رأيت أحدهم يصلي في مؤخرة المسجد، وإذا أراد آخر أن يمر من أمامه وهو في منتصف المسجد، منعوه وصاحوا عليه: انتبه انتبه.. فلان يصلي.
- فقلت لهم: يا هذا على رسلكم، ليس المسجد كله على حساب شخص واحد يصلي في مؤخرة المسجد، عليكم أن تتعلموا أمور فقه دينكم، وإلا لا تفتوا بغير علم.
- إن المرور بين يدي المصلي له أحكام وله حالات، فالمرور بين يدي المأمومين لا يضر باتفاق العلماء، لأن الإمام يتحمل عنهم، كما أن المرور من وراء سترة المصلي، لا يضر مطلقاً.
- لكن الخلاف في المرور أمام المصلي المنفرد أو أمام الإمام اذا لم يتخذ كل منهما سترة تحجزه عن المارة.
فالحنفية والمالكية قالوا إن المنطقة المحظورة هي موضع صلاة المصلي أو الإمام، أي من قدمه الى موضع سجوده، وحكم المرور عندهم أنه مكروه.
والشافعية والحنابلة قدروها بثلاثة أذرع، وحكم المرور عندهم أنه يحرم، والكل يستشهد بحديث: لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه (رواه البخاري ومسلم).
- لكن مع ذلك فإن الفقهاء جميعهم متفقون على أن المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام مرخص فيه، سواء كان المصلي في صلاة الجماعة أو كان منفرداً.
- نعود الى المصلي في غير المسجد الحرام فنقول: استحب الفقهاء للمصلي ان يتخذ له سترة يصلي وراءها، سواء كان في المسجد أو كان في الصحراء، لقوله عليه الصلاة والسلام: إذا صلى أحدكم فليصل الى سترة، وليدن منها، ولا يدع أحداً يمر بين يديه (رواه البخاري ومسلم وابن ماجه).
- والفقهاء متفقون ايضاً على أن السترة يمكن أن تكون بكل ما ينتصب كالجدار والأشجار، أو بكل ما يغرز كالعصا، إلا أن المالكية كرهوا الاستتار بالحجر الواحد لأنه يشبه الصنم.
- والجمهور على أن الاستتار بالآدمي جائز، ما لم تكن امرأة غير محرم، والشافعية لم يجيزوا، لأن الآدمي قد ينشغل به المصلي في صلاته.
- ومع ذلك فإن الذين أجازوا قالوا: شريطة أن لا يصلي قبالة وجه الآدمي لحديث عائشة رصي الله عنها تقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وسط السرير وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، تكون لي الحاجة، فأكره أن أقوم فأستقبله، فأنسل انسلالا (رواه البخاري).
وكره بعض الفقهاء الاستتار بالدابة لعدم ثباتها، وبعض آخر أجاز لأن ابن عمر روى بأن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الى بعير (رواه البخاري).
- ويرى الجمهور أن المصلي إذا لم يجد سترة، خط أمامه خطاً، للحديث الوارد في سنن أبي داوود أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصاه، فإن لم يكن معه عصا، فليخط خطاً، ثم لا يضره ما مر أمامه.
- ثم اتفق الفقهاء على أن الذي يمر بين يدي المصلي آثم ولو لم يصل الى سترة، كما ورد في حاشية ابن عابدين وفي جواهر الاكليل وفي مغني ابن قدامة، إلا الشافعية فقالوا: يحرم إذا كان يصلي الى سترة، لكن بشرط ألا يكون قد تعدى بذلك على الحق العام، كأن يصلي في وسط الطريق.
- والجمهور على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة ولا يفسدها، واستثنى بعضهم الكلب الأسود، وللمصلي أن يدفع المارة بقوة للحديث الوارد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم الى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان (رواه البخاري).
- وقد ورد أن الدافع يكون بالتدريج برفع الصوت أو التسبيح، والمرأة بالاشارة، وينبغي ألا نفهم من قوله: فليقاتله معنى القتال والمشاجرة، لأنه يتنافى مع الخشوع في الصلاة، بل المراد به أحقيته في الدفاع عن صلاته.