بعد أن بركت الناقة في مربد للتمر لغلامين يتيمين هما سهل وسهيل ابني عمرو من بني مالك بن النجار، ابتاعه النبي (ص) ليبنيه مسجداً وسكناً له، وكان اليتيمان في حجر معاذ بن عفراء وقيل أسعد بن زرارة.

وكانت أرض المربد تحوي قبور المشركين وخرباً ونخلاً، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت وبالخرب فسويت وبالنخل فقطع، وعمل في بناء المسجد بيديه وشاركه المسلمون من المهاجرين والأنصار في بنائه وهم يرددون: اللهم إنه لا خير إلا الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة. واستمر العمل في بناء المسجد شهراً واحداً وقيل سبعة أشهر، أقام النبي صلى الله عليه وسلم خلالها في دار أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري.

وكان المسجد بادىء الأمر فناء فسيحاً، بنيت جدرانه الأربعة من الآجر والتراب، وسقف جزء منه بسعف النخل وترك الجزء الآخر مكشوفاً. وأقيم للمسجد ثلاثة أبواب: باب الرحمة عاتكة، باب المؤخرة، وباب ليدخل منه النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يترك للمسلمين حرية اختيار القبلة في الصلاة لأن الله تعالى قال: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة: 115).

تحويل القبلة

وببناء المسجد وجهت قبلته نحو بيت المقدس حيث استمر المسلمون يولون وجوههم شطره طوال ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وقيل ثمانية عشر، أي حتى رجب أو شعبان من سنة 2ه، حيث تم تحويل القبلة إلى المسجد الحرام بعد نزول قول الله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (البقرة: 144).

وفي تلك السنة أيضاً فرض الله تعالى صيام شهر رمضان المبارك.

ولم يكن للمسجد مئذنة. فقد كان المسلمون يجتمعون للصلاة بغير دعوة، حتى كانت صيغة الأذان، وكان بلال أول من أذن للصلاة من مكان يرتفع عن المسجد قيل إنه منزل لامرأة من بني النجار أو على منارة في دار حفصة بنت عمر رضي الله عنهما تلي المسجد.

ونزل قول الله تعالى في هذا المسجد: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (التوبة: 108).

وقيل إن هذه الآية الكريمة قيلت في مسجد قباء.

وهكذا كان المسجد في قلب المدينة بمثابة المركز الديني والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري فيه يقيم المسلمون الصلاة، وفيه يتشاور النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة ويوقع المعاهدات والكتب، ويستقبل وفود العرب، ويعقد ألوية الجهاد غزوات وسرايا، وفيه يتم تعليم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مما يعني أن الإسلام دين ودولة.

ثم كان بناء بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تحيط بالمسجد. وكانت هذه البيوت تسعة منخفضة السقوف قد بنيت باللبن، ولم تكن جزءاً من المسجد ولكن أبوابها شارعة فيه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل المسجد بإزاء الباب المخصص لزوجته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.

وكانت منازل المهاجرين من أهل مكة المكرمة، يحيط بعضها بالمسجد النبوي من جميع الجهات ويتوزع معظمها في أحياء الأنصار. وكان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه بيت يحيط بالمسجد وآخر في محلة السنح شرق البقيع تقيم فيه زوجه الأنصارية. وبنيت منازل القبائل المهاجرة إلى المدينة، قيس عيلان وتميم وقضاعة وبكر والمصطلق، في الأماكن الخالية بين منازل الخزرج في الجانب الشمالي الغربي من المدينة أي في الخط الممتد من جبل سلع إلى أماكن بني زريق.

وقد أفرد النبي صلى الله عليه وسلم أهل الصفة وهم الوافدون من خارج المدينة ولا يرغبون العودة إلى ديارهم وليس لهم أحد في المدينة، صفة المسجد، وهي المكان المسقوف منه ليأووا إليه وليشرف على رعايتهم، لذلك سموا أهل الصفة. وكان هؤلاء أكثر الصحابة جلوساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فاشتهر معظمهم برواية الحديث ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه. وبعد ازدياد عددهم بين ثلاثين وسبعين، واقتراح محمد بن مسلمة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجعل دار ضيافة في كل بستان من بساتين المدينة لإقامتهم فيه.