افتتح مؤخرا في غاليري كوادرو في مبنى قرية البوابة في مركز دبي المالي العالمي معرض (الخط العربي المشْق) . وقد سبق افتتاح الدورة الأولى لهذا المهرجان قبل عام بعنوان البسملة . شارك في المعرض 14 خطاطاً يمثلون أكثر من دولة عربية وإسلامية وبلغت اللوحات المعروضة 39 تمثل نماذج خطية غلب عليها نوعا الثلث والنسخ وذلك يعود إلى نشأة هذا الخط، حيث كان التلميذ يهيأ نفسيا أثناء تعلمه لخط المشق، ومن بعده يتعلم خطوط أخرى كالنستعليق والتعليق الجلي، كما يصبح قادرا على ممارسة جميع أنواع الخطوط بكل سهولة ويسر .
اشتملت المشاركات على خطوط الديواني والرقعة والكوفي والثلث والديواني وغيرها، ومعظم المشاركات تجسد نماذج مستوحاة من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة والنصوص الشعرية .
الخطاطون المشاركون هم: احسان أحمدي، وتاج السر حسن، واحمد فارس رزق، وشيرين عبد الصابر، وصباح الاربيلي، ومحفوظ ذنون العبيدي، ووسام شوكت، ومحمد علان، والتركي نور الله أوزدم، ومحمد مندي، وفاطمة سعيد البقالي، ونورية غارسيا ماسيب، ومحمد علي زاهد، وعمر الجمني .
وفي ما يلي قراءة في المعرض تبرز القواعد والأسس التي تحكم خط المشْق الذي يتصف بدقة وهندسة حروفية، هذه القواعد التي تحكم العلاقة بين التلميذ والأستاذ، ومن أساسيات خط المشق أن يبدأ التلميذ بتعلم الحروف المفردات، حيث الحرف جذر مبدئي وباستمرار تمارين التلميذ عليه يدخل مرحلة كتابة السطور وبناء التراكيب، وتعزى أهمية كتابة الحروف المفردات إلى ان التلميذ يتعرف بها إلى تشريح الحروف ومكوناتها وأوجه الشبه بين أجزائها واستخلاص سماتها الأولية وأسماء مكوناتها .
وقد اعتاد الأساتذة في تعليم تلاميذهم ان تكون الكتابة على السطر، وهنا يتعرف التلاميذ إلى استقامة أداء اليد، وأن تكون الحروف خالية من الحركات الإعرابية .
وللمشق شروط خاصة، منها ان يكتب التلميذ واجبه المطلوب من دون تصحيح أو مسح أو حك، حفاظا على (بكورة) الحرف، وهنا يتعرف الأستاذ إلى مراحل تعلم تلميذه ونقاط البداية والنهاية، وأماكن توقف جريان الحبر، ونقاط استئناف الكتابة، وهذا يسد الطريق أمام التلميذ اذا ما حاول (شفّ) عمل أستاذه، وبهذا المنهج يبقى التلميذ ضمن نقاط تعليم واحد ونمط واحد، تحيط به توجيهات أستاذه، وذلك على النقيض مما لو كان التلميذ درس على أعمال لخطاطين سابقين .
لقد جرت العادة ان يقوم التلميذ بالاحتفاظ بالمشق الذي أعدّه وعليه تصحيحات أستاذه، لتكون مرجعا له، وتشكل فرصة لعقد المقارنة بين أمشاقه على مدى زمن تمارينه التي غالبا ما تكون مؤرخة .
وبهذا المعنى فإن المشق، بحسب اجماع الخطاطين المشاركين في المعرض هو التمرين أو درس التلميذ مع أستاذه أو ما يكتبه الأستاذ الخطاط لتلميذه المتدرب، مبينا كيفية بداية تشكيل الحروف وزوايا مساقطها وبنائها، وهو بعبارة أخرى تهيئة لعمل مخطوط أو لوحة، وهذه التهيئة تشمل تحضير الأحبار والأدوات من ورق وأقلام وكذلك التهيئة النفسية، تمهيدا لكتابة القرآن الكريم أو جزء منه على سبيل المثال، وهنا يباشر عمله الاحترافي، وما يميز المشق أنه عمل فني مباشر وتلقائي تتبع فيه قواعد وزنية خطية، وهو يجسد نفس وروح الفنان، إذا ما قورنت لوحة المشق بلوحة خطية أخرى فيها الكثير من الصنعة .
وقد اعتز التلاميذ على الدوام بأمشاق أساتذتهم، وقدروها حق قدرها، وذهّبوا حواشيها، تكريما لأعمال معلميهم، ثم أصبحت فيما بعد مراجع اشتملت على نوع الخط من ألفه إلى يائه، وكلها مشفوعة بالأوزان (المقياس التاريخي المعتد لخط المشق) .
يتفق معظم الخطاطين على أن وجود أمشاق لنخبة مميزة من كبار الخطاطين، مثل محمد شوقي أفندي ومحمد عزت أفندي ومصطفى حليم، يمثل (عدسات مقربة) لنماذج كتبت على أتم قواعدها، في أوقات سابقة، أصبحت زاداً لأجيال لاحقة من الخطاطين في أرجاء العالم المختلفة .
ولتأكيد المدلول فان كلمة مشق لدى الخطاطين العثمانيين تعني التلمذة، وتشمل الجانب العلمي والتقني من تعلم الخطاطة، والحروف بحسب التقاليد العثمانية تسمى مشق تبعا لخلوها من التشابك أو التقاطع وتندرج تحت مسمى تكوين الذي هو أصعب من التسويد أي الكتابة على السطر، حيث التسويد اصطلاحا يعني المراجعة والمذاكرة والتجربة التي يمارسها الأستاذ على نفسه .
ويعود أقرب تاريخ لوجود نماذج متنوعة من (المشق) بحسب الخطاط تاج السر حسن إلى الفترة العثمانية حوالي 600 عام، حيث هناك الكثير من النصوص القرآنية التي حفظها الخطاطون وتلامذتهم وتشكل مرجعاً مهماً لخطاطي اليوم .
ويؤكد تاج السر أن هذه الآثار الخطية للخطاطين الأقدمين تعتبر اليوم من أهم القطع التي تباع في المزادات، ويشار إلى التركي حمدالله الأماسي باعتباره واحدا من أقدم الخطاطين الذين تركوا تراثا يمكن الرجوع إليه .
ويشار إلى الخطاط الأماسي الذي يعتبر مدرسة في فن وكتابة الخط، وهو أول من نقل الخط العربي إلى الأتراك، ويطلق عليه المعلم الأول للخطاطين الأتراك، وله يرجع تطوير أدوات الكتابة في ما يخص الأقلام الستة التي عرفت في زمن ياقوت المستعصمي، وبفضله ولد جيل من الخطاطين، الذين ابدعوا في الدقة والجودة وضبط الحروف .
يقول تاج السر ان هذه الأعمال التلقائية تجسد حالة الخطاط ما بين لحظتي الوعي واللاوعي وهي بمثابة مرجع لدراسة أحوال الخطاط وتطوره، بالتوازي مع تقدمه في العمر، وأصبحت هناك نماذج من المشق التي تعرض في المزادات، ويهدف المعرض الحالي إلى تشجيع الخطاط على إنجاز أعمال فنية كبيرة تتجاوز ما كان معمولا به في السابق من استخدام حروف وعبارات قليلة .
وتاج السر حسن هو الخطاط الوحيد الذي شارك في كتابة قصائد مكتملة من خلال أربع لوحات كل واحدة منها تمثل قصيدة من عيون الشعر العربي، الاولى هي: لامية العرب للشنفرى التي تبدأ بالبيت:
أقيموا بني أمي صدور مطيّكم، فإني إلى قوم سواكم لأميل وفيها استخدم خط النسخ المنقط بحجمين الاول 2 مم والثاني 3 مم، والقصيدة من وجهة نظره، تبرز كل المعاني الجميلة لخط المشق، أما القصيدة الثانية فهي ليزيد ابن معاوية التي مطلعها:
(نالت على يدها ما لم تنله يدي نقشاً على معصم أوهت به جلَدي)، وكتبها بالخط الديواني، والثالثة للمتنبي وكتبها بالخط الكوفي وهي مؤلفة من عشرة أبيات مطلعها:
(صحب الناس قبلنا ذا الزمانا وعناهم من شأنه ما عنانا) .
اما الرابعة فهي القصيدة الشهيرة باسم الزينبية وتتألف من 47 بيتا للشاعر صالح بن عبد القدوس الذي عاش في زمن الخليفة المنصور، وينسبها كثيرون إلى علي ابن أبي طالب، وكتبها تاج السر بالخط النسخ، ومطلعها يقول: (صرمت حبالك بعد وَصْلٍ زينب والدهر فيه تصرم وتقلب)
وقد استخدم في القصيدة قياسين 1 مم، و7 مم لبيتين يتضمنان الكثير من القيم الأخلاقية هما:
(فعليك تقوى الله فالزمها تفز إن التقيّ هو البهي الأهيب)
(واعمل بطاعته فنلْ منه الرضى إن المطيع له لديه مقرب) .
وشاركت فاطمة سعيد البقالي بثلاث لوحات مستخدمة خط النسخ والثلث، وترسيخا لمفهوم النقطة في الخط، مثلت لوحتها الأولى تدريباً على النص الشريف العلم عبادة، والنقطة بحسب ما تؤكد البقالي هي أساس العلوم، وهي ذات أسرار لا نهاية لها، ولا يعرفها غير المتمرسين في فنون الخط مثل (ابن البواب) و(ابن مقلة) و(ياقوت المستعصمي) . كما أن نص العلم عبادة يبرز حرف الميم، الذي يفتتح كثيرا من أسماء الله الحسنى .
في تجربتها الخطية أظهرت البقالي قياسات حرف الميم، وأيضا الألف، وقالت البقالي الميم بحسب دلالاتها الروحية والقدسية تشتمل هي الأخرى على أسرار كبيرة .
صباح الأربيلي مشقت في احدى لوحاتها جملة وفي ضرام الحب المأخوذة من البيت الشعري أولى بهذا القلب أن يخفقا وفي ضرام الحب أن يحرقا) . وقد تساوت استدارة حرفي الواو والفاء بمعدل نقطتين في استقامتهما، وكان ارتفاع ذيل الواو محكوما بنقطتين، زيدت عليهما نقطة، فأصبحت ثلاث نقاط فصلت بين أول الاستدارة وآخرها .
أما محمد علي زاهد فمشق البسملة وكان ارتفاع حرف الألف في كلماتها بمسافة 8 نقاط، في حين استقامت الحاء في كلمتي الرحمن والرحيم بمقدار خمس نقاط، أما ارتفاع الهاء في لفظ الجلالة، فكان يساوي حرفين .
وقام زاهد في لوحة أخرى بمشق كلمة هو في خط الثلث الجلي والنسخ، وكان ارتفاع الهاء معادلا لأربعة حروف، فيما كانت المسافة بين الهاء والواو مقدرة بنقطة واحدة، أما استقامة الهاء فقدرت بنقطتين، والأمر نفسه بالنسبة لاستدارة الواو في مطلع الحرف .
وقامت نورية غارسيا بمشق نص قرآني بخط الثلث الجلي والنسخ، بدا واضحا فيهما الحفاظ على وحدة القياسات في كل الحروف المتشابهة، خصوصا تلك الحروف التي تجيء في مطالع الكلمات، أما استقامة الحروف فتغيرت تبعا لنوع الحرف، وميله عن السطر، أو طبيعة الحرف الملتصق به، وهكذا .
من جهته شارك محمد مندي في اكثر من لوحة، إحداها وظفت كلمة دبي وقام من خلالها بتوزيع الحروف والنقاط على علم الامارات، بمعنى أنه ألبس كلمة دبي ثوب الامارات ضمن علاقة تربط ما بين السماء والارض، وظهرت في اللوحة تشكيلات لونية ترمز إلى الغيوم والكريستال والمرجان والقواقع .
يقول مندي: إن السر في المشق هو تعيين المسافة، وهو بمثابة علم تشريح الخط الذي يعتمد على قواعد واصول الكتابة التي ابتدعها الخطاطون الاوائل .
في لوحة اخرى استخدم فيها البسملة حاول مندي استخراج الظل والضوء من حركة اللون نفسها، كما قام بتشكيل دعاء الخروج من البيت في لوحة ثالثة فحول ارضية الورقة إلى لون، وكتب الدعاء على شكل دائري، حيث يرى مندي أن للدائرة بعداً فلسفياً روحياً ولها معان كبيرة في التراث العربي الاسلامي .
وفي نوع مختلف من التسويد، استخدم فيه الخط الرقعي قدم محمد علان لوحات إحداها تمثل (الحلية الشريفة) وهي بحسب ما تشير معظم المراجع، وصف لحضرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت تكتب في صورة معينة وبشكل خاص، كما تطورت صورتها، كما هو شأن تصميم صفحتها عبر الأجيال، من الشكل البسيط إلى الشكل المركب، وتشير المراجع إلى أن أول من كتبها، هو الخطاط التركي الحافظ عثمان في القرن السابع عشر الميلادي .
في لوحة أخرى سود العلان نصاً قرآنياً يقول ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون مستخدما الرقعة أيضاً، وأيضاً ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات وقد بدت اللوحات لديه، غاية في التركيب، كما أن قياسات الحروف في كل اشكال كتابتها خضعت لأوزان مضبوطة ودقيقة، وقد تناثرت حروف كثيرة في فضاء لوحاته، وبدا واضحاً الجهد الذي بذل في انجازها، كشأن معظم الخطاطين المشاركين في المعرض .
وتحدث العلان عن تاريخ المشق وحدد عمره بنحو 250 عاما وأن أفضل من كتبه هو الخطاط محمد عزت أفندي، واعتبره خطاً يتميز بالمحافظة على مساحات صغيرة أثناء الكتابة، وليس فيه التفافات ولا حركات إعرابية، كما أن النسبة ما بين استقامة حروفه وتدويرها هي ثلثان إلى الثلث، وقد كانت تكتب فيه مراسلات الدواوين كما انه اقرب الخطوط إلى الخط اليومي .
جميع اللوحات الخطية من معرض المشق في دبي