يتبادر إلى ذهنك أن المشيئة والإرادة بمعنى واحد، لأنك تقول في تعبيراتك: ما شئت أن أرد طلبه، وتقول: ما أردت أن أرد طلبه، لكن في الحقيقة أن بينهما فرقاً .
- ففي كتب اللغة كالمصباح المنير وغيره ترد كلمة المشيئة بمعنى الإرادة، وترد الإرادة بمعنى المشيئة، ولكن عندما تتتبع استخدامات اللفظين، تجد أن المشيئة فيها معنى الإيجاد، والإرادة طلب الشيء، والإرادة أعم من المشيئة . (انظر تاج العروس للزبيدي، والكليات للكفوي) .
- وتجد أيضاً أن صفتي المشيئة والإرادة مشتركتان بين الله جل جلاله وبين العبد، إلا أن مشيئة العبد لا تتحقق إلا إذا شاء الله تعالى .
- والمشيئة يفهم منها أن الإنسان مسير فيها، بخلاف الإرادة التي تحمل معنى الرضا والاختيار، لذلك فإن النية وهي القصد مع اقترانه بالفعل، تعد من الإرادة .
- ونقرأ في منهاج السنة لابن تيمية، وفي شفاء العليل لابن القيم رحمهما الله تعالى تعليلات جميلة حول الفرق بين المشيئة والإرادة، إذ هما يقسمان الإرادة إلى كونية وشرعية، فالإرادة الكونية تكون مرادفة للمشيئة، لذلك فإن كفر الكافر لا يقع إلا بمشيئة الله عز وجل أي بإرادته، لكن مع ذلك فإن كفره غير محبوب إلى الله تعالى .
وإلى مثل هذا المفهوم أشارت الآية الكريمة التي تقول: ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (الآية رقم 253 من سورة البقرة .
- أما الإرادة الشرعية فتكون بمعنى المحبة، لذلك فإن الله تعالى أراد إسلام أبي بكر رضي الله تعالى عنه قدراً وشرعاً، لكنه لم يرد إسلام أبي لهب ديناً وشرعاً، ولم يرد هنا بمعنى لم يحب .
- ومن هنا فإن تقسيم الإرادة إلى كونية قدرية، وشرعية دينية، تقسيم معقول، وأما المشيئة فكونية قدرية فقط، بمعنى أنها مرتبطة بالله تعالى وحده، والعبد مسيّر فيها .
- انظر إلى قوله تعالى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها (الآية رقم 16 من سورة الإسراء)، ويقول أيضاً: إن ربك فعّال لما يريد .
إذا لاحظت تجد أنك لا ترى في هاتين الآيتين معنى المحبة والرضا، بل الإيجاد والجزم، فقوله تعالى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أي إذا شئنا وقدّرنا ذلك في كوننا .
- أما الكونية الشرعية فتلاحظها في مثل قوله تعالى: والله يريد أن يتوب عليكم . . . (الآية رقم 27 من سورة النساء) .
وفي قوله تعالى: . . . يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر . . . (الآية رقم 185 من سورة البقرة) .
ولا يصح هنا أن يقال: إن يريد بمعنى يشاء الكونية القدرية، لأن الإرادة هنا بمعنى الرضا والرغبة والارتياح .
- والإرادة عند الفقهاء لا تعتبر صحيحة إلا إذا صدرت عن ذي أهلية، بخلاف الصغير والمجنون والسفيه والمفلس، فإن إرادتهم لا اعتبار لها .
- وعن المشيئة قال جمهور الفقهاء إن الطلاق المعلق على مشيئة الله تعالى أو مشيئة من لا يعلم مشيئته كالملائكة والجن لا يقع .
فلو قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله لم يقع طلاقها، لأن مشيئة الله تعالى لا يطلع عليها أحد، (انظر حاشية ابن عابدين ج2 ص 513 - 514 ومغني المحتاج ج3 ص302 و325 والمغني لابن قدامة ج7 ص216) .