اكتشف الإنسان الخصائص العلاجية للأعشاب منذ فجر الحضارة، ففي مصر وأرض ما بين النهرين والصين والهند سجلات قبل اختراع الكتابة تظهر التقاليد والأعراف، التي كانت سائدة في هذا المجال، أما في الغرب، فأول عمل يتحدث عن الأعشاب يتضمن قائمة يشرح خصائصها ما كتبه بالإغريقية في القرن الثالث قبل الميلاد ديوقليس من كاريستوس، ثم تلاه كراتيواس في القرن الأول الميلادي، غير أن الكتاب الذي اشتهر من التراث الإغريقي في هذا المجال، وهو الوحيد الذي وصل إلى الأجيال اللاحقة، هو «كتاب الحشائش» أو «كتاب ديوسقوريدس» في الأدوية المفردة. وعندما امتدت بلاد الإسلام وتوسعت، عثر التجار والرحالة على نباتات وأشجار وبذور وبهارات غريبة لم تكن معروفة لديهم ، فجمعوا عدداً كبيراً من العينات الخام وحملوها إلى بلدانهم مصحوبة بالمعرفة المتعلقة باستخدامها، مشط المسلمون العالم وخبروا بيئاته المختلفة، ووصلوا حتى منطقة السهوب في آسيا، وجبال البرانس في الجنوب الغربي لأوروبا. وساعدهم توافر الورق واستخدامه الواسع على تسجيل آثار رحلاتهم وملاحظاتهم.
وبفضل هذا الكم الهائل من المعطيات والمواد المقترنة بمعرفتهم الطبية العلمية، توافرت أدوية نباتية وتقليدية كثيرة، وكانت هذه الاكتشافات تعني أن معلومات هائلة قد أسفرت عن أعمال موسوعية انطلقت إلى العالم.
ألف ابن سمجون المتوفى سنة 1002 كتاباً بعنوان: «الجامع لأقوال القدامى والمحدثين من الأطباء والمتفلسفين في الأدوية المفردة» وصف فيها النباتات الطبية والأدوية المستخلصة منها، كما أن ابن سينا، في القرن الحادي عشر، ضمن كتابه «القانون» قائمة بمئة واثنتين وأربعين خاصية من خصائص العلاجات النباتية. تطور علم النبات، المتخصص في دراسة النباتات، جنباً إلى جنب مع تقدم المعرفة في الاستخدام الطبي للنباتات. وفي حين أن علماء كانوا يجمعون قوائم طويلة من النباتات في كتب مثل «كتاب النبات» لأبي حنيفة الدينوري الملقب بشيخ علماء النبات، كان آخرون مثل الرازي، عالم الطب في القرن العاشر، يستخدم نباتات اللحلاح دواء لعلاج النقرس.
وعندما أصبح علم النبات أكاديمياً، كانت الكيمياء تتقدم بسرعة، وساعد العاملان على دفع الطب النباتي إلى الأمام، واقترن ذلك بظهور آلات متطورة؛ لرفع المياه وتقنيات الري الجديدة في القرن العاشر، ما أدى إلى انتشار الحدائق التجريبية وزراعة الأعشاب.
كانت الأندلس نقطة انطلاق التطور، الذي عرفه علم النبات، ففي القرن الحادي عشر ظهر في طليطلة أولى الحدائق النباتية الملكية في أوروبا، وتبعتها إشبيلية، كانت هذه الحدائق في البداية للاستمتاع والمسرة؛ لكنها قامت في الوقت نفسه مقام المدارس التجريبية لأقلمة النباتات المستجلبة من الشرقين الأدنى والأوسط.
درس ابن البيطار في كتاب «النباتات ومنافعها» نحو ثلاثة آلاف نبتة مختلفة وعرض خصائصها الطبية.
كما يعد «كتاب الأدوية المفردة» لأبي جعفر الغافقي المتوفى عام 1165 من أفضل الكتب في طب الأعشاب، ويتميز بدقة استثنائية، أعاد نشره في مصر عام 1932 ماكس مايرهوف. وفي القرن العاشر كتب ابن جلجل بالأندلس تعليقاً على «كتاب الحشائش» لديوسقوريدس المذكور، وترجمه إلى العربية مرة أخرى مضيفاً مواد جديدة.