قبل الزواج يكون الشاب مفعماً بالمشاعر الفياضة تجاه زوجة المستقبل، وتكون الفتاة أكثر انشغالاً بخطيبها . ويرسم كلا الطرفين صورة خيالية لعلاقته بصاحبه بعد الزواج، وفي بداية الحياة الزوجية تحرص الزوجة على التزين لزوجها، ومع مرور الوقت تزول الكلفة بينهما فتهمل زينتها، وغالباً ما يكون هذا الإهمال مقتصراً على وجودها في البيت، بينما تحرص على الزينة عند زيارة صديقاتها أو قريباتها أو عند خروجها من البيت للعمل أو لقضاء أية مصلحة .
التزين الذي يريده الإسلام من الزوجة لتسعد زوجها ليس واجباً عليها وحدها، بل وعلى الزوج أيضاً أن يتزين لزوجته، فكما يشكو الرجل تحول من تحول زوجته بعد الزواج إلى كائن غريب، مختلف تماماً عن تلك الأنثى التي كانت حين تزوجها، فإن الكثير من الزوجات لا يرضين عن عدم تجمل الزوج لهن داخل عش الزوجية، فالزوج الذي يرتدي أفخر الثياب ويبدو أنيقا يضع أفخم العطور حين يخرج من بيته يجلس في البيت من دون أن يراعي مشاعر زوجته ورغبتها في أن تراه كما كان أيام الخطبة .
في البداية تؤكد الدكتورة عفاف النجار، أستاذة الشريعة الإسلامية في كلية الدراسات العربية والإسلامية للبنات بجامعة الأزهر، أن الحياة الزوجية تفاعل بين من جمعهما الله على السكن والرحمة والمودة، ولذلك دائماً ننصح الزوجين بالتزين، ليرى كل منهما من الآخر ما يشرح الصدر، وبالكلام الطيب الذي يجذبه إليه ولا ينفره منه، ولذلك دعا الإسلام الزوجة إلى ضرورة التزين للزوج، كما دعا الزوج إلى أن يتجمل لزوجته حتى لا تنفر منه .
اعتقاد خاطئ
وتضيف: إن الاعتقاد بأن الزينة واجب على المرأة وحدها اعتقاد خاطئ ويخالف شرع الله الذي جعل للمرأة من الحقوق مثل الذي عليها من الواجبات حين قال تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وهذا معناه أنه إذا كانت الزوجة تتزين لزوجها، فلها أن تراه في صورة حسنة وتشم منه رائحة ذكية .
والرسول عليه الصلاة والسلام كان أسبق الناس للتزين لزوجاته كما تقول الدكتورة عفاف النجار وقد قال صلى الله عليه وسلم: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي . وكان أول ما يفعله عند دخوله البيت استخدام السواك، كما أنه نهى عن أكل ما فيه رائحة مكروهة, وعن ابن عباس رضي الله عنهما إني أتزين لزوجتي كما تتزين لي، وعندما دخل على عمر بن الخطاب رضى الله عنه رجل أشعث أغبر ومعه زوجته تقول: يا أمير المؤمنين لا أريد هذا الرجل، أمره عمر بالاستحمام وتهذيب شعره وتقليم أظفاره، ففعل الزوج، فلما رأته الزوجة رجعت عن طلبها فقال سيدنا عمر: هكذا فاصنعوا لهن، فوالله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن كما تحبون أن يتزين لكم .
لمسات بسيطة
الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق يرى أنه ليس مطلوبا من الزوجة أن تقضي معظم يومها أمام المرآة لتتزين لزوجها، فأساس الزينة المحافظة على النظافة مع لمسات بسيطة تعرفها كل امرأة، ويقول: تزينك لزوجك حق له وواجب عليك حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته . وقديماً قالت امامة بنت الحارث في وصيتها المشهورة لابنتها قبل زفافها: التفقد لموضع أنفه، والتعهد لموضع عينه، فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، وإن الكحل أحسن الموجود، والماء أطيب الطيب المفقود'', ولا يعني التزين للزوج إرهاقه ماديًا بشراء المزيد من وسائل الزينة .
ويرى الدكتور واصل أنه يمكن للزوج أن يلعب دوراً مهماً في حرص زوجته على الزينة أو إهمالها لها، فقد يتجاهل زينتها أو يكثر من انتقاده لها فيحبطها، وقد يتجاهل زينة نفسه، ومثل هذا الزوج ينسى هدي النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة . وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض . والترجيل تمشيط الشعر واللحية .
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان له شعر فليكرمه .
ويشير الدكتور واصل إلى أن بعض النساء يهملن زينتهن حيث يعتقدن أن الخطوبة والأيام أو السنوات الأولى من الزواج هي فترة التجمل والتزين، غافلات عن أن الزينة من حسن التبعل للزوج، فهذه أم سليم رضي الله عنها تتزين لزوجها في يوم عصيب، فعن أنس رضي الله عنه قال: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أحدثه، قال: فجاء فقربت إليه عشاء فأكل وشرب ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها . فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لكما في غابر ليلتكما .
وعلى الجانب الآخر يؤكد الدكتور واصل أن نظافة الزوج وتزينه لزوجته من المعاشرة بالمعروف التي أمر بها المولى عز وجل الرجال للنساء، ولذلك أجازت الشريعة الإسلامية للزوجة التي تتضرر من عدم نظافة زوجها أن تمتنع عنه إن كانت ما تشمه من رائحة غير محتمل عندها ولا تعد عاصية أو ناشزا حينئذ، وقد قال الفقهاء إن الزوجة لو امتنعت عن الجماع لوجود شيء يضرها وتأذت به تأذياً لا يحتمل عادة لم تعد ناشزا، وواجب الزوج أن يعالج نفسه إن كان به مرض، أو يعتني بنفسه إن كان سببه الإهمال، فكما يريد الزوج من زوجته النظافة والتجمل، تريد الزوجة من زوجها النظافة والتجمل، فقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها لإحدى النساء إن كان لك زوج فاستطعت أن تنتزعي مقلتيك فتصنعينهما أحسن مما هما فافعلي، ويقابل هذا مثله للزوجة على الزوج .
وقفة محاسبة
ويقول الدكتور عادل مدني أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر: ينبغي على الزوجة أن تقف مع نفسها وقفة محاسبة، تعرف بها أين هي من حاجة زوجها في أن يراها من أجمل النساء وهذا حقه .
وعلى كل زوجة أن تسأل نفسها كيف تكون أنيقة وجذابة في عين زوجها، فالمظهر له أثر كبير في خلق السعادة والمرح في البيت وعليها أن تجدد مظهرها وملبسها، كي يراها امرأة مختلفة وجذابة كل يوم .
ويرى الدكتور عادل أن الزوجة التي تتضرر من عدم نظافة زوجها عليها أن تتعامل معه بالرفق واللين من دون حرج أو تجريح، في محاولة إقناعه بالاستحمام وتغيير ملابسه وغسل أسنانه، مع التأكيد له دوماً أنها تحب أن تراه في أجمل صورة وأطيب رائحة، ولا بأس في أن تشتري له المنظفات والعطور، وكذلك على الزوجة في هذه الحالة أن تحرص على أن تكون نظيفة ورائحتها طيبة فتشجعه على أن يكون مثلها .
وينبه د . عادل مدني إلى حقيقة علمية مهمة مفادها أن عدم اهتمام الزوجة أو الزوج بالنظافة يبدد الرغبة ويخلق التنافر والاشمئزاز .