوضيح معناها والعمل على ترسيخها . إضافة إلى الورش العلمية التي ينظمها الرائد العلمي لمناقشة موضوع معين، عن طريقها يتعلم الطالب بأسلوب علمي وعملي مبسط وشائق، عن المصادر الأخرى للمعلومات مثل الكتب والكمبيوتر .
وعلى الرغم من أن المركز يستقبل الأطفال حتى 12 سنة، إلا أن هناك الكثير من الأطفال في عمر الروضة ممن يأتوا مع إخوانهم، وهم يحتاجون من الرائد العلمي إلى تعامل خاص، من حيث المعلومة والتعامل البسيط السهل الذي يؤدي للطفل بالفهم السريع عن طريق التجربة والبعد عن التفاصيل والتعقيد .
وعما قد يواجه الرائد العلمي في مركز الاستكشاف تقول سلمى، ليس هناك صعوبات بالمعنى المفهوم، ولكنها ملاحظات على بعض المدارس التي تأتي برحلات للمركز، ولا يسيطر مشرفوها على التلاميذ، ما يؤثر في الجو العلمي للمركز وتحصيل التلاميذ لشرح المعروضات .