مع انتشار الإسلام واتساع رقعة الدولة الإسلامية، بعث الرسول صلى الله عليه وسلم علياً بن أبي طالب ومعاذاً بن جبل إلى اليمن للقضاء . واختبر صلى الله عليه وسلم معاذاً حين بعثه، فقال: بم تقضي إن عرض قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: أقضي بما قضى به الرسول، قال: فإن لم يكن فيما قضى به الرسول؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو (لا أقصر ولا أبطئ)، قال معاذ: فضرب صدري وقال صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفّق رسول الله لما يرضي رسول الله (رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي) .
وأذن صلى الله عليه وسلم لصفوة الصحابة الذين فهموا الإسلام روحاً وعقيدة وتطبيقاً بالفتيا والقضاء بين الناس، مستمدين الأحكام من الكتاب والسنة والاجتهاد، ونبغ منهم في هذا الشأن: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأم المؤمنين عائشة، وعبدالله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن عباس .
ولما تولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة، كان يرجع في كل أموره إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا تعذر عليه الفصل في المنازعة التي عرضت عليه، رجع إلى الشورى وأخذ بها بعد عرض الأمر على أهل العقد والحل . ووسّع عمر رضي الله عنه دائرة القضاء في كل الأمصار لتحقيق العدل بعيداً عن الولاية التنفيذية .
وإذا كان الدستور القضائي في الإسلام ينبع من الكتاب والسنة واجتهاد القاضي في نطاق علمه وعدله ووجدانه، فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يثبت هذا الدستور بالتوجه الحسن وشرح فلسفة القضاء ومفهومه وحدوده وآدابه، برسالته إلى أبي موسى الأشعري التي يقول فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبدالله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبدالله بن قيس أبي موسى الأشعري سلام عليك، أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له آس بين الناس بوجهك، وعدلك، ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك .
البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً . ولا يمنعنك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل .
الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله، وأشبهها بالحق فيما ترى، واجعل لمن ادعى حقاً غائباً أو بينة أمداً ينتهي إليه، فإن أحضر بينته أخذت له بحقه، وإلا استحللت عليه القضاء، فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى وأبلغ في العذر .
والمسلمون عدول في الشهادة بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب أو قرابة فإن الله تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم الشبهات بالبينات والأيمان .
وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عند الخصومات، فإن الحق في مواطن الحق ليعظم الله به الأجر، ويحسن به الذخر، فمن صحت نيته وأقبل على الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه، شانه الله وهتك ستره، وأبدى فعله، فما ظنك بثواب عند الله عز وجل في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام (راجع: صبح الأعشى) .
وكان المكان الذي يجتمع فيه القاضي بالخصوم يعرف باسم مجلس الحكم، وهو لا يعقد في بناء خاص أو محكمة كما في وقتنا الحاضر، وإنما غالبا ما كان يعقد في مسجد العاصمة الكبير، حيث إن المساجد وقتئذ لم تكن تقتصر على أداء الصلاة، وإنما أيضاً كانت مكاناً للفصل في أمور الناس، أو تعليمهم، كما كان القاضي في بعض الأحيان يفصل في أمور الناس وهو في داره، وكان مجلس الحكم يعقد علنا في أيام معدودة، ويتكون عادة من القاضي، والشهود العدول، والموقعين الذين يكتبون ما يدور في الجلسة، والحجاب الذين يدخلون المتخاصمين، وموظف خاص يقوم بتنفيذ ما يصدره القاضي من الأحكام يسمى صاحب الشرطة .
www.afbasha.com