الواصفة موضع تساؤل، كما تستلزم الدفع بالجمهور إلى اختيار إشكالية التمثيل، باستحضار وسيط معين ضمن وسيط آخر . ورغم أن التراتبيات والاختلافات بين الحضور الحي والنسخة المسجلة (كالإحداثيات المكانية والزمنية، الفرق بين الأصل والنسخة) هي متداخلة في ما بينها . فإنها تزحزح الافتراضات المسبقة حول الحضور والتمثيل، وتعمل على تغيير إدارك المتلقي . وهذا التحول في الإدراك لا يقلل من جودة الفرجة الحية، وإنما يؤكد - كما ترى الباحثة الألمانية إيريكا فيشر ليشت - أن الأداء الحي والأداء الوسائطي لا يختلفان كثيراً بعضهما عن بعض .
إن تزايد الاهتمام النقدي بالتراتبيات والاختلافات بين الفرجة الحية والفرجة الوسائطية في المسرح المعاصر، يسعى إلى تقصي أشكال تعاطي الفرجة المسرحية للمضاعفة والتضعيف . فمن المؤكد أن هذه الظاهرة أصبحت خاصية مميزة لخطابات عصر ما بعد الحداثة لدى الغرب، ومقابلها في الضفة الجنوبية ما بعد الاستعمار لدى أغلب البلدان العربية، خاصة بعد ثورة الياسمين بتونس وثورة 25 يناير بمصر، اللتين أبانتا بالملموس تجاوز الحدود بين مايقع داخل الوسيط فيسبوك مثلاً وما يقع على أرض الواقع . إذ لم يعد عالم اليوم مجرد فضاء واسع من العناصر سريعة التنقل، بل صار فضاء للتفاعل والحوار بين الذوات الفاعلة أيضاَ . وإذا كنا سجلنا دخول بعض التجارب المسرحية العربية في هذه الدائرة التي وصفها الباحث الألماني هانس ليمان ب مسرح ما بعد الدراما، والتي تتميز عموماً بحوارية تقعيرية وانزياح متعمد للسيميوزيز المسرحي عن التسنين الخطي المعتاد في المسرح التقليدي أو حتى الطليعي إلى حدود النصف الأول من القرن العشرين، فإن ما تقوم عليه هذه التجارب يدفع إلى تأجيل القبض على المعنى، ذلك الذي لم يعد ينبثق من انتساب إلى مدلول موضوعي خارج مدار المسرح بقدر ما ينبني كسيميوزيز ضمن العلاقة الحرة الناشئة عن الحلقة المرتدة لتبادل الأثر (Autopoeitic Feedback Loop) التي تؤطر علاقة المؤدين والمتفرجين داخل فضاء الفرجة ذاتها .
ألم يحن الوقت إذن للاهتمام بالممارسات المسرحية التي أصبحت تغزو المسارح العربية المعاصرة؟ في هذا الاتجاه نسعى لإثارة الانتباه لتواتر النصوص والفضاءات الوسائطية ضمن تفاعل الوسيط المسرحي المتسم بالحيوية المباشرة مع تقنيات السينما والتلفزيون، والتقنيات الرقمية خاصة . سواء في ضوء النقاشات النظرية، أو ضمن مسارات التأمل الذي تخضع له أشكال الأداء والتقبل المسرحيين لهذه النصوص المفعمة بحيوية الوسائطي .
بالنظر إلى مجموعة من الخطابات النقدية الرائجة في الوطن العربي خلال العشر سنوات الأخيرة، نلاحظ ثمة شرخ بين مجمل الجسد النقدي وجزء يسير من الجسد المسرحي الذي يندرج ضمن خانة ما يسميه هانس ليمان مسرح ما بعد الدراما . يصل هذا الشرخ أحياناً إلى حالات مستعصية من الاحتقان والتوتر يولد خطاب أزمة، بينما المطلوب الآن هو المزيد من التعاضد والتآزر والتفاعل الإيجابي على شكل مختبرات/مخابر مسرحية ومجموعات بحث متعددة التخصصات ومنفتحة على رحابة الأفق التجريبي للممارسة الإبداعية في الوطن العربي راهناً . لقد روج العديد من النقاد والمتتبعين للشأن المسرحي العربي فكرة مفادها أزمة النصوص الدرامية، وسطوة الاقتباس من حيث هو نوع من الهروب إلى الأمام في الكثير من الإبداعات العربية المعاصرة، بينما الحقيقة هي أن الممارسة المسرحية في الوطن العربي متفاعلة بشكل أو بآخر من تحولات صناعة الفرجة المسرحية على المستوى الكوني، وذلك نتيجة ما تسميه المفكرة الألمانية إيريكا فيشر ليشت تناسج ثقافات الفرجة .
لقد ارتبطت مجمل هاته التحولات التي عرفها المسرح العربي برمته منذ منتصف الستينات بستة أنواع من النصوص: نص الكاتب، نص الإخراج، نص الكاتب المستنبت، نص الكاتب المخرج، نص الإعداد الدراماتورجي والإخراج، ونص الناقد .
إننا لا نعيش أزمة نصوص درامية أو اضطراباً على مستوى الخيال المسرحي، بقدر ما نعيش منعطفاً نحو الفرجة المسرحية الشاملة والمفعمة بجماع نصوص متعددة ومتنافرة في أغلب الأحيان، لا يشكل فيه النص الدرامي المركز المحوري لكل النصوص الموازية الأخرى، أو الموجه الأساسي لصناعة الفرجة المسرحية، والحال أن مفهوم النص في حد ذاته لم يعد يقتصر على تأثير المخطوط، بل حتى النص المخطوط اليوم لم يعد يخضع لنفس آليات الكتابة الدرامية المعهودة في السابق، وهنا تحديداً، نتساءل - رفقة باتريس بافيس في آخر دراسة له عن مفهوم الكتابة من خلال مواكبته مهرجان أفينيون لسنة 2009 -: هل لا يزال الناس يكتبون نصوصاً من أجل المسرح؟ نصوصاً تقرأ كأدب وينظر إليها من حيث هي سابقة للإنتاج المسرحي، هل لا تزال تلك النصوص تحمل صفة درامية أم أنها أصبحت ما بعد درامية ومختلفة جذرياً عن تلك التي سبقتها؟
ما أسميه المنعطف الفرجوي هو انفلات تجريبي آخر يبحث عن طرائق بديلة لصناعة الفرجة ومنظور جديد لتلقيها . ذلك أن المسرح في نشأة مستمرة، ويتوفر على قابلية داخلية للتجاوز وإعادة البناء، انطلاقاً من تفاعله مع محيطه والابستيميات المتحكمة في إنتاجه وترويجه . لقد شكلت فترة أواخر الستينات وبداية السبعينات منعطفاً فرجوياً في المسرح العربي على مستوى صناعة الفرجة من خلال الانفتاح على آليات اشتغال الفرجة التقليدية وتكييف تفنيات السامر الشعبي والحكواتي والحلقة من حيث هي فرجات شعبية محايثة مع الفن المسرحي الطارئ الوافد علينا من الغرب، وقد شكلت مسرحيات مثل الفرافير ليوسف إدريس بالمشرق العربي، وديوان سيدي عبدالرحمن المجذوب للطيب الصديقي بالمغرب، أسس هذا المنعطف المؤسس لحساسيات جديدة أثرت في الماضي القريب على الجسد المسرحي العربي برمته ووجهته إلى مسارات المصالحة مع الوجدان الفرجوي العربي بشكل عام . فإذا كان المسرح العربي عموماً قد عرف تطوراً ملحوظاً في بعض إنجازاته . فإن ذلك يعود إلى تعامل بعض صانعيه مع التراث، وإعادة صياغة أشكاله الفرجوية والثقافية، التي تنطوي على طرائف ومواقف إنسانية حياتية تخول لهم استثمار أفكارهم المعرفية والفنية انطلاقاً من الماضي إلى الحاضر .
بنفس قوة هذا المنعطف الفرجوي برز النقد المسرحي في المغرب والمشرق آنذاك في مستوى الحدث، فمن خلال الكتاب المؤسس لحقل دراسات الفرجة بالمغرب لأستاذ الأجيال الدكتور حسن المنيعي تحت عنوان أبحاث في المسرح المغربي واكب النقد المسرحي المغربي ذلك المنعطف الفرجوي، بل أسس لنفسه منعطفاً نقدياً موازياً يجمع بين مقاربة الإبداع وتوجيه مساراته . وهذا أقصى ما يمكن أن يصل إليه النقد المسرحي، أي تجاوز سقف التحليل والشرح من أجل التفاعل الإيجابي والمرافقة البحثية للجسد المسرحي، والإسهام في توجيهه نحو تحقيق المصالحة مع الوجدان الفرجوي .
الآن نعيش منعطفاً فوجوياً آخراً في مجمل الوطن العربي، بما فيه المغرب منذ أواخر التسعينات مع الدينامية الجديدة التي واكبت مجموعة من الإجراءات الإدارية التي أقدمت عليها وزارة الثقافة المغربية مع الوزير الشاعر محمد الأشعري لتقويم سياسة دعم الدولة في المجال المسرحي، فرغم كل المشكلات البنيوية والهيكلية التي لاتزال تعتري الجسد المسرحي المغربي راهناً، يلاحظ توهج على المستوى الإبداعي .
إن بروز حساسيات فنية جديدة تدعونا كمتتبعين وباحثين لمقاربتها بأعين مختلفة عن تلك التي ورثناها عن النقد التقليدي . فمتابعتنا لما يعرض في المهرجان الوطني للمسرح بمكناس أو فضاءات أخرى أكثر من اثنتي عشرة سنة جعلتنا نخلص إلى أن أعمالاً مثل راس الحانوت ونعال الريح لبوسلهام الضعيف، أو ترانزيت لبوسرحان الزيتوني، أو فيولون سين لعبد المجيد الهواس، أو قصة حب في 12 أغنية و3 وجبات وقبلة واحدة لفوزي بن سعيدي، أو هو و180 درجة لجواد سونني، أو الكرسي الهزاز ويوسف قل ليوسف الريحاني، أو أصوات كولطيس لزهرة مكاش، أو كفر ناعوم اوطو صيراط للطيفة أحرار، يستحيل مقاربتها من منظور النقد التقليدي، ذلك ببساطة لانفلاتها عن التسنين المسرحي الخطي وإرباكها لمفهوم التمثيل داخل المسرح . وهنا يطرح الاشكال: هل واكب النقد المسرحي المغربي هذا التوهج الإبداعي خلال العشر سنوات الأخيرة؟ والحالة هذه يبقى جزء مهم من نقدنا المسرحي لايزال يراوح مكانه إن لم نقل إنه في وضع حيادي ملتبس، إنه في أغلب الأحيان يتوارى وراء الوازع الأخلاقي لرفض أعمال قد تكون صادمة في علاقتها مع الثوابت، سواء من خلال قذفها للجسد الطقوسي في بؤرة ضوء كاشفة، أو استعمالها للغة بذيئة وصفيقة، لكن من دون مساءلة هذه الاستعمالات شكلاً ومضموناً . والحال أنه من الواجب على كل متتبع للشأن المسرحي التفاعل مع الحساسيات الفنية الجديدة التي تؤثث الجسد المسرحي راهناً، عوض الاختباء وراء مقولات مثل أزمة النص الدرامي . وبعد ذلك، للناقد حق الاختيار في أن ينتصر لنمط معين من الفرجة عوض آخر .
بحكم تناسج الثقافات الفرجوية، فقد أصبح مسرح ما بعد الدراما هو أيضاً مكوناً من مكونات المسرح المغربي والعربي عامة . نلاحظ اسرار الفرجة المسرحية الراهنة كمثيلاتها على المستوى الكوني، للابتعاد عن الدراما الأرسطية تدريجياً، لمصلحة ممارسة مسرحية غير متجانسة ومتسمة بالتشذير، وهي التي تقيم القطيعة مع فكرة المسرح باعتباره تمثيلاً لحضور ما . في المقابل نلاحظ أيضاً أن جزءاً غير يسير من الجسد النقدي يقارب هذه الحساسيات الفرجوية - وهي ليست بالجديدة، بل امتداد طبيعي لموجة المسرح الطليعي الذي هيمن في النصف الثاني من القرن العشرين - بأعين مصوغة بثوابت المسرح الدرامي، مما سبب الكثير من سوء التفاهم . مقاربتنا لشعريات ما بعد الدراما تخضع لمراجعة جذرية وتقويم شامل للنموذج الهيجيلي المهيمن في المنظومة النقدية الغربية إلى حدود الستينات من القرن العشرين، مع الناقد الهنغاري بيتر سوندي كنموذج، وخاصة في كتابه الموسوم نظرية الدراما الحديثة الذي أثر بشكل لافت في الدراسات المسرحية الغربية، فالفهم الهيجيلي لتطور المسرح إلى حدود منتصف القرن العشرين هو في الواقع مقيد على المستوى المفاهيمي، باعتباره مبنياً على التقاطب بين الدراما الأرسطية من جهة والتوجه الملحمي من جهة ثانية . لا وجود لمسلك آخر غير المسلكين الدرامي والملحمي في هذا التصور .
لقد اعتبر هذا المنهج المسرح الملحمي البرشتي أهم انقلاب جمالي على التقاليد الدرامية التي هيمنت على الساحة المسرحية الغربية إلى حدود منتصف القرن العشرين، والحال أنه من وجهة نظر مسرح ما بعد الدراما، تعتبر ابتكارات برشت جزءاً لا يتجزأ من التقليد الدرامي . لذلك نعتقد أن سوندي لم يتمكن من رؤية ومقاربة الحساسيات المسرحية الأخرى الخارجة عن بنية تقاطب المسرح الدرامي في مقابل المسرح الملحمي . وحينما نروم الحديث عن سوندي، فإننا نعني موجة أو منظومة نقدية سيطرت على النقد الغربي سواء الأوروبي أو الأمريكي إلى حدود نهاية القرن العشرين .
يتميز مسرح ما بعد الدراما بخاصية أساسية، وهي عدم التركيز على النص الدرامي من حيث هو وسيط يوجه الحدث المسرحي . إنه فرجة مخطط لها ومفكر فيها بشكل تشاركي/تفاعلي . كما أنه مسرح غير أدبي، وهذا المنحى لا يلغي شعرية المنجز المسرحي بكل مكوناته . فهو مسرح تجريبي، وهذا جزء من أهدافه . فاستشراف التجريب من حيث الشكل والمضمون يهدف إلى خلخلة الطريقة التي نعيش من خلالها ونصنع الفرجة المسرحية، ولكن هذا لا يعني اطلاقاً أن المسرح قد تخلى عن النصوص الدرامية، أو أن إمكانية كتابة النصوص الدرامية لم تعد متاحة . إنه يحيلنا إلى عدم تبعية العناصر الأخرى التي تشكل عملية الإخراج والسينوغرافيا والأداء للنص الدرامي .
في هذا السياق، يجب أن نشير أن مسرح ما بعد الدراما هو أيضاً ممارسة سياسية من حيث هو البؤرة الثقافية الوحيدة المتبقية والتي تكشف الهوة الكامنة بين التجربة الشخصية والإدراك، حيث نواجه كمتفرجين - ولو لفترة وجيزة وهي مدة العرض - ذواتنا كوجود إنساني داخل مجتمع سريع التحول بفضل السيرورات الوسائطية الثاوية في عمق التبادلات المادية الرمزية المحيطة بنا . ولعل أبرز خصائص مسرح ما بعد الدراما التي تميز الموجة الجديدة من الإبداعات العربية هي: اللعب بكثافة العلامات المسرحية وتنوعها، انفجار البعد الحقيقي من خلال هيمنة الحضور على التمثيل، استفزاز السرد الأحادي والتطور الخطي للأحداث، وعودة بعض خصائص الاتجاه الطبيعي غير المعهودة في الأنساق الملحمية أو العبثية، أو حتى المسرح الشكلاني، التناص أو كتابة المحو على أنقاض كتابات أخرى سابقة .
إن تجربة المسرحي والسينمائي المغربي فوزي بن سعيدي في مسرحية قصة حب في 12 أغنية و3 وجبات وقبلة واحدة والتي بدا فيها تأثير اللغة السينمائية واضحاً، تحمل المواصفات السالفة الذكر . فمن خلال الاثنتي عشرة لوحة التي تشكل بنية العرض المسرحي حاول المخرج استشراف لغات مغايرة لتلك المعتادة، حتى في المسرح الطليعي الحديث، مطلقاً العنان لمجموعته الرائعة من الممثلات والممثلين، لارتجال خلاق وممنهج، قصد التعبير عن آمالهم ومآسيهم في عالم معولم وسريع التحول خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر . لقد نجح بن سعيدي إلى حد كبير في استنطاق جسد الممثل من حيث هو ذاكرة حية تختزن العديد من النصوص مفسحاً المجال لإبراز طاقات تعبيرية اسهمت الى حد كبير في إنجاح العرض . أمثل لهذا باستثمار صوت المغنية والممثلة الشابة سكينة الفضيلي في تحقيق حالات فنية اعتبرت من طرف الكثيرين لحظات قوية في المسرحية . أما فضاء الفرجة المسرحية، فبقي مفتوحاً على مرأى المتفرج طوال مدة العرض . فالإكسسوارات والأشياء الأخرى التي تم اعتمادها داخل الترتيب السينوغرافي كلها تبدو وكأنها ملقاة بطريقة عشوائية، رغم خضوعها لمنطق الفوضى المنظمة . كما أن الحوار يتميز بالتقطيع والتشذر ويمزج بين لغة الاستعمال اليومي ومقاطع شعرية وأغان .
لقد اعتمد بن سعيدي على الجمع بين عناصر تنتمي إلى حقل الطبيعية الموسعة (Hypernaturalism)، ومزجها بما هو حقيقي، واقحام أولويات أخرى احدثت تقويضاً للمفاهيم التقليدية للشخصية والدراماتورجيا على حد سواء . لذلك يصعب الحديث عن شخصية بعينها، بل فقط عن ظلال شخوص قذف بهم في فضاء لعبي يرفض التقاطب التقليدي بين الحضور والتمثيل، السينمائي والرمزي، الدال والمدلول . عالم يتجاوز حتى ما يسميه بيتر بروك ب المساحة الفارغة . الأهم في لعبة فوزي بن سعيدي المسرحية لا يكمن فقط في فعل تناسج وتجاور الأساليب والتقنيات، بل يكمن بصفة ملحوظة في إلغاء الشرط الدرامي للعرض، ذلك أن اللوحات المقدمة لا ترتبط بحبكة درامية بل بخيط رفيع يؤدي تواتره لاحداث تأثيرات قوية لدى المتفرج لحظة العرض . بهذا المعنى تحولت الخشبة إلى ورشة لاختبار الحدود الضيقة بين الأجناس والأنساق الدراماتوجية المعتادة، واستفزازاً لأفق انتظارات المتلقي .
كما أن تجربة الفنانين اللبنانيين ربيع مروة ولينا صانع تصب في صميم هذا الانفلات الذي ينعت أحياناً ب اللامسرح أو ضد مسرح، فمنذ 1997 حيث أعلن ربيع مروة في بيانه الشهير عن القطيعة مع تجربة الحكواتي رفقة روجي عساف، واتجه إلى صناعة فرجات مسرحية يصعب تصنيفها، نظراً لزئبقيتها ولعبيتها وهجنتها وانفلاتها من قبضة التصنيفات الجاهزة . أمثل لهذه التجربة الرائدة بعرض من يخاف التمثيل؟، إنتاج سنة 2005 . بنفس تقليصي يذكرنا بفن الأداء، اعتمد ربيع مروة خشبة شبه فارغة تحتوي فقط على كرسي، وكتاب، وشاشة، وكاميرتين، الأولى في خلفية الخشبة تصور تحركات لينا في مقدمة الخشبة، والثانية خلف الجمهور . تروي لينا صانع قصاصات من بعض أعنف وأروع عروض من الأداء الغربية وأكثرها دموية ومازوشية، مثل: مارينا ابراموفيك التي احدثت جرحاً في بطنها وهي ترسم نجمة أمام الجمهور، أوكريس بوردن وستيلاك، وردولف شفارزكوكلر، وآخرين .
يتميز كل هؤلاء بممارسة عنف حقيقي ومباشر، من دون ادعاء ووهم، على جسد الممثل حتى داخل المربع الفارغ لعالم المسرح . وفي الآن نفسه، يقوم ربيع مروة برواية قصة حسن مأمون منفذاً المجزرة الجماعية المعروفة في لبنان ب مجزرة الينسكو . من خلال المزج بين البث المباشر لحركات لينا من جهة والجمهور من جهة أخرى مع فروق دقيقة، وقراءة المقتطفات، وفي رواية حسن مأمون نجح العرض في تأزيم مفهوم التمثيل . لقد دفع العرض المتلقي للمقارنة بين العنف الرمزي الممارس في نماذج معينة من فن الأداء والعنف الدموي في بيروت، الأول سجل في تاريخ الفن المعاصر والذاكرة الإنسانية الجمعية، وارتقى أصحابه إلى طلائع الفنانين الكبار، أما الثاني فقد توارى مع توالي الأحداث ليقبع داخل ذاكرة النسيان . وفي هذا السياق يقول يوسف بزي في متابعته للعرض: إنه امتحان قاس لقدرة المسرح على الاحتمال . كأن يتحول العرض كله إلى شبه محاضرة . كما في عمله السابق البحث عن موظف مفقود . أو أن يصير الجمهور والعرض معاً تجهيزاً فنياً حياً، أو أن العرض نفسه ليس ناجزاً وليس للمشاهدة، بقدر ما هو مادة للتصوير أو هو نص للتدوين .
إننا إزاء تحرير الدراما من التجسيد، أما ماهية العرض، فهي الصدمة، أو بالأحرى هي الاختراق المقلق لحدود السياسي/ الأخلاقي/ الجمالي . بالعرض هو أن تمسك لينا بالكتاب الموضوع على الطاولة وتغمض عينيها ثم تفتحه على أي صفحة عشوائية فيطالعها اسم فنان ورقم الصفحة . ووفق رقم الصفحة يحدد ربيع مروة مدة الثواني المتاحة للينا أن تروي خلالها وراء الشاسة دائماً عمل ذاك الفنان .
إن مسرح ما بعد الدراما لا يشكل في حد ذاته نظرية جديدة في المسرح، ذلك لأنه لايزال موضع نقاش حتى في الأوساط الأوروبية وخاصة الإنجليزية والألمانية منها . حتى هانس ليمان، صاحب هذه التسمية، لم يطرحها على شكل نظرية جديدة في المسرح، بل فقط مجموعة خصائص ميزت الإبداع المسرحي الأوروبي والألماني بخاصة على امتداد العقدين الأخيرين من القرن العشرين . ولكنه، مع ذلك، أبرز خصائص طيف مسرحي طالما قيس بأدوات لا علاقة لها بالتحليل الطيفي . في السياق نفسه، أردت لفت الانتباه لأطياف مسرحية أضحت قوية الحضور في الوطن العربي، لكنها بحاجة إلى مطياف لقياسها بكشل دقيق .
#183; من أوراق الملتقى الفكري المصاحب
#183; للدورة الحادية والعشرين لأيام الشارقة المسرحية