رسم القرآن الكريم للمسلم صورة أخلاقية وسلوكية مثالية، وبنى شخصيته على قيم وأخلاقيات رفيعة، حتى يحظى برضا خالقه، وثقة كل المتعاملين معه، فتستقيم حياته، ويؤدي رسالته، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابة كل التجاوزات الأخلاقية عملا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
والقرآن الكريم في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راق ومتحضر، وسما بسلوكه فوق كل الصغائر، ورسم له حياة راقية تغلفها المعاني الإنسانية الرفيعة ليكون إنساناً سوياً، قادراً على التعايش والتعاون مع كل المحيطين به، مترفعا عن الصغائر، متجنبا للرذائل، مجسداً صورة زاهية لدينه، ملتزما في سلوكه وأخلاقه وتعاملاته مع الناس جميعاً بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه خالقه "وإنك لعلى خلق عظيم" .
كل من يتأمل بحر القرآن الواسع ومنظومته الأخلاقية يجد سياقاً قرآنياً يبرز كل معاني العفة التي تجسد في المسلم كل ما هو شريف وأخلاقي لينأى بنفسه عما يمس شرفه، أو يمس أعراض الآخرين، أو يسيء إلى سمعتهم، وعندما يلتزم أفراد المجتمع الإنساني بهذه الأخلاق الفاضلة فإن مجتمعهم يتطهر من الرذائل والفواحش التي تسيء للأخلاق وتمس الأعراض وتدنس الشرف .
والعفة تحمل معنى الحفظ والصيانة والبعد عن كل ما لا يليق من الأقوال أو الأعمال أو السلوك . . يقال: "رجل عفيف" أي حابس نفسه على ما هو حلال وجميل وأخلاقي، فهو ينزه نفسه عن كل حرام أو قبيح . . ويقال "امرأة عفيفة" أي: طاهرة نقية، تصون عرضها وشرفها وسمعتها عن كل شبهة أو سلوك متدن .
إذاً، العفة هي ترك الشهوات والبعد عن قبائح السلوك التي تدنس الشرف وتمس الكرامة، والتعفف يعني التنزه عن السؤال، وتتجسد في العفة كما يقول علماء الأخلاق فضائل كثيرة منها: الحياء، والصبر، والسخاء، والحرية، والقناعة، والدماثة، والوقار، والورع، ولذلك فإن كل من جاوز حد الاعتدال في مأكله ومشربه أو في فعله وسلوكه أو في إرضاء رغباته وشهواته لا يعتبر عفيفاً .
وقد قسّم بعض علماء الأخلاق العفة إلى نوعين أو قسمين هما:
- العفة عن المحارم: وتشمل كف اللسان عن الأعراض، وضبط الفرج عن الحرام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "أحب العفاف إلى الله عفاف الفرج والبطن"، ويتم التحكم في هذه الشهوة عن طريق غض الطرف وكبح جماح النفس، وترغيبها في الحلال، وإقناعها بالمباح، والله سبحانه ما حرّم شيئاً إلا وعوّض عنه بمباح من جنسه، والعاقل من حفظ دينه ومروءته بترك الحرام وكسب قوته في الحلال، وأيضاً إشعار نفسه بتقوى الله تعالى في أوامره وتجنب زواجره .
- العفة عن المآثم: وذلك بالكف عن المجاهرة بالظلم وزجر النفس عن الخيانة . وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قوله "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفة والغنى" . وأفضل ما يحرص عليه المسلم في الحياة أن يتمتع باللذات الطيبة في حدود الأخلاق غير متجاوز بذلك الحدود المشروعة لقوله تعالى: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة" .
فالعفة ليست القضاء على الشهوات والرغبات، وإنما الاعتلاء بها، وتهذيبها، وفرض رقابة العقل عليها .

ليس حرماناً

يقول د .إبراهيم محمد تركي، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة كفر الشيخ المصرية: المفهوم القرآني للعفة لا يعني أبدا الحرمان وقهر النفس بحرمانها من الطيبات والمباحات، حيث لا يهدف من وراء ذلك إلى الإعراض التام عن إرضاء الشهوات، وإنما يدعو إلى ضرورة تقنين هذا الإرضاء .
ويضيف: القرآن الكريم يحث على العفة في التعامل مع غريزة الجنس ويحرم كل وسيلة غير أخلاقية لقضاء هذه الشهوة، لكنه في الوقت نفسه يقدر هذه القوة الشهوانية داخل الإنسان ويحث على تلبيتها بالطرق الشرعية حتى يستريح الإنسان ويفكر وينتج ويوظف طاقاته للخير، والقرآن هو القائل عن هذه الغريزة: "زين للناس حب الشهوات من النساء . . ." فالغريزة الجنسية حاجة طبيعية ينبغي للإنسان تنظيمها وفق قواعد ومبادئ سامية تتمثل إما في الزواج الذي يعد معالجة عملية لمطالب النفس من شهوة النساء، حيث جسد الحق سبحانه عفة الرجال الذين يقضون شهواتهم في الحلال والمباح فقال: "والذين هم لفروجهم حافظون . إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين . فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون" .
وإما في التعفف والصبر وضبط النفس وصيانتها عن الشهوات، وهنا يبرز التوجيه النبوي الكريم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" .

حفظ العرض والكرامة

والعفة بكل صورها كما يقول الداعية الأزهري، د . سالم عبد الجليل، الوكيل السابق لوزارة الأوقاف المصرية مطلب قرآني واجب المسلم أن يحرص عليه ويلتزم به لكي ينال رضا خالقه ويحظى بأجره وثوابه، فالمسلم الحق حريص على حفظ دينه وعرضه وكرامته وشرفه، وهو مطالب في كل وقت أن يتجمل بالعفة حرصاً على نفسه وسمعته بين الناس أولا، وحرصاً على أعراض الناس وشرفهم وكرامتهم ثانيا، ولذلك وجّه الله عز وجل الذين لا يجدون نكاحاً إلى طريق العفة حتى يمنحهم سبحانه من فضله وبره ما يمكنهم من تبعات الزواج ومواجهة أعبائه والقدرة عليه، فقال سبحانه: "وليستعفف الّذين لا يجدون نكاحا حتّى يغنيهم اللّه من فضله" .
وهنا يجسد الحق سبحانه في كتابه الخالد سمة العفة كدلالة من أهم دلالات الإيمان والفلاح فيقول سبحانه وتعالى في صفات المؤمنين "والذين هم لفروجهم حافظون . . ." .
والخروج على العفة ظلم للنفس وإهانة لها حيث تجلب لها عدم العفة الإهانة وسوء المصير، وهذا المعنى واضح في المثل الرائع للعفة والطهارة الذي قدمه لنا القرآن في قصة يوسف مع امرأة العزيز حيث قدّم القرآن الكريم أنموذجاً لعفة المسلم وشرفه وطهارته ونقائه بيوسف عليه السلام حين قال: "وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون" .
وحرصا على الحرمات وحفاظا على أن تكون علاقات الرجال والنساء في كل مكان يلتقون فيه منضبطة بالسلوك الأخلاقي، جاء الأمر في القرآن الكريم بغض البصر باعتباره من الأخلاق الكريمة التي تقود الإنسان إلى العفة والاستقامة وتجنب الوقوع في الحرام فقال سبحانه وتعالى آمراً جميع المؤمنين والمؤمنات أن يغضوا من أبصارهم وأن يحافظوا على عفتهم وكرامتهم وعرضهم: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون . وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن"، وحذّر سبحانه وتعالى النساء من التبرج المخل بالعفة الذي يحض على الرذيلة فقال عز وجل "ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" .

"يحسبهم الجاهل أغنياء . ."

وكما تحدث القرآن حديثاً مستفيضاً عن صور عفة النفس عن الحرمات حرصا على الأعراض وحماية للمجتمع الإنساني من سفاهات وحماقات أصحاب الشهوات تحدث أيضاً عن عفة النفس عما في أيادي الناس من متع الحياة المادية، فالمسلم الذي جبل على حب المال متعفف عن سؤال الغير حتى عند حاجته وفقره، لأن الإسلام غرس في قلبه أصول القناعة والرضا والحرص على الكرامة وعفة النفس وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: "للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف تعرفهم بسيماهم لا يسألون النّاس إلحافا وما تنفقوا من خير فإنّ اللّه به عليم" .
هنا أمر إلهي واضح بأن نقدم زكاتنا وصدقاتنا لهؤلاء الفقراء الذين حصروا أنفسهم ووقفوها على الطاعات وعلى الجهاد في سبيل الله، والذين لم يستطيعوا الكسب بسبب مرضهم أو شيخوختهم، والذين من صفاتهم أنهم إذا نظر إليهم الجاهل بأحوالهم يظنهم أغنياء لشدة تعففهم عن سؤال غيرهم، ولكن صاحب الفراسة والنظرة الثاقبة السديدة بمجرد رؤيتهم يعرف أنهم في حاجة إلى العون والمساعدة، إذ إنهم يتعففون عن أن يطلبوا من أحد سوى خالقهم العون والمساعدة، وهكذا نجد الحق سبحانه وتعالى يمدح أصحاب تلك النفوس الطاهرة العفيفة التي تعتز بكرامتها الإنسانية وتتعفف عن سؤال الناس حتى إنه ليظنهم من لا فراسة عنده أغنياء .

عفة اللسان

يقول د .بركات دويدار، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: القرآن يلزم المسلم بأن يكون عفيف اللسان لا يسيء لأحد، ولا يظلم أحدا بلسانه، وقد خاطب الحق سبحانه المسلمين جميعا وعلى الأخص الذين يتولون تقويم سلوك الآخرين ووعظهم وتوجيههم من الدعاة وغيرهم بقوله في كتابه الكريم: "وقولوا للناس حسنا" وهذا يعني أن العفة التي نشر ثقافتها القرآن الكريم بين الناس تشمل القول أيضا والعفة في القول تفرض على المسلم ألا يتكلم إلا بالكلام الطيب الذي يرفعه عند الله والناس، قال تعالى: "وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد" وبيّن سبحانه أن العفة في القول بالكلام الطيب تجعله عند الله مرفوعا، موصول الثواب فقال: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه" .