الحج جهاد للرجال والنساء».. هكذا وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدد من الأحاديث النبوية، وبعض ضيوف الرحمن يسعون إلى الراحة والرفاهية في الحج.. والبعض الآخر يشق على نفسه ويحمل بدنه فوق طاقته، اعتقاداً أن زيادة المشقة في الحج تضاعف الأجر والثواب.. فهل يجني هؤلاء الذين يكلفون أنفسهم أكثر مما يطيقون في أداء المناسك أجراً وثواباً مضاعفاً فوق أجر الحج وثوابه؟ وما الذي ينبغي أن يحرص عليه الحاج وهو يؤدي مناسكه، حتى يكون حجه مبروراً وذنبه مغفوراً إن شاء الله؟
يؤكد العالم الأزهري د. نصر فريد واصل، عضو هيئة كبار العلماء ومفتي مصر الأسبق، أن كل عبادات الإسلام من صلاة وصيام وحج تقوم على التيسير، فالله سبحانه وتعالى وهو الرحيم بعباده لا يكلف نفساً إلا وسعها.. ويقول: هكذا وجهنا الخالق عز وجل في أمور حياتنا كلها وفي عباداتنا، خاصة أن الإسلام دين يسر ورحمة، فلا يجوز للمسلم أن يحمل نفسه أكثر من طاقتها في أداء أية عبادة، أو في أي أمر من أمور الحياة، ولذلك فإن المشقة المصطنعة في الحج لا فائدة منها، فالله سبحانه وتعالى عليم خبير بما تكنه النفوس.. والمهم هنا هو الإخلاص في العبادة، ودون هذا الإخلاص لن يجني أحد عطاء عبادة حتى ولو عانى في أدائها كل المشقات.
جهد ضائع
ويضيف: ينبغي على المسلم أن يؤدي مناسك الحج على قدر استطاعته، فلا يعرض نفسه لمشقة أو تهلكة، ويخلص النية لله، ولو فرضت الظروف على أحد من ضيوف الرحمن أن يكافح ويجاهد، ويبذل جهدا كبيرا لتحصيل طاعة، فأجره وثوابه مضاعف إن شاء الله.. لكن الذين يعرضون حياتهم للخطر في رمي الجمرات، وفي الصعود على جبل الرحمة في عرفات، والذين يتركون السيارات المخصصة لنقلهم بين المشاعر، ويسيرون على الأقدام من دون حاجة لذلك، يخالفون ما أمر الله به، وما وجهنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالإسلام في كل عباداته ومعاملاته يقوم على اليسر ورفع الحرج.. ولذلك نقول لكل حاج: لا تكلف نفسك فوق طاقتها في المال أو الجهد البدني، واحرص على راحة غيرك، كما تحرص على راحة نفسك، وعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، ونذكر كل ضيوف الرحمن بقول الحق سبحانه: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»، وبالتالي لا يجوز لأحد أن يعرض حياته للهلاك بالصعود إلى قمم الجبال، أو مدافعة ضيوف الرحمن في رمي الجمرات، أو الإفاضة من عرفات، أو السعي، أو الطواف.
عنت لا يفيد
د. عبد الرحمن العدوي، عضو هيئة كبار العلماء وأستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر يتفق مع د. واصل في أنه لا فائدة من عنت يلحقه الإنسان بنفسه في أداء عبادة، فالله سبحانه وتعالى يحب المخلصين الصادقين في أداء عباداتهم، أكثر من المتكلفين الذين يشقون على أنفسهم دون داعٍ.
ويضيف: ننصح هؤلاء الذين يحملون أنفسهم فوق طاقتهم، والذين يحرصون على أداء سنن تعرضهم لمخاطر كثيرة بالكف عن ذلك، فالمشقة المصطنعة لا تضيف أجراً وثواباً جديداً للحاج، فالله سبحانه وتعالى لا يلزم الإنسان بأمر فوق طاقته «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت»، وهو عز وجل يريد بعباده اليسر، ولا يريد لهم العسر والمشقة، ومن مظاهر رحمته بعباده أنه لم يكلفهم بما لا يطيقون، حيث يقول سبحانه: «ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج»، ويقول: «يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا».. ومن هنا لا ينبغي على الحاج أن يكلف نفسه فوق طاقتها. ويوضح د. العدوي أن هناك سنناً ومستحبات فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حرص عليها صحابته اقتداء به، وهي أمور تجلب لمن يفعلها الأجر والثواب إذا كان قادرا عليها بشرط ألا يعرض نفسه أو الآخرين للخطر، وعندما أدى رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وأدى بعض الأمور المستحبة وقال «خذوا عني مناسككم»، لم يكن في الأماكن المقدسة هذا العدد الكبير من ضيوف الرحمن، ولم يكن هناك زحام كالذي نراه اليوم، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيش بيننا اليوم، ويشاهد هذا الزحام الشديد في الحج لنهى عن كثير من الأمور غير الواجبة التي يفعلها بعض الحجاج.
أركان وسنن
ويؤكد أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر على ضرورة حرص الحاج على أداء الأركان الأساسية للفريضة، وأن يلتزم بالواجبات.. أما السنن والمستحبات وهي معروفة وموضحة في الكتيبات التي يحملها ضيوف الرحمن، فالإنسان يفعل منها ما يستطيع وما تسمح به الظروف.. ونظراً للمخاطر التي تصاحب أداء الفريضة نتيجة الزحام الشديد في مناطق المشاعر، فعلى ضيوف الرحمن تجنب الزحام في رمي الجمرات، وأن يأخذوا بآراء العلماء والفقهاء الذين قالوا بالرمي طوال ساعات الليل والنهار، وأيضا في الطواف حول الكعبة ليس مطلوبا من المسلم أن يقبل الحجر الأسود، وحرص البعض على ذلك يعرضه ويعرض الآخرين لمخاطر، وليس مطلوبا من المسلم أن يصعد الجبل المعروف ب«جبل الرحمة» في عرفات، فعرفات كله موقف ولا فضل فيه لمكان على آخر.
وليس مطلوبا من المسلم أن يبيت في مزدلفة بل المطلوب منه أن يمر عليها ويجمع منها الحصوات التي سيرمي بها الجمرات.. ويجوز لكبار السن والمرضى أن يغادروا منطقة منى أيام التشريق ويبيتوا في مكة، أو ضواحيها حرصا على سلامتهم.. وهذه مجرد إشارات للأمور التي يجوز للحاج أن يتخلى عنها من دون أن يؤثر ذلك في صحة حجه، ولا في أجره وثوابه.
«افعل ولا حرج»
د. مجدي عاشور أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، يؤكد أن عبادات الإسلام جميعها تقوم على التيسير، وهناك قاعدة شرعية ذهبية تقول (المشقة تجلب التيسير)، ولَمّا كان الحج من العبادات البدنية التي تشتمل على مشقة كبيرة فقد جعل الشرع مبنى أمره على التخفيف والتيسير، وقد أصَّل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه القاعدة عندما جاءه رجل في حجة الوداع بمنى وقال له: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: «اذبح ولا حرج»، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: «ارم ولا حرج»، فما سُئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلا قال: «افعل ولا حرج».
ويضيف أمين الفتوى بالإفتاء المصرية: مناسك الحج قسمان: منها أمور أجمع عليها المسلمون لا يجوز الخروج عنها، ومنها مسائل اختلف فيها الأئمة الفقهاء، وهذه المسائل الخلافية ينبغي التخفيف بها على المسلمين، إذ من القواعد المقررة في التعامل مع المسائل الخلافية شرعا أنه يجوز الأخذ بقول أي من المجتهدين في مسائل الخلاف، خاصة إذا كان ذلك موافقا للمصلحة ومحققا للتيسير والتخفيف، وأن «الخروج من الخلاف مستحب، حيث أمكن ذلك ولا معارض»، وقد تقرر أن حفظ النفس من مقاصد الشرع الكلية المقدمة على غيرها من المقاصد، وأن الالتزام في الخلافيات بقول بعض المجتهدين - ولو كانوا جمهور الفقهاء - مشروط بألا يكون على حساب حفظ النفوس، وإلا فالأخذ بقول المرخصين والميسرين من الفقهاء يصبح واجبا، ويظهر ذلك جليا في الحج ومناسكه، درءاً لما يحدث من حالات الإصابات والوفيات الناتجة عن تزاحم الحجاج في أوقات واحدة على مناسك معينة، وليس من الفقه، ولا من الحكمة تطبيق شيء مستحب أو مختلف فيه على حساب أرواح الناس.