كان محمد صلى الله عليه وسلم يحمل بنفسه ما يشتريه من السوق . وأراد يوماً أحد الصحابة أن يحمل عنه متاعاً فقال له: صاحب الشيء أولى بحمله .

الفنان والمستشرق الفرنسي إتيين دينيه (1861- 1929) يستشهد بهذا الموقف على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يكون قدوة من أجل القضاء على تلك العادة التي كان يسير عليها بعض الأغنياء الذين يشترون من السلع ما يثقلون به ظهور خدمهم دون أن يبدوا عطفاً عليهم . وقد أشهر إسلامه وتسمى باسم ناصر الدين . وهو رسام شهير، له لوحات نفيسة، تحرص المتاحف العالمية على اقتنائها . دافع عن الإسلام، مفنداً ادعاءات المستشرقين، كما ساهم في نقل حقائق الإسلام إلى الجمهور الفرنسى . وعبّر من خلال لوحاته عن عشقه للشرق والإسلام والمسلمين، خاصة الجزائر التي أحبها وعاش ودُفن فيها تنفيذاً لوصيته .

كتاب محمد رسول الله ألفه دينيه بالاشتراك مع الكاتب الجزائري سليمان إبراهيم . وهو يستعرض سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم منذ مولده حتى وفاته . ومن بين الحقائق التي يؤكدها أنه من بين جميع الأنبياء، هو الوحيد الذي استطاع أن يستغني عن الخوارق والمعجزات، معتمداً فقط على بداهة رسالته ووضوحها، وبلاغة القرآن الكريم الإلهية . وأن استغناء محمد عن الخوارق والمعجزات لهو أكبر معجزة على الإطلاق .

صورة وصفية

يقدم دينيه صورة وصفية للرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: كانت المعاني تتدفق غزيرة من ألفاظه المحكمة الموجزة، والتي تعبر عن مراده خير تعبير . أمّا سحر بيانه فكان شيئاً إلهياً، يغزو القلب ويأسر اللب، ولا يقوى أحد على مقاومته . وكان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يغرق أبداً في الضحك، فإذا ما اشتد به المرح حجب وجهه بيده . وكان هادئ الخلق حليم الطبع، لا تكبّر فيه ولا خشونة . لا يدعوه أحد إلا أجابه في الحال . يحب الأطفال ويلاعبهم ويضمهم إلى صدره . وكان يرعي شؤون الجميع، سواء في ذلك الأشراف أو العبيد .

روى أنس- الذى خدم الرسول صلى الله عليه وسلم عشر سنين - أن سيده لم يلمه أبداً على شيء، ولم يراجعه في أمر . وروى أبو ذر أنه سمع الرسول يوصي بالخدم والعبيد، ويدعو إلى معاملتهم كإخوة في الدين، وعدم الإجحاف بهم في المأكل والملبس .

وكانت طبيعته محبة وحناناً، إذ تألم صغيراً من افتقاره إلى عطف الأم . وشُغل كبيراً بمسائل التربية، وعلاقة الأبناء بالأمهات . وكان يؤكد دائماً أن الجنة تحت أقدام الأمهات .

ولم تكن فطنته العجيبة، ومعرفته بخفايا النفوس وجواهر الأشياء، لتمنعاه من مشاورة أصحابه في كل الشؤون . ويذكر عن عائشة في هذا الشأن أنها لم تر إنساناً قط يحب المشاورة كما يحبها محمد .

أجوع يوماً وأشبع يوماً

وكانت أخلاق الكرم - كما يضيف دينيه - تحول بين الرسول صلى الله عليه وسلم والسخرية المبتذلة أو القاسية . ولكنه كان مرحاً يحب المداعبات التي لايحرّمها الله .

وقد بلغ من حبّه للصلاة أن تورمت قدماه من طول الوقوف لها . لكنه كان يعد الإكثار من الصلاة من خصوصياته كرسول لا يسمح لأحد بأن يتبعه في ذلك . وكان يلوم عبد الله بن عامر إذ بلغه أنه يقوم الليل مصلياً ويقضي النهار صائماً، وينصحه بعدم الإكثار من ذلك لكي لا يضعف بصره وتذهب قوّته، فضلاً عن أن لأهله عليه حقاً . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بأعماله الخاصة بنفسه: فكان يحلب شاته، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويطعم إبله، وينصب خيمته . ويمارس هذه وسواها من الأعمال دون الاستعانة بأحد .

وكان يتباعد إلى أقصى حدود التباعد عن عرض الدنيا وزينتها . قالت عائشة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرض علىّ أن تجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يارب . . أجوع يوماً، وأشبع يوماً . فأمّا اليوم الذي أجوع فيه، فأضرع إليك وأدعوك، وأمّا اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك .

أمّا قناعته صلى الله عليه وسلم فكانت مضرب الأمثال . روي أنه لم يجمع بين صنفين من الطعام في أكلة واحدة إلا نادراً . فإذا أكل من اللحم لم يأكل من التمر، وإذا أكل من التمر لم يأكل معه لحماً . وكان يحب اللبن لجمعه بين الري والإشباع . وكان الشهر يتلو الشهر دون أن توقد نار في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم لخبز أو لطبخ.