مصطلح المسرح منفرداً لا يستعصي على الفهم، وكذا التعليم، ولكن المعضلة تنشأ عند التقاء المصطلحين، والتخريجات التي تبرز عند التقاء المصطلحين كثيرة ومتباينة وتحددها رؤية الباحث والمدخل الذي ينفذ منه إلى فهم مثل هذه المصطلحات، فإن كان تربوياً فإنه يركز على التعليم، وإن كان مسرحياً فإنه يركز على جانب المسرح . ولهذا كان لا بد من أن يكون المتصدي لأمر المسرح في التعليم متميزاً في التخصصين: التربية والمسرح، وكذا المتعامل مع التربية المسرحية في الميدان التربوي .
إن تسميات مثل المسرح التربوي والمسرح المدرسي والمسرح التعليمي تجد من يستحسن المسرح في التربية والمسرح في المدرسة والمسرح في التعليم بدلاً منها، وما ذلك إلا لاختلاف توجهات الباحثين من التربية ومن المسرح، وهذا التباين يؤثر في الممارسة نفسها ميدانياً .
يقول كمال الدين حسين في كتابه المسرح التعليمي المصطلح والتطبيق الصادر عن الدار المصرية اللبنانية في مصر في طبعته الأولى عام 2005: إن دور المسرح في التربية لا بد أن يتكامل مع العديد من المناهج والأساليب التربوية الأخرى في توافق من أجل التنمية الشاملة للفرد . ويصل به تخريجه هذا إلى رفض مصطلح المسرح التربوي باعتباره فضفاضاً من وجهة نظره . كما يرفض مصطلح المسرح المدرسي قائلاً إن الأمر يتطلب السعي لإيجاد مصطلح يمكن أن يشمل بدلالته كل الأنشطة المسرحية والدرامية التي تمارس في المؤسسات التعليمية كافة .
يسوق حسين كل مبرراته وصولاً إلى مصطلح المسرح التعليمي معتبراً إياه المصطلح الأصح، في حين أنه يتحدث عن المسرح التعليمي، وكل كتاباته ومسوغاته تدل على أنه يعني التربية المسرحية، لأن التربية المسرحية تشمل المسرح التعليمي (المسرح المدرسي والجامعي والمسرح في رياض الأطفال) باعتبار أن كل هذه ما هي إلا النشاط الميداني للتربية المسرحية، وهي تندرج تحت مفهوم الفنون، بينما التربية المسرحية علم، وهناك فرق كبير .
الفنون لا يجبُّ جديدها قديمها، لأنها تتطور في إطار الهرم الفني لذات المبدع وذات البنية الإبداعية التي أفرزتها، ولكل مبدع هرمه، ولكل بنية هرمها، ولكل حقبة هرمها الذي يتحدد حجمه صغراً وكبراً بعلاقته بالحقب السابقة، وبعلاقة ذات المبدع بجوهر ذات الحقبة والحقب السابقة واللاحقة .
عكس ذلك نجد العلم الذي يتقدم مضيفاً للهرم الشامل للإنسانية كلها منذ بدء الخليقة، ولهذا فالكشف العلمي الجديد يضيف رأسياً لهرم العلوم فيعلو على سابقه، وقد يوقف فاعليته تماماً في بعض الأحيان بينما في الفنون لا يحدث هذا على إطلاقه .
إن التربوي المتخصص في مادة ما، يكفيه ما درسه في الجامعة والمراجع الحديثة لنقل ما تعلمه إلى تلاميذه متسلحاً بأصول وطرق التدريس التي خبرها قولاً لأن المجال مجال توصيل خبر، أما في حال توصيل المادة عن طريق الفنون فلا بد له من الإلمام بهرم الفنون منذ بدء الخليقة لأن المجال مجال خبرة، وهذا هو الفرق بين القول والأداء . ولهذا أسلفنا القول إن المتعامل مع المسرح في التعليم يلزمه تخصصان: تخصص في التربية وتخصص في المسرح .
للحديث عن التربية المسرحية مزالق، فهذه التربية تتخفى وراء نشاطها الميداني فتتمظهر للباحث عن بعد كونها فناً فقط . فمسرح التلفزيون والبرامج التي تستهدف المسرح فيه هي النشاط الميداني للتربية المسرحية في التلفزيون، وفرق الجامعات وما تمارسه من فعاليات مسرحية هي النشاط الميداني للتربية المسرحية في الجامعات، والمسرح المدرسي هو النشاط الميداني للتربية المسرحية في المدارس . والتربية المسرحية في صيرورة وتواصل دائمين لأنها علم .
التربية المسرحية إذن - مثلها مثل التربية الموسيقية والتربية الفنية والتربية الرياضية - تختلف عن بقية العلوم في أنها تندرج تحت باب الفنون في شقها الميداني، وهرم الفنون له كمال وحجم في كل مرحلة فنية يتناسبان مع علاقة المرحلة بسابقاتها . ولهذا كان لا بد من هضم التراث الفني كله لمن يريد أن يضيف الجديد في الفنون، بينما يمكن لدارس العلوم أن يكتفي بهضم أحدث النظريات العلمية ليكون في وضع يؤهله لإضافة الجديد، بل يكون قادراً على اختراع الجديد . فالعلوم يجبُّ حديثها قديمها كما أسلفت، بينما يظل القديم في تنافس مع الجديد في الفنون، بل قد يفوقه أحياناً . وليس غريباً على ما تقدم أن يكون شكسبير هو الأعظم باعتراف الجميع برغم القرون التي تفصل بيننا .
التربية هي وسيلة المجتمع في تحقيق فردية المواطن وجماعيته في آن، فهي تعمل من جهة على تنمية قدرات الفرد وتهذيب ميوله وإكسابه مهارات عامة في نواحي حياته، كما تعمل في الوقت ذاته على تهيئة روحه ليعيش سعيداً في الجماعة، يتكيف معها ويندمج فيها . مسهماً في نشاطها، عاملاً لصالحها . فبناء الإنسان ليس بالشيء السهل، والتعامل مع الطفل التلميذ هو في جوهره وضع اللبنات الأولى في بناء شخصية هذا الإنسان، وصعوبة التعامل مع الطفل التلميذ لا تكمن فقط في أنه حديث عهد بالفطام الاجتماعي، وإنما تكمن أيضاً في أنه، وبفطامه الاجتماعي هذا، يضع خبراته العاطفية والحياتية الضئيلة في مواجهة مشارف أولى عتبات السلم الاجتماعي، هذا السلم الذي يبدأ صعوده، وهو مشروع شخص ثم يستحيل شخصية بما اكتسبه من صفات . فهو يتنامى مروراً بالمراحل التعليمية، ولكل مرحلة من هذه المراحل خصوصية تستوجب المراعاة عند التعامل معها وفقاً لها . إذاً فالإجابة ليست بالسهولة التي يتصورها القارئ أو السامع للسؤال في عجالة . فدور المسرح في التعليم يتعاظم كلما اتجه العالم إلى التعلم الذاتي مبتعداً عن التلقين وهو أول مرتكزات الطرق التعليمية الحديثة .
وهكذا وجدت الثورة التعليمية الحديثة ضالتها المنشودة في الأنشطة التربوية، والمسرح أهم ركائزها، فجهود المسرح المدرسي لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن الجهود المبذولة في سبيل توسيع مدارك التلاميذ والتلميذات الفكرية، وتنمية قدراتهم العقلية والجسدية وإرشاردهم لتقدير الجمال في ذاته، وتمثل سلوكاً ومعايشة وتنشئتهم التنشئة الاجتماعية السليمة بربطهم بتراث أمتهم ووطنهم لخلق الفرد الصالح لوطنه وأمته، والمسرح في التعليم أحد محاور المسرح المدرسي، والذي هو النشاط الميداني للتربية المسرحية . ومَنْ غير التربية المسرحية يستطيع تحويل المجتمع المدرسي إلى مواقف احتفالية من خلال عالم من الألعاب الابتكارية وتمارين التخيل التي تنشط الذاكرة وتغزو حصن عالم الأكاديميات وتبسطه بمسرحته وتحويله إلى لعبة مسلية؟ فالنشاط الميداني للتربية المسرحية، من بين جميع الأنشطة، يظل الوحيد الذي جاء حاملاً أعباء وأهداف المدرسة كمؤسسة تعليمية وتربوية بحتة، وأعباء وأهداف المسرح كمؤسسة يدخل التعليم من ضمن أهدافها، فتحددت بذلك معالمه وتوجهاته بشكل قاطع .
المسرح ظاهرة اجتماعية ونشاط حر لا يزدهر إلا في ظل الوعي العام، والمدارس من مكونات هذا الوعي العام . فالمدرسة كمؤسسة راسخة الجذور في البنية الاجتماعية حملت لواء التربية والتعليم هدفاً وغاية، والمسرح كرافد من روافد العملية التربوية تنقل عبر وظائف اجتماعية عدة تأرجحت ما بين التعليمية والتطهيرية والجمالية البحتة والإمتاع الفني الصرف الذي يمثل للبعض العلة الغائية للفنون . وكان أن التقت المؤسستان، فولد المسرح المدرسي حاملاً أعباء وآمال وأهداف المدرسة المؤسسة التربوية البحتة من جانب، وأعباء وآمال وأهداف المسرح المؤسسة التي قد يدخل التعليم من ضمن أهدافها البعيدة من الجانب الآخر، والتربية المسرحية هي المادة التي تختص بفقه المسرح، والمسرح المدرسي هو الواجهة الميدانية والشق التطبيقي للتربية المسرحية .
وإن كانت التربية المسرحية في شقها التنظيري تستأسد بالمحور الفني من بين محاور المسرح المدرسي الثلاثة وتلقي بظلالها فقط على المحورين الآخرين، فإن المسرح المدرسي كنشاط ميداني للتربية المسرحية يجب أن يعمل على المحاور الثلاثة بالكفاءة ذاتها وبالقدر نفسه من المسؤولية .
وإضافة إلى تحقيق الأهداف العليا للتربية المسرحية يجب تبني الأهداف المعرفية والوجدانية والمهارية في الوحدات الدراسية للمواد ذاتها وفق المرحلة التعليمية التي يعمل فيها . ففي مسرح الفصل متسع لمسرحة الخبرات الدراسية، وفي مسرح الساحة متسع لاستهداف الوجود الاجتماعي للطلاب في المجتمع المدرسي وذلك بمخاطبة العقل الجمعي عبر مسرحيات تعري المواقف السلوكية المرصودة كنماذج للاختراق الاجتماعي السالب، وفي مسرح المدرسة متسع للجميع .
التعلم الذاتي هو الخيار الذي اتجهت إليه النظريات التعليمية الحديثة . وعند أول بادرة حديث عن التعلم الذاتي ينصرف ذهن التربويين صوب الأنشطة الإثرائية، ومن بينها يجتذبهم بشكل خاص بريق المسرح بما له من قدرة فائقة على الدخول إلى وجدان الطلاب في سلاسة وسهولة ويسر، ومن ثم يبدأ إدماج المناشط الأخرى عبر المسرح في العملية التربوية التعليمية لتستحيل باحات المدارس مواقف احتفالية تشع بالخبرات الحياتية والتعليمية والفنية مصيرة المدرسة سكناً يرتاح إليه التلميذ .
لقد بدأ العالم كله ومنذ أواخر القرن التاسع عشر في الهجوم على نظريات التعليم التي كانت سائدة حينذاك، كنظرية الملكات ونظرية التدريب الشكلي، ومن ثم أعطت التجارب على تعلم الحيوان ودراسة أنشطة الأطفال وتعلمهم الأساسي لنظرية نفسية جديدة في التعلم تعتبر الفرد كائناً حياً وظيفياً ينمو من خلال الخبرة النشطة، كما اعتبرت طبيعة الخبرة عملاً حيوياً في تحديد طبيعة تعلمه وقيمته، وهي النظرية التي أقام على أساسها جون ديوي نظريته في التربية .
إن علاقة المسرح بالتعلم إذن علاقة ارتباط بلا فكاك، تبدأ من رياض الأطفال وتمر عبر جميع المراحل وصولاً إلى الجامعة، بل هناك جامعات الآن تدرس وتعلم بالمسرح فقط، وهناك تجربة في الأردن للتدريس بالمسرح في المرحلة الابتدائية .
تقدم التربية المسرحية عبر المسرح للطالب أول ما تقدم الخبرات الحياتية عن طريق المحور الاجتماعي، ولهذا فالمحور الاجتماعي يكاد يستأسد بجل النشاط المسرحي في المدرسة لاستهدافه الوجود الاجتماعي للطالب في مجتمع المدرسة والبيئة التي تتموضع فيها المدرسة مكاناً، ومن هنا نشأت علاقة المسرح المدرسي اللصيقة في هذا المحور بالاختصاصي الاجتماعي . فالمسرح المدرسي يلتقي الخدمة الاجتماعية في محاورها الثلاثة عند هذا المحور . وهو مثلها تماماً يستهدف الطالب الموهوب والطالب غير الموهوب، بل الطالب غير السوي أيضاً مساهماً في علاجه . ومثلما للخدمة الاجتماعية دورها الوقائي والعلاجي والإنشائي فإن للمسرح دوره الوقائي والعلاجي والإنشائي أيضاً . فمن ضمن أهداف المسرح المدرسي عبر المحور الاجتماعي الإسهام والمساعدة في إعادة تنشئة الطلاب الانعزاليين والانطوائيين لدمجهم في المجتمع المدرسي من جديد .
ومن صميم عمل المسرح المدرسي عبر هذا المحور المساعدة في علاج بعض حالات عيوب النطق عند الطلاق، وكذلك المساهمة في علاج بعض الحالات النفسية عبر السايكودراما بالتعاون مع توجيه التربية النفسية .
يعتبر البعض أن أساس المسرح في المدرسة . ونحن، وإن كنا نعترض على مصطلح مسرحة المناهج، لأن المنهج لا يمسرح أصلاً وإنما الذي يمسرح عبر هذا المحور هو جزء من وحدات دراسية هي في ذاتها جزء من وسيلة من وسائل المنهج، إلا أننا نتفق تماماً في المبدأ . فبالفعل يمكن للمسرح أن يقدم الكثير للعملية التعليمية، وقد تجاوز الأمر المساهمة في التهيئة الحافزة والتغذية الراجعة فقط في زمان الدراما الخلاقة . فمسرح الفصل ومسرح المنبر ومسرح الساحة والحواريات والمواقف الممثلة والألعاب التمثيلية وتمارين الخيال وورشة المسرح المدرسي ومسرحة الألعاب الشعبية والمهن والصحافة الحية، كل هذه بلا أدنى شك تظل في خدمة العملية التعليمية . ومثلما هناك مسرحة لخبرات دراسية في درس واحد أو وحدة دراسية كاملة فإنه يمكن أن تكون هنالك مسرحة لمدة كاملة .
تستهدف التربية المسرحية هنا عبر المسرح تطوير الأساسيات الإبداعية لدى الطالب الموهوب، محاولة في الوقت ذاته أن تجعل من الطالب غير الموهوب مشاهداً ذواقاً بإتقان العمل الفني وتقديمه لجمهور الطلبة بالمدرسة . وهذه نقطة جوهرية أخرى في المسرح المدرسي . فلا مسرح بلا جمهور . والمسرحيات لا تنتج لتشاهدها لجان التحكيم، فالكراسي الخالية لا تلهم أحداً . لا بد من الجمهور . لابد من أن يشاهدها الطلاب وأولياء الأمور في المدرسة المنتجة ذاتها أولاً، ثم بتبادل العروض والخبرات مع مدارس أخرى، ثم وصولاً إلى إقامة مواسم مسرحية كاملة للمسرح المدرسي يرتادها طلاب المدينة على خشبة مسرح المدينة المدرسي . فهذا هو المحور الذي يحقق للعملية الفنية كمالها، وهو المدرسة الفنية الأولى للتلميذ مهندس الإضاءة، وللتلميذ مهندس الديكور، وللتلميذ مهندس الصوت، وللتلميذ مصمم الأزياء، وللتلميذ مؤلف الموسيقا التصويرية، وللتلميذ مدير الخشبة، وللتلميذ المشاهد . ولذا فلا بد من أن يعنى مشرف المسرح بإتمام العملية الإنتاجية كاملة فنياً وإدارياً أمام جميع أعضاء جماعة المسرح بالمدرسة بدءاً بتحليل المقدمة المنطقية والفكرة الأساسية ووصولاً إلى العرض مع التركيز على إسناد كل المهام الإدارية والفنية للطلبة أنفسهم لتعم الفائدة .
للمسرح دور في جعل المدرسة سكناً وبيتاً يرتاح إليه التلميذ، وللتربية المسرحية أدوار في تحقيق حلم التربويين في مدرسة بلا أسوار . والمدرسة لا تكون بلا أسوار إلا إذا استطعنا تحقيق المعادلة الصعبة التي تجعل مركز الجاذبية داخل المدرسة . ومركز الجاذبية لا يكون داخل المدرسة إلا إذا استطعنا الذهاب إلى خارج المدرسة لمعرفة ما يجتذب الطالب خارجها . وعند معرفة ما يريده الطالب وما يجتذبه خارج المدرسة نستطيع وضع البرامج والوسائل والآليات التي تجعل الانتقال بمركز الجاذبية إلى داخل المدرسة ممكناً .
من أوراق ملتقى الشارقة الثامن للمسرح العربي