ما وصلنا من حِكم عبر الأجيال لا شك في أنه تقطر من خبرات بشرية باهظة، تماماً كما أن النحل يقطع آلاف الأميال من أجل ملعقة عسل أو أن باقات من الأزهار تنتهي إلى خلاصة من العطر قد لا تملأ زجاجة صغيرة .
ولم تكن تلك الحِكم لمجرد التسلية، لكن التعامل معها بمعزل عن دلالاتها وتأويلاتها يحرمنا أهم ما فيها .
حكمة المسامير واحدة من تلك الحكم، فقد طلب أب من ابنه ذات يوم أن يدق مسماراً في الحائط كلما شعر بأنه غاضب ومتوتر أو أنه ألحق أذى بأحد الناس بسبب انفعاله، وبعد فترة ملأت المسامير الحائط بحيث لم يبق متسع لواحد جديد، أو بمعنى أدق لخطأ جديد، ثم طلب الأب الحكيم من ابنه أن يخلع مسماراً واحداً من تلك المسامير كلما استطاع أن يتجاوز انفعاله ويضبط نفسه ولسانه، بحيث يسلم الآخرون من أذاه، وبذل الابن جهداً ووقتاً وهو يخلع المسامير واحداً بعد الآخر، لكن وفق تلك الوصية أو المعادلة التي طالبه بها الأب بأن يخلع مسماراً كاعتذار عما فعل، وعندما انتهى من خلع المسامير ظن أن المسألة قد انتهت، وأنه قام بما عليه أن يقوم به أخلاقياً، لكن الأب الطاعن في التجربة والحكمة أخذ الابن من يده إلى ذلك الحائط الذي أصبح مملوءاً بالثقوب، ومشهده لا يسر الزائرين، وطلب الأب من ابنه أن يسمل تلك الثقوب بحيث يعود الحائط سليماً كما كان، وحين تجرأ الابن على سؤال أبيه عن السبب، أجابه، وهو يبتسم بأن ما أحدثه من أذى لدى الآخرين هو أشبه بهذه الثقوب، لكنها في حالته ليست مجرد مسامير في الطين والحجر، إنها مسامير في وجدان وقلوب البشر، ونحن نزرع أو نخلع المسامير في كل مكان وننسى أننا أحياناً ندقها في لحم الإنسان، ونادراً ما نجد من ينبهنا إلى خلعها، ومن ثم تضميد الثقب المزمن الذي احدثته في القلب . قد يكون المسمار من أقل الأشياء التي نستخدمها في حياتنا اليومية قيمة، لكن ما ظفر به هذا الجسم المعدني الضئيل من الدلالات أكثر بأضعاف من حجمه أو حتى وظيفته، وحين يقال دق المسمار الأخير في نعش هذا الطاغية أو ذلك الجائر فإن هذا المسمار هو بمثابة التوقيع النهائي على نهاية غير سعيدة على الإطلاق، وهناك مثل صيني قديم يقول إن للمسمار رأساً لكن ليس ليفكر به، بل لكي يدق من خلاله . لهذا على المسامير أن تحافظ على رؤوسها كي تقيها من الرمي في القمامة، والمسامير ليست متساوية في نهاية الأمر، فالمسمار الذي تعلق عليه صورة راحل عزيز أو لوحة لفان غوغ، ليس كالمسمار الذي يُدفن في حذاء أو تدق به النعوش، ومسمار هذه النعوش ليس محظوظاً كالمسمار الذي يدق في آلة موسيقية أو مهد طفل ولد للتو .
والعرب الذين جعلوا للقشة وهي أخف وأكثر هشاشة من أي شيء عابر من استكمال الحمولة بحيث تقصم ظهر البعير، لم يبعدوا كثيراً عن الصينيين وحكمتهم المسمارية، فالشعوب لا تتناقل عبر أجيالها أمثالاً عقيمة أو لمجرد التسلية بالحكايات، لكن ليس وراء كل مسمار لوحة عظيمة، كما أن هناك أكواماً من القش لا تقصم ظهر فراشة أو عصفور .